فهرس الكتاب

الصفحة 794 من 11127

477 - (حَدَّثَنا مُسَدَّد قَالَ حَدَّثَنا أَبُو مُعَاويَةُ) محمد بن خَازِم الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) هو سليمان بن مِهران (عَن أَبِي صَالِحٍ) هو ذكوان (عَن أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله عنه (عَن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيه رواية التابعي عن التابعي، وقد أخرج متنه المؤلف في باب فضل الجماعة أيضًا [خ¦647] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في «الصلاة» .

(قَالَ صَلاةَ الجَمِيْعِ) أي صلاة الجماعة، والجميع في اللغة ضد المتفرق، والجيشُ أيضًا والحيُّ المجتمع، ويؤكَّد به يقال جاؤوا جميعًا؛ أي كلهم (تَزِيْدُ عَلَى صَلاَتِهِ) أي على صلاة المنفرد يدل عليه قوله (في بَيْتِهِ) إذ الغالب أن الرجل يصلي في بيته منفردًا. (وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ) أي دكانه (خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) نصب على أنه مفعول لقوله «تزيد» نحو قولك زدت عليه عشرةً ونحوها.

قال ابن بطال فيه أن الصلاة للمنفرد فيها درجة من خمس وعشرين درجة.

وقال الكرماني لم يقل تساوي صلاته منفردًا خمسًا وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال تزيد، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء.

وقال محمود العيني قال ذلك بالنظر إلى الرواية المذكورة في الباب، ولو كان وقف على الروايات التي تُذْكَر لما قال ذلك كذلك.

(فإن أَحَدَكُمْ) كذا في رواية الأكثرين بالفاء، وفي رواية الكشميهني بالباء.

وَوَجُهَها أن تكون الباء للمصاحبة فكأنه قال تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أخرى وهو رفع الدرجات، وصلاة الملائكة ونحوهما، ويجوز أن تكون للسببية.

(إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ) وضوءه وإحسان الوضوء إسباغه برعاية السنن والآداب (وَأَتَى الْمَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلاَةَ) جملة حالية والمضارع المنفي إذا وقع حالًا يجوز فيه الواو وتَرْكُه (لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً) قال السفاقسي رويناه _ بفتح الخاء _ وهي المرة الواحدة، وقال القرطبي الرواية _ بضم الخاء _ وهي واحدة الخُطَى وهي ما بين القدمين، والتي بالفتح مصدر.

(إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِها دَرَجَةً، أَو حَطَّ) ويروى بالواو وهذا أشمل (عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ يحْبِسُهُ) أي ما كان المسجد يحبسه؛ أي مدة دوام حبس المسجد إياه.

(وَتُصَلِّي الْمَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ)

ج 3 ص 353

أي تدعو له (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) قائلين (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُؤْذِ) بضم الياء وبالذال المعجمة، من الإيذاء ومفعوله محذوف؛ أي ما لم يؤذ المصلي الملائكة بالحدث في المسجد وهو معنى قوله

(يُحْدِث فِيهِ) بضم الياء، من الإحداث وهو مجزوم في رواية الأكثرين على أنه بدل من «يؤذ» ويجوز رفعه على طريق الاستئناف، وفي رواية الكشميهني بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بقوله (يؤذ) ، وفي بعض النسخ بطرح لفظ يؤذ من باب الأفعال؛ أي ما لم ينقض الوضوء، أو من باب التفعيل؛ أي ما لم يتكلم بكلام الدنيا، وفي رواية أبي داود (( ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه ) )والمعنى ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدًا بقوله أو فعله أو يحدث من الإحداث.

ومن فوائد الحديث الدلالة على فضيلة الجماعة.

ومنها جواز اتخاذ المساجد في البيوت، واستدل به بعض المالكية على أن صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، وهو مردود كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى، وإلى مطلوبية الكثرة ذهب الشافعي وابن حبيب المالكي.

تتمة اعلم أنه قد وقع في رواية البخاري أيضًا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه [خ¦646] (( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته خمسًا وعشرين درجة ) ).

وعند ابن ماجه (( بضعًا وعشرين درجة ) )، وفي لفظ (( تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفَذِّ ) )، وفي لفظ (( تزيد على صلاة الفذ خمسًا وعشرين ) )، وفي لفظ (( بضعة وعشرين جزءًا ) )، وفي لفظ (( خير من صلاة الفذ ) )، وفي لفظ (( تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ) ).

وفي لفظ (( صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصليها وحده ) ).

وفي كتاب ابن حزم صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعًا وعشرين درجة.

وفي (( سنن الكجي ) )صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ، وعند ابن حِبَّان فإنْ صلَّاها بأرض فيءٍ فأتم وضوءها وركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة.

وعند أبي داود بلغت خمسين صلاة.

وقال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة.

وعند البخاري من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة [خ¦645] .

ج 3 ص 354

قال الترمذي كذا رواه نافع، وعامةَ مَن روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قال خمسًا وعشرين.

وعند ابن حبان من حديث أبُيِّ بن كعب رضي الله عنه أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة [1] وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين وما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل.

وعند أبي نُعيم عن العمري عن نافع بلفظ سبعة أو خمسة وعشرين.

وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين ضعفًا كلها مثل صلاته. وفي لفظ تزيد خمسًا وعشرين.

وفي (( تاريخ البخاري ) )من حديث الإفريقي عن قَبَاث بن أَشْيَم (( صلاة رجلين يَؤُم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى ) ).

وعند السراج من حديث أنس موقوفًا بسند صحيح تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة.

وعند الكجي من حديث أبان عنه مرفوعًا تَفْضُل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بأربع وعشرين صلاة.

وعند السراج بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها تفضل على صلاته وحده [2] خمسًا وعشرين درجة، وكذا رواه معاذ عند الطبراني.

وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما «فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة قال فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل وإن كانوا عشرة آلاف قال نعم» .

وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب الدمشقي عن زُريق بن عبد الله الألهاني عنه (( صلاة الرجل في بيته بصلاة وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمَّع فيه بخمسمائة صلاة ) ).

وفي (( فضائل القدس ) )لأبي بكر محمد بن أحمد الواسطي من حديث ابن الخطاب (( وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين صلاة، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) ).

ومن حديث عمار بن الحسن عن أنس مرفوعًا (( وصلاة بسواك بأربعمائة ) ).

هذا؛ وقد اختلفوا في وجه الجمع بين سبع وعشرين درجة، وخمس وعشرين درجة

ج 3 ص 355

فقيل السبع متأخرة عن الخمس، فكأن الله أخبره بخمس ثم زاده.

ورُدَّ هذا بتعذر التاريخ، ورُدَّ هذا الرد بأن الفضائل لا تُنْسخ، فتعين أنه متأخر.

وقيل إن صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة ومن صلاته في بيته أو في سوقه بخمس وعشرين.

وقيل إن الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخُطَا إلى الصلاة ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس والتي فيها ذلك تفضل بسبع.

وقيل إن ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة، فمن أكملها وحافظ عليها فوق من أخلَّ بشيء من ذلك، وقيل إن الزيادة لصلاتي العشاء والصبح؛ لاجتماع ملائكتي الليل والنهار فيهما.

ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر ) )فذكر اجتماع الملائكة بواو واصلة، واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة، وقيل لا منافاة بين الحديثين؛ لأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين.

وقال ابن الأثير إنما قال درجة، ولم يقل جزءًا ولا نصيبًا، ولا حظًا ولا شيئًا من أمثال ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق.

وقال محمود العيني قد جاء فيه لفظ الجزء والضِّعف، وقد تقدَّما عن قريب، فكأنه لم يَطَّلع عليهما.

هذا. وقيل إن الدرجة أصغر من الجزء فكأن الخمسة والعشرين إذا جُزِّئت درجات كانت سبعًا وعشرين درجة.

وقال محمود العيني هذا ليس بصحيح لأنه جاء في (( الصحيحين ) ) «سبعًا وعشرين درجة» ، [خ¦645] و «خمسًا وعشرين درجة» [خ¦647] فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.

وقيل يحتمل أن تكون الدرجة في الآخرة، والجزء في الدنيا.

فإن قيل قد عُلِم مما ذكر من الوجوه وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة في التنصيص عليهما؟.

فالجواب أنه نقل الطيبي عن التُورِبِشتي وأما وجه قَصْر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى، فالمرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قَصُرت علوم الألبَّاء عن إدراك جُمَلها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة المقربين، واقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغيرها. انتهى.

ج 3 ص 356

وقال محمود العيني هذا لا يشفي الغليل ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمدية أن كل حسنة بعشر أمثالها بالنَّص وإنه لو صلى في بيته كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه كان لكل صلاة عشر، ثم إنه إذا صلى بالجماعة يضاعف له مثله فيصير ثواب عشرين صلاة، وأما زيادة الخمسة فلأنه أدى فرضًا من الفروض الخمسة فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى، نظير عدد الفروض الخمسة زيادة على عشرين إنعامًا وفضلًا منه عليه فتصير الجملة خمسة وعشرين.

وجواب آخر وهو أن مراتب الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف، والمئة من الأوساط وخير الأمور أوساطها والخمسة والعشرون ربع المئة، وللربع حكم الكل، وأنت خبير بأنه أيضًا لا يشفي الغليل.

وأما زيادة السبعة فقال الكرماني يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم والليلة إذ الفرائض سبعة عشر والرواتب عشرة. انتهى.

وقال محمود العيني الرواتب المؤكدة اثني عشر لحديث المثابرة، فيصير تسعة وعشرين فلا يطابق الواقع، فنقول يمكن أن يقال إن أيام الدنيا سبعة فإذا صلى بالجماعة يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة، وأما الوتر فلعله شُرِع بعد ذلك.

ثم العلماء قد اختلفوا هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما يكون ذلك للجماعة التي تكون في المسجد لما يلزم ذلك من أفعال تختص بالمساجد.

قال القرطبي والظاهر هو الأول؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم، والله أعلم.

[1] هكذا في العمدة أيضًا، وقوله أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة ليست في المطبوع من ابن حبان.

[2] (( من قوله بأربع وعشرين. .. إلى قوله صلاته وحده ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت