482 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصور بن بَهرام، وقد تقدَّم في باب فضل من علم [خ¦79] (قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ) بضم المعجمة على صيغة التصغير، وهو النَّضْر بن شميل كما وقع في رواية ابن عساكر.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو، هو عبد الله بن عون، وقد مر في باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رُبَّ مُبَلَّغ ) ) [خ¦67] (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد وقد تكرر ذكره [خ¦67] [خ¦171] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وبصري، وأخرج متنه المؤلف في السهو أيضًا [خ¦1229] ، وكذا أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ) بفتح المهملة وكسر المعجمة وتشديد الياء، وهو من أول الزوال إلى الغروب، هكذا في رواية الأكثرين.
وفي رواية المستملي والحمويي والظاهر أنه وهم، فقد صح أنها الظهر [خ¦6051] أو العصر [خ¦1229] في رواية أخرى للبخاري، وكذا في رواية مسلم وأبو داود.
(قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا) أهي الظهر أم العصر؟ قال وأكبر ظني أن أبا هريرة ذكر صلاة الظهر، نقله عنه الطحاوي، وكذا ذكره البخاري في كتاب الأدب [خ¦6051] .
(قَالَ) أبو هريرة رضي الله عنه (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ) على ظن أنها أربع(فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ
ج 3 ص 359
مَعْرُوضَةٍ)أي موضوعة بالعرض أو مطروحة.
(فِي) ناحية (الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى) وفي رواية (وشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعَهُ، ووَضَعَ خَدَّهُ الأَيمَن عَلى ظَهْرِ كَفِهِ اليُسْرَى) يحتمل أن يكون الوضع حال التشبيك وأن يكون بعد زواله، ثم في رواية بدل خده الأيمن، والرواية الأولى أولى لئلا يلزم التكرار.
(وخَرَجَتِ السَّرَعَانُ) بفتح السين والراء، قال الجوهري سرعان الناس بالتحريك أوائلهم، ويقال أخفاؤهم والمستعجلون منهم، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه، وهو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وكذا ضبطه المتقنون.
وقال ابن الأثير السَّرَعان _ بفتح السين والراء _ أوائل الناس الذي يتسارعون إلى الشيء ويُقْبِلون عليه بسرعة ويجوز _ تسكين الراء _.
وكذا نقل القاضي عن بعضهم قال وضبطه الأَصيلي في البخاري _ بضم السين وإسكان الراء _، ووجهه أنه جمع سريع كقفيز وقفران وكثيب وكثبان، ومن قال سِرعان _ بكسر السين _ فقد أخطأ.
وقيل يقال أيضًا سِرْعان _ بكسر السين وسكون الراء _، وهو جمع سريع كرعيل ورعلان.
وأما قولهم سرعان ما فعلت ففيه ثلاث لغات _ الضم والكسر والفتح مع إسكان الراء والنون مفتوحة أبدًا _.
(مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا قُصِرتِ الصّلاةِ) بضم القاف وكسر الصاد ويروى _ بفتح القاف وضم الصاد _ (وفِي القَومِ أَبُو بَكْرٍ وعُمَر) رضي الله عنهما (فَهَابَا) بدون الضمير، وفي رواية من الهيبة وهو الخوف والإجلال؛ أي خاف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(أَنْ يُكَلِّمَاهُ) في ذلك إجلالًا له (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ) هو الخِرْباق _ بكسر المعجمة وإسكان الراء وبالموحدة وفي آخره قاف _ (فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ) فيه روايات ففي رواية الطحاوي (( فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سماه ذا اليدين ) ).
وفي رواية «فقام ذو اليدين» ، في أخرى «رجل من بني سُلَيم» ، وفي أخرى «رجل يقال له الخرباق بن عمرو وكان في يديه طول» ، وفي رواية «كان رجلًا بسيط اليدين» .
ج 3 ص 360
وفي رواية الطحاوي في حديث عمران بن الحصين (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلَّى بهم الظهر ثلاث ركعات ثم سلم وانصرف فقال له الخرباق يا رسول الله؛ إنك صليت ثلاثًا قال فجاء فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين للسهو ثم سلم ) ).
وأخرجه أحمد أيضًا في (( مسنده ) )، والطبراني في (( الكبير ) )وهو الذي يقال له ذو اليدين وذو الشمالين أيضًا وكلاهما لقبٌ عليه.
