5334 - 5335 - 5336 - 5337 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح العين والحاء المهملتين وسكون الزاي (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) هو أبو أفلح الأنصاري (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الأسد، وهي بنت أمِّ المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ربيبته صلى الله عليه وسلم.
ج 23 ص 324
وزعم ابن التِّين أنَّها لا رواية لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج لها مسلم حديثَها كان اسمي برَّة، فسمَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب.
وأخرج لها البُخاريُّ حديثًا تقدَّم في أوائل السِّيرة النبويَّة. قال أبو عُمر ولدتها أمُّها بأرض الحبشة، وقدمتْ بها، وحفظتْ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكانت عندَ عبدِ الله بنِ زَمَعةَ بنِ الأسودِ، فوَلَدَتْ له، وكانت من أَفْقَهِ نساء زمانها.
(أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلاَثَةَ) والحديث الأوَّل عن أمِّ حبيبة، والثَّاني عن زينب بنت جحش، والثَّالث عن أمِّ سلمة رضي الله عنهن (قَالَتْ زَيْنَبُ) بنت أبي سلمة (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيْبَةَ) رملة (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ تُوُفِّيَ أَبُوْهَا أَبُو سُفْيَانَ) صخر (ابْنَ حَرْبٍ) بالشَّام وجاءها نعيه (فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيْبَةَ بِطِيْبٍ) أي طلبت طيبًا (فِيْهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُسْتَملي (صُفْرَةٌ خَلُوْقٌ) بوزن صبور، ضرب من الطِّيب (أَوْ غَيْرِهِ) بالجرِّ عطفًا على المضاف إليه، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالرَّفع (فَدَهَنَتْ مِنْهُ) أي من الخلوق (جَارِيَةً) لم تُسَمَّ (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أي مسحتْ أمُّ حبيبة بجانبي وجه نفسها، الظَّاهر أنَّها جعلت الصُّفرة في يديها ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، ومسح يتعدَّى بنفسه وبالباء، يقال مسحت رَأسي وبِرَأسي، وفي الجنائز (( وذِرَاعيَها ) ) [خ¦1280] .
(ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) نفي بمعنى النَّهي (أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ) قوله (( أن تُحِدَّ ) )فاعل (( لا يَحِلُ ) )، وفوق ظرف زمان؛ لأنَّه أضيف إلى زمان (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) إيجاب للنَّفي، والجار والمجرور يتعلَّق بتحد، فيكون استثناء مفرغًا (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) من تمام الاستثناء. فقوله (( على زوج ) )استثناء من (( ميت ) )، وقوله (( أربعة أشهر وعشرًا ) )من فوق ثلاث ليال.
ويحتمل أن يكون التَّقدير إلَّا أن تحدَّ
ج 23 ص 325
على زوج أربعة أشهر وعشرًا، فيكون الاستثناء بهذا التَّقدير متَّصلًا، ويكون على زوج متعلِّقًا بالمحذوف، أو يكون التَّقدير إلَّا على زوج، فإنَّها تحدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا، فيكون أربعة أشهر وعشرًا معمولًا لتُحِد، وعشرًا معطوف على أربعة أشهر.
(قَالَتْ زَيْنَبُ) بنتُ أبي سلمة، هذا هو الحديث الثَّاني (فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابْنَةِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (جَحْشٍ، حِينَ تُوُفِي أَخُوهَا) سميَّ في بعض «الموطآت» عبد الله، وكذا هو في «صحيح ابن حبَّان» من طريق أبي مصعب. لكن المعروف أنَّ عبدَ الله بن جحش قُتل بأُحُدٍ شهيدًا، وزينب بنت أبي سلمة يومئذ طفلة، فيستحيل أن تكون دخلت على زينب بنت جحش في تلك الحالة، ويجوز أن يكون عبيد الله المصغَّر، فإن دخول زينب بنت أبي سلمة عند بلوغ الخبر إلى المدينة بوفاته كان وهي مميِّزة، وأن يكون أبا أحمد بن جحش، فإنَّ اسمَه عبدُ بغير إضافة؛ لأنَّه مات في خلافة عُمر رضي الله عنه، فيجوز أن يكون مات قبل زينب.
لكن وَرَدَ ما يدلُّ على أنَّه حَضَرَ دَفْنَها، أو الميِّت كان أخا زينب بنت جحش من أمها، أو من الرِّضاعة، كذا قال الحافظُ العسقلاني.
(فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ أَمَا) بالتَّخفيف (وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ) فإنَّها تُحِدُّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي مع أيامها، كما قاله الجمهور، فلا تحل حتى تدخل اللَّيلةُ الحادية عشر، وعند الأوزاعي وبعض السَّلف تنقضي بمضي اللَّيالي العشر بعد الأشهر، وتحل في أوَّل اليوم العاشر. وقيل الحكمة في هذا العدد أنَّ الولد يتكاملُ تخليقه ويُنْفَخُ فيه الرُّوح بعد مضي مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذكر العشر مؤنثًا؛ لإرادة اللَّيالي، والمراد مع أيامها، كما مرَّ آنفًا.
(قَالَتْ زَيْنَبُ) بنت أبي سلمة
ج 23 ص 326
بالسَّند السَّابق، وهذا هو الحديث الثَّالث (وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ) وفي «الموطأ» سمعتُ أمِّي أمَّ سلمة، وزاد عبد الرَّزاق عن مالك (( بنت أبي أميَّة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ) (تَقُولُ جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زاد النَّسائي من طريق اللَّيث، عن حميد بن نافع جاءت امرأة من قريش. وسمَّاها ابنُ وهب في «موطئه» عاتكة بنت نُعيم بن عبد الله، وكذا في «معرفة الصَّحابة» لأبي نعيم (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِي عَنْهَا زَوْجُهَا) وهو المغيرةُ المخزومي.
قال الحافظُ العسقلاني لم أقفْ على اسم أبيه، ولم تُسَمَّ البنت التي توفي زوجها فيما وقفت عليه. ورواه الإسماعيليُّ من طُرُقٍ كثيرة فيها التَّصريح بأنَّ البنتَ هي عاتكة، فعلى هذا فأمُّها لم تُسَمَّ.
(وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قيل [1] يجوز فيه وجهان الرَّفع على الفاعليَّة على أن تكون العين هي المشتكية، وعليه اقتصر النَّووي في «شرح مسلم» ونسب الاشتكاء إلى العين مجازًا، ويؤيِّده رواية مسلم (( اشتكت عيناها ) )بلفظ التَّثنية والنَّصب، وهو الذي في اليونينيَّة على أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا في اشتكت راجعًا إلى المرأة، ورجَّحه المنذري.
وقال الحريريَّ إنَّه الصَّواب، وإنَّ الرَّفعَ لحنٌ، وفي «درة الغواص» لا يقال اشتكتْ عينَها، يعني بالرَّفع، ورُدَّ عليه برواية التَّثنية المذكورة، إلَّا أن يُجَابَ بأنَّه على لغة من يُعربُ المثنى في الأحوال الثَّلاث بحركاتٍ مقدَّرة.
(أَفَتَكْحُلُهَا) بضم الحاء، وهو ممَّا جاء مضمومًا، وإن كان عينه حرف حلق (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ) أي لا تكحلها، وفي رواية شعبة عن حميد بن نافع ، قال ذلك (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لاَ) تأكيدًا للمنع. قال الكرمانيُّ قيل هذا النَّهي ليس على وجه التَّحريم، ولئن سلَّمنا أنَّه للتَّحريم فإذا كانت الضَّرورة، فإن دين الله يسر؛ يعني الحرمة تثبت إلَّا عند شدَّة الضَّرر أو الضَّرورة، أو معناه لا تكتحل بحيث يكون فيه زينة.
وقال النَّووي
ج 23 ص 327
فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادَّة سواء احتاجت إليه، أو لا، ورُدَّ عليه بأنَّ الضَّرورة مستثناة في الشَّرع. وفي «الموطأ» وغيره في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها (( اجعليهِ باللَّيل، وامسحيهِ بالنَّهار ) ). ووجه الجَمْعِ بينهما أنَّها إذا لم تحتج إليه لا يحل، وإذا احتاجتْ لم يجز بالنَّهار، ويجوز باللَّيل مع أنَّ الأَولى تركه، فإن فعلتْ مسحته بالنَّهار. وقيل حديث الباب محمولٌ على من لم يتحقَّق الخوف على عينها، وتُعُقِّبَ بأنَّ في حديث شعبة (( فخشوا على عينها ) )، وفي رواية ابن منده (( رمدت رمدًا شديدًا، وقد خشيت على بصرها ) ).
