5315 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحَّدة مُصّغَّرًا، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ) هو عُويمر (وَامْرَأَتِهِ) هي خولة (فَانْتَفَى) أي الرَّجل (مِنْ وَلَدِهَا) قال الطِّيبي الفاء سببية؛ أي الملاعنة سبب الانتفاء، فإن أراد أنَّ الملاعنةَ سببُ ثبوتِ الانتفاء فجيِّد، وإن أراد أنَّ الملاعنةَ سببُ وجود الانتفاء، فليس كذلك، فإنَّه إنْ لَمْ يتعرَّض لنفي الولد في الملاعنة لم يَنْتَفِ.
والحديث في «الموطأ» بلفظ (( وانتفى ) )بالواو لا بالفاء. وذكر ابنُ عبد البرِّ أنَّ بعض الرُّواة عن مالك ذكره بلفظ (( وانتقل ) )، يعني بقاف بدل الفاء ولام آخره، وكأنَّه تصحيفٌ، وإن كان محفوظًا فمعناه قريب من الأوَّل.
وقد تقدَّم الحديث في تفسير سورة النُّور [خ¦4748] ، من وجهٍ آخر عن نافع بلفظ «أنَّ رجلًا رمى امرأتَه وانتفَى من ولدها، فأمرهمَا النَّبي صلى الله عليه وسلم فتلاعنا» ، فوضح أنَّ الانتفاء سببُ الملاعنة لا العكس.
(فَفَرَّقَ) صلى الله عليه وسلم (بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ) أي صيَّره لها وحدها، ونفاه عن الزَّوج فلا توارثَ بينهما، وأمَّا أمُّه فترث منه ما فرض الله لها، كما وقع صريحًا في حديث سهل بن سعد، كما تقدَّم. وقيل معنى إلحاقِه بأمِّه أنَّه صيَّرها له أبًا وأمًا، فترثُ جميعَ ماله إذا لم يكن له وارثٌ آخر من ولد ونحوه، وهذا قول ابنِ مسعود وواثلةَ وطائفة، ورواية عن أحمد.
وروي أيضًا عن ابن القاسم من المالكيَّة،
ج 23 ص 290
وعنه معناه أنَّ عصبةَ أمِّه تصير عصبةً له، وهو قول الأوزاعي والمشهور عن أحمد، وقيل ترثه أمُّه وإخوته منها بالفرض والرَّد، وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، قال فإن لم يكن يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمِّه.
وقد اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام
الأوَّل اللِّعان وليس فيه خلاف، وأجمعوا على صحَّته ومشروعيته.
الثَّاني التَّفرقة بينهما واختلفوا فيها، فعن مالك والشَّافعي أنَّه يقع التَّفرقة بنفس التَّلاعن. وعن أبي حنيفة لا يحصل إلَّا بتفريق الحاكم؛ لظاهر الحديث المذكور، وهو حجَّة على المخالفين.
الثَّالث إلحاقُ الولد بالأم لظاهرِ الحديث، وذلك أنَّه إذا لاعنها ونفى عنه نسب الحمل انتفى عنه، وثبت نسبه من الأم، ويرثها وترث منه، كما مرَّ الآن؛ ففي الحديث دليلٌ على مشروعية اللِّعان؛ لنفي الولد.
وعن أحمد ينتفِي الولد بمجرَّد اللِّعان، ولو لم يتعرَّض الرَّجل لذكره في اللِّعان. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لو استَلْحَقَه لَحِقَه، وإنَّما يؤثر لعان الرَّجل في دفع حدِّ القذف عنه، وثبوتِ زنا المرأة، ثمَّ يرتفعُ عنها الحدُّ بالتعانها.
وقال الشَّافعي إنَّ نفى الولدَ في الملاعنة انتفَى، وإن لم يتعرَّض له فله أن يعيدَ اللِّعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرَّفع إلى الحاكم، فأخر بغير عذرٍ حتَّى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشُّفعة.
وقال أصحابنا الحنفية إذا كان القذف بنفي الولد بحضرة الولادة، أو بعدها بيوم، أو يومين، أو نحو ذلك من مدِّة يوجدُ فيها التَّهيئة وابتياع آلات الولادة عادة صحَّ ذلك، فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفي. ولم يوقِّت أبو حنيفة، وروي عنه أنَّه وَقَّتَ لذلك سبعةَ أيام، وأبو يوسف ومحمد وقتادة بأكثر النِّفاس، وهو أربعون يومًا. وقال الشَّافعي إن نفاهُ على الفور انتفى، وإلَّا لا. وقال الطَّحاوي ذهب قومٌ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به، ولم يلاعن به.
ج 23 ص 291
واحتجُّوا في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( الولد للفراش وللعاهر الحَجَر ) )أخرجه الجماعةُ من حديث عائشة رضي الله عنها غير التِّرمذي، قالوا الفراشُ يُوجِبُ حقَّ الولد في إثبات نَسَبِه من الزَّوج والمرأة فليس لهما إخراجه منه بلعان ولا غيره.
وأراد الطَّحاوي بالقوم هؤلاء عامرًا الشَّعبي ومحمَّد بن أبي ذئب، وبعض أهل المدينة، وخالفهم الآخرون وهم جمهور الفقهاء من التَّابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، فإنَّهم قالوا إذا نفى الرَّجل ولد امرأتهِ يلاعنُ وينتفي نسبه منه، ويلزم أمه.
ثمَّ إنَّه استُدِلَّ بهذا الحديثِ أيضًا على أنَّه لا يشترط في نفي الحَمْل تصريح الرَّجل بأنَّها ولدت من زنى، ولا أنَّه استبرأ بالحيضة، وعن المالكيَّة أنَّه يشترط ذلك، واحتجَّ بعضُ من خالفهم بأنَّه يمكنه نفي الحمل عنه من غير أن يتعرَّض لذلك، بخلاف اللِّعان النَّاشئ عن قذفها.
واحتجَّ الشَّافعي بأنَّ الحامل قد تحيضُ فلا معنى لاشتراط الاستبراء، قال ابنُ العربي ليس عن هذا جواب مقنعٌ.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه البُخاري في الفرائض أيضًا [خ¦6748] ، وأخرجه مسلم في اللِّعان، وأبو داود في الطَّلاق، والتِّرمذي في النِّكاح، والنَّسائي في الطَّلاق، وكذا ابن ماجه فيه.