وقال السمعاني في (( الأنساب ) )ذو اليدين ويقال له ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعًا، وقال ابن حبان في (( الثقات ) )ذو اليدين ويقال له ذو الشمالين [1] أيضًا هو ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.
وقال أبو عبد الله العدني في (( مسنده ) )قال أبو محمد الخزاعي ذو اليدين أحد أجدادنا وهو ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن ثور بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.
وقال ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عكرمة قال صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالناس ثلاث ركعات ثم انصرف فقال له بعض القوم حدث في الصلاة شيء، قال (( وما ذاك؟ ) )قالوا لم تصلِّ إلا ثلاث ركعات، فقال (( أكذلك يا ذا اليدين ) )؟ وكان يسمى ذا الشمالين قال نعم، فصلى ركعة وسجد سجدتين.
وقال ابن الأثير في (( معرفة الصحابة ) )ذو اليدين اسمه الخرباق من بني سليم كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين؛ لأنه خزاعي حليف لبني زُهْرة قُتِل يوم بدر، وإن قصة ذو الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك.
وقد جاء في حديث عبيد بن عمير مفسرًا فقال فيه ذو اليدين أخو بني سليم، وفي رواية الزهري (( ذو الشمالين ) )رجل من بني زهرة.
وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود رضي الله عنه قالوا لأن ذا الشمالين قُتِل يوم بدر فيما ذكره أهل السِّيَر وهو من بني سليم فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم وإن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر فليس هو بالخرباق، بل هو رجل آخر حليف لبني زهرة اسمه عمير بن عبد عمرو من خزاعة بدليل رواية أبي هريرة من حديث ذي اليدين، ومشاهدته خبره، ولقوله صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخَيْبَر بعد يوم بدر بسنتين، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر.
وقد عَدُّوا قول الزهري فيه هذا من وهمه، وقد عدها بعضهم حديثين في نازلتين
ج 3 ص 361
وهو الصحيح لاختلاف صفتهما؛ لأن في حديث الخرباق ذي الشمالين أنه سَلَّم من ثلاث. وفي حديث ذي اليدين من اثنتين، وفي حديث الخرباق أنها العصر، وفي حديث ذي اليدين أنها الظهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله. انتهى.
وقال أبو عمر ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل ما في حديث أبي هريرة، وأما قول الزهري في هذا الحديث أنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه.
وقال محمود العيني أنه وقع في كتاب النسائي أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخرباق، واستُدل عليه بروايات كلها تدل على أنهما واحد، ثم استشكل بروايات تدل على أنهما شخصان، وأجاب بأنها روايات ضعيفة لا تقاوم الروايات التي تدل على أنهما واحد.
ثم قال فإن قيل إن ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا لشخص واحد على ما زعمتم كيف يستقيم حضور أبي هريرة رضي الله عنه تلك الصلاة مع أن ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قُتِل ببدر وأبو هريرة أسلم عام خيبر، وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر الحديث وفيه فقام ذو اليدين فقال يا رسول الله. أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية (( صلى لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسلَّم في ركعتين فقام ذو اليدين ) )الحديث.
فالجواب أنه قال الطحاوي معناه صلى بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة كما روي عن النَزَّال بن سَبْرة قال قال لنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنا وإيَّاكم كُنَّا نُدعى بني عبد مناف ) )الحديث.
والنزال لم يرَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما أراد بذلك أنه قال لقومنا.
وروي عن طاوس قال قدم علينا معاذ بن جبل فلم يأخذ في الخضراوات شيئًا، وأراد قدم بلدنا؛ لأن معاذًا قدم اليمن في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يولد طاوس.
ومثله ما ذكره البيهقي في باب بيان أن النهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال جاءنا أبو ذر رضي الله عنه ... إلى آخره.
قال البيهقي مجاهد لا يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله جاءنا؛ أي جاء بلدنا. انتهى.
وأنت خبير بأنه بقي الاختلاف في صفة الحديث هل صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ركعتين فسلم أو ثلاثًا فسلم؟ وهذا يقتضي تعدد القصة، فافهم.
(قَالَ) وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ) بفتح النون وتخفيف السين (أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ)
ج 3 ص 362
على صيغة البناء للمفعول أو للفاعل (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ) أي الصلاة، وفي رواية مسلم (( كل ذلك لم يكن ) )وفي رواية أبي داود (( كل ذلك لم أفعل ) ).
قال النووي فيه تأويلان
أحدهما أن معناه لم يكن المجموع، لا نفي وجود أحدهما.
والثاني وهو الصواب أن معناه لم يكن لا ذاك ولا هذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، ويدل على صحة هذا التأويل وأنه لا يجوز غيره أنه جاء في رواية البخاري في هذا الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لم تقصر ولم أنس.
ويقال قوله (لم أنس) يرجع إلى السلام؛ أي لم أسهو فيه، وإنما سلَّمت قصدًا ولم أَسْهُ في نفس السلام وإنما سهوت عن العدد.
وقال القرطبي وهذا فاسد؛ لأنه حينئذ لا يكون جوابًا عما سُئل عنه.
ويقال بين النسيان والسهو فرق فقيل كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأن فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي.
وقال القشيري هذا الفرق بينهما في استعمال اللغة، وكأنه يلوح من اللفظ على أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، أو يكون النسيان الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر لأجل الإعراض، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض.
وقال القرطبي لا نُسَلم الفرق ولئن سلم فقد أضاف النسيان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى نفسه في غير ما موضع كقوله (( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ) ) [خ¦401] .
وقال القاضي إنما أنكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نسيتُ» المضاف إلى نفسه وهو قد نهى عن هذا بقوله (( بئسما لأحدكم أن يقول نسيت كذا ولكنه نُسِّيَ ) )_ بالتشديد _.
وقد قال أيضًا «لا أنسى» على النفي «ولكن أُنَسَّى» من الأفعال. وقد شك بعض الرواة في روايته فقال أُنَسَّى أو أَنْسَى وإن «أو» للشك أو للتقسيم، وإن هذا يكون مرة من قبل شغله ومرة يغلب ويُحْبَر عليه فلما سأله السائل بذلك أنكره وقال كل ذلك لم يكن.
وفي الأخرى «لم أنس ولم تقصر» أما القصر فبيّن، وكذلك «لم أنس» حقيقةً من قبل نفسي ولكن الله أنساني.
ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي أن النهي في الحديث عن إضافة نسيت إلى نفسه بالنسبة إلى الآية الكريمة؛ لأنه يَقْبُح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النهي الخاص النهيَ العام في ذلك، فافهم.
وذكر بعضهم أن العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأما إخباره في الأمور الوجودية فيجوز فيها النسيان.
ج 3 ص 363
وقال محمود العيني تحقيق الكلام في هذا المقام أن قوله (لم أنس ولم تقصر الصلاة) مثل قوله «كل ذلك لم يكن» ، والمعنى كل من القصر والنسيان لم يكن، فيكون في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لوجهين
أحدهما أن السؤال عن أحد الأمرين بأَمْ يكون لطلب التعيين بعد ثبوت أحدهما عند المتكلم لا على التعيين، غير أنه إنما يكون بالتعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة للمستفهم، لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون لنفي العموم؛ لأنه عارف بأن الكائن أحدُهما.
والثاني أنه لما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كل ذلك لم يكن» قال له ذو اليدين بعض ذلك قد كان، ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع.
وقوله «قد كان بعض ذلك» موجبةٌ جزئيةٌ ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي، وهاهنا قاعدة أخرى وهي أن لفظة «كل» إذا وقعت في حيز النفي كان النفي متوجهًا إلى المجموع، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد كقولك ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدرهم، وقوله
~مَا كُلُّ مَا يتمنَّى المرءُ يدرِكُه
وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( كل ذلك لم يكن ) ).
(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للحاضرين (أَكَمَا) أي الأمر كما (يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا نَعَمْ) وفي رواية وفي أخرى «فقال الناس نعم» [خ¦714] ، وفي رواية أبي داود (( فأومأوا أي نعم ) )، والأكثر قالوا نعم، ويمكن أن يجمع بينهما بأن بعضهم أومأوا وبعضهم تكلموا.
(فَتَقَدَّمَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَصَلَّى مَا تَرَكَ) أي الركعتين (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا) كلمة ربَّ أصلها للتقليل وكَثُرَ استعمالها في التكثير، ويلحقها كلمة «ما» فتدخل على الجمل كما هنا.