وقيل يجوز الاكتحال، ولو كان فيه طيب، وحملوا النَّهي على التَّنزيه، ومنهم من تأول النَّهي على كحلٍ مخصوص، وهو ما يقتضي التَّزين؛ لأنَّ محضَ التَّداوي قد يحصلُ بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة.
(ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هِيَ) أي العدَّة الشَّرعية (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) كذا وقع في الأصول بالنَّصب على لفظ القرآن، ويجوز بالرَّفع على الأصل، والمراد بذلك تقليل المدَّة، وتهوين الصَّبر عمَّا منعت منه، وهو الاكتحالُ في العدَّة، ولذا قال (وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) والبَعْرة بفتح الموحَّدة والعين وتُسَكَّن، في «القاموس» رجيع ذي الخف والظَّلف، واحدتها بهاء، والجمع أبعار.
وفي ذكر الجاهليَّة إشعار بأنَّ الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنِّسبة إلى ما وصف من الصَّنيع، لكن التَّقدير بالحول استمرَّ في الإسلام بنصِّ قوله تعالى {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} [البقرة 240] ، ثمَّ نُسِخَتْ بالآية التي من قبل وهي {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة 234] .
والنَّاسخ مقدَّم عليه تلاوة، ومتأخِّر نزولًا كقوله تعالى {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة 142] مع قوله تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة 144] .
(قَالَ حُمَيْدٌ) هو نافعٌ راوي الحديث بالسَّند السَّابق (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ)
ج 23 ص 328
هي بنتُ أمِّ سلمة (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ) أي ما المراد بقوله صلى الله عليه وسلم الذي خوطبت به هذه المرأة (فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ) في الجاهليَّة (إِذَا تُوُفِي عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا) بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها شين معجمة، فسَّره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصَّغير. وعند النَّسائي من طريق ابن القاسم، عن مالك الحِفْش الخُص، _ بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة _، وقال الشَّافعي الحفش البيت الذَّليل الشَّعث البناء. وقيل هو شيءٌ من خوص يشبه القُفَّة تَجْمَعُ فيه المعتدةُ متاعَها من غزل وغيره، وقيل بيت صغيرٌ حقيرٌ قريبُ السَّمْكِ، وقيل بيت صغير ضيِّق لا يكاد يتَّسع للتَّقلب، وقال أبو عبيد الحفش الدَّرج، وجَمْعُه أحفاش شَبَّه البيتَ في صِغَره بالدَّرج، وقال الخطَّابي سُمِّي حفشًا؛ لضيقهِ وانضمامه، والتَّحَفُّشُ الانضمام والاجتماع، ووقع في رواية النَّسائي (( عَمَدَتْ إلى شَرِّ بيتٍ لها فجَلَسَتْ فيه ) ).
(وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيْبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية الكُشْمِيْهَني باللام (سَنَةٌ) من وفاة زوجها (ثُمَّ تُؤْتَى) بضم أوَّله وفتح ثالثه (بِدَابَّةٍ) بالتَّنوين، في «القاموس» الدَّابة ما دبَّ من الحيوان، وغلب على ما يُرْكَب، ويقع على المذكر (حِمَارٍ) بالجرِّ والتَّنوين بدل من سابقه (أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ) و (( أو ) )للتَّنويع، وإطلاق الدَّابة عليهما بطريق الحقيقة اللُّغوية (فَتَفْتَضُّ بِهِ) بالفاء ثمَّ التاء المثناة الفوقية، ثمَّ بضاد معجمة. قال الخطَّابي من فضضتُ الشَّيء إذا كسرتَه، أو فرَّقْتَه؛ أي أنَّها كانت تكسر ما كانت فيه من الحداد بما تَفْعَلُه بتلك الدَّابةِ. وقال الأخفشُ معناه تتنظفُ به، وهو مأخوذ من الفضَّة تشبيهًا له ببياضها ونقائها.
وقال ابنُ قتيبة سألتُ الحجازيين عنها، فقالوا إنَّ المعتدَّة كانت لا تغتسل، ولا تمسُّ الماء،
ج 23 ص 329
ولا تقلم ظفرًا، ولا تزيل شعرًا، ثمَّ تخرج بعد الحول بأقبح منظرٍ، ثمَّ تفتضُّ؛ أي تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قُبُلَها وتنبذه، فلا يكاد يعيشُ بعدما تفتض به، وفسَّره مالك بأنَّها تمسح به جلدها، كما سيجيء.
وقال ابنُ وهب تمسحُ بيدها عليه، وعلى ظهره، وقيل معناه تمسحُ به، ثمَّ تفتضُّ؛ أي تغتسلُ بالماء العذب حتَّى تصيرَ بيضاء نقيَّة كالفضَّة. وقال الخليل الفضض الماء العذبُ، يقال افتضضت؛ أي اغتسلت به، وقيل تفتض؛ أي تفارق ما كانت عليه، وذكر الأزهريُّ أنَّ الشَّافعي رواه (( تقبص ) )بالقاف والباء الموحدة والصاد المهملة، وهو الأخذُ بأطراف الأصابع. وقرأ الحسن (( فقبصت قبصة من أثر الرَّسول ) )، والمعروف هو الأوَّل، وقال الكِرمانيُّ يحتمل أن تكون الباء في تفتضُّ به للتَّعدية، أو زائدة بمعنى تفتضُّ الطَّائر؛ أي تكسر بعض أعضائهِ، ولعلَّ غرضهنَّ منه الإشعار بإهلاك ما كنَّ فيه، ومن الرَّمي الانفصال منه بالكليَّة.
(فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ) ممَّا ذكر (إِلاَّ مَاتَ) كلمة (( ما ) )في قلَّما مصدريَّة؛ أي فقلَّ افتضاضها بشيءٍ، وقيل تكون ما في ثلاثة أفعال زائدة كافةٍ لها عن العمل، وهي قَلَّ وكثُر وطال، وعلَّة ذلك تشبيه هذه الأفعال برُبَّ، ولا تدخل هذه الأفعال إلَّا على جُمْلةٍ فِعْلِيَّة، وعلى هذا تُكْتَبُ قلَّما متَّصلةً. وقوله (( بشيء ) )يتعلَّق بتفتضُّ، وإلَّا إيجابٌ لما في الجملة من معنى النَّفي؛ لأنَّ قولك قلَّ يقتضي نفي الكثير، فإلَّا إيجاب لنفيه، والمعنى قلَّما تفتضَّ بشيءٍ فيعيش.
(ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى) على البناء للمفعول (بَعَرَةً، فَتَرْمِي بِهَا) أي بتلك البعرةِ، وفي رواية مطرِّف وابن الماجشون عن مالك (( ترمي ببعرةٍ من بعر الغنم أو الإبل فترمِي بها أمامها، فيكون ذلك إحلالًا لها ) ). وفي رواية ابن وهب (( ترمي ببعرةٍ من بعر الغنم وراء ظهرها، ثمَّ قيل المراد برمي البعرةِ إشارة إلى أنَّها رمت العدَّة رمي البعرة.
ج 23 ص 330
وقيل إشارة إلى أنَّ الفعل الذي فعلته من التَّربُّص والصَّبر على البلاء الذي كانت فيه؛ لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استخفافًا له، واستحقارًا، وتعظيمًا لحقِّ زوجها. وقيل ترميها على سبيل التَّفاؤل؛ لعدم عودها إلى ذلك )) .
(ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ) أي بعد ما ذكر من الافتضاض والرَّمي (مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ) ممَّا كانت ممنوعةً عنه في العدَّة (سُئِلَ مَالِكٌ) الإمام (مَا تَفْتَضُّ) أي ما معنى تفتضُّ (قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا) ليس بين هذا، وبين ما نقله ابنُ قتيبة عن الحجازيين من أنَّ المرادَ جلدُ القُبُلِ مخالفة، إلَّا أنَّه أخص منه؛ لأنَّ مالكًا أطلقَ الجلد، والذي نقله ابنُ قتيبة مبيِّنٌ له.
وقال ابنُ الأثير هو كناية عن الإسراع؛ أي تذهب بعدو وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها بقبح منظرها، أو لشدَّة شوقها إلى التَّزويج؛ لبعدِ عهدها به.
ومطابقةُ الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
والحديثُ الأوَّل والثَّاني مَضَيا في الجنائز، في باب إحداد المرأة على غيرِ زوجها [خ¦1280] [خ¦1281] ، والحديث الثَّالث في الطِّب [خ¦5706] . وأخرجه مسلم في الطَّلاق، والنَّسائي فيه، وفي التَّفسير، وابن ماجه في الطَّلاق.
[1] في هامش الأصل ابن دقيق العيد.