(سَأَلُوهُ) أي سألوا ابن سيرين هل في الحديث (ثُمَّ سَلَّمَ؟) يعني سألوا ابن سيرين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد هذا السجود سلم مرة أخرى أو اكتفى بالسلام الأول (فَيَقُولُ) وفي رواية أي ابن سيرين (نُبِّئْتُ) بضم النون وتشديد الموحدة على البناء للمفعول؛ أي أخبرت.
(أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ) وهذا يدل على أنه لم يسمع من عمران، وقد بيَّن أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران فقال
ج 3 ص 364
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أخبرنا محمد بن عبد الله المثنى قال حدثني أشعث عن محمد بن سيرين قال حدثني خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب، عن عمران بن حصين (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم فَسَهَا ثم سجد سجدتين ثم تشهد ثم سلم ) ).
ورواه النسائي والترمذي وقال حسن غريب.
ورواه الطحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال سمعت أبا قلابة يحدث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين (( أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بهم الظهر ثلاث ركعات ثم سلم وانصرف فقال له الخِرْبَاق يا رسول الله؛ إنك صليت ثلاثًا، قال فجاء فصلى ركعتين ثم سلم ثم سجد سجدتين للسهو ثم سلم ) ).
فإن قيل كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة بعدُ؟.
فالجواب أنهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مُجَوزين النسخ في الصلاة من أربع إلى الركعتين.
وقال النووي إنَّ هذا كان خطابًا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجوابًا وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح أن الجماعة أومأوا؛ أي أشاروا نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا.
ثم إن فيه إشكالًا على مذهب الشافعي؛ لأن عندهم أنه لا يجوز رجوع المصلي في قدر صلاته إلى قول غيره إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على يقين نفسه.
وأجاب النووي عن ذلك بأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل ليتذكر، فلما ذكَّروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لم أنس ولم تقصر ) ).
وتعقبه محمود العيني بأن هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنه لا يخلو من الرجوع سواء كان رجوعه للتذكر أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا لأجل يقين نفسه.
وقال ابن القصار اختلفت الرواة في هذا عن مالك فمرة قال يرجع إلى قولهم وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه قال يبني على غالب ظنه، وقال مرة أخرى يعمل على يقينه ولا يرجع إلى قولهم كقول الشافعي.
فإن قيل في حديث عمران بن حصين أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل منزله ولا يجوز لأحد اليوم أن ينصرف عن القبلة ويمشي وقد بقي عليه شيء من الصلاة.
فالجواب أنه فعل ذلك وهو لا يرى أنه في الصلاة، هكذا قيل، وفيه أنه يلزم على هذا لو أكل أو شرب أو باع أو اشترى، وهو لا يرى أنه في الصلاة لا يخرجه ذلك منها.
والجواب الصحيح أنه منسوخ فلا يعمل به اليوم. ومن فوائد أحاديث الباب ما ترجم عليه من جواز تشبيك الأصابع.
والعلماء
ج 3 ص 365
اختلفوا في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة فكَرِه إبراهيم ذلك في الصلاة وهو قول مالك، ورخَّص في ذلك ابن عمر وابنه سالم فكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد.
وقال مالك إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد وما به بأس، وإنما يُكره في الصلاة، وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث
منها ما أخرجه ابن حبان في (( صحيحه ) )عن كعب بن عجرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له (( يا كعب إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى المسجد فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة ) ).
ومنها ما أخرجه الحاكم في (( مستدركه ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا وشبك بين أصابعه ) )وقال حديث صحيح على شرط الشيخين.
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن مولىً لأبي سعيد رضي الله عنه وهو مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسجد فرأى رجلًا جالسًا وسط الناس وقد شبَّك بين أصابعه يُحدث نفسه فأومَأ إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يَفْطن له، فالتفت إلى أبي سعيد فقال (( إذا صلى أحدكم فلا يُشَبِّكن بين أصابعه فإن التشبيك من الشيطان ) ).
لكن تلك الأحاديث غير مقاومة لأحاديث الباب في الصحة ولا مساوية لها.
وقيل ليس بين هذه الأحاديث معارضة؛ لأن النهي إنما ورد عن فعل ذلك في الصلاة أو في المضي إلى الصلاة، وفعلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس في صلاة، ولا في المضي إليها فلا معارضة إذًا وبقي كل حديث على حاله.
فإن قيل في حديث أبي هريرة الذي في الباب وقع تشبيكه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في الصلاة؟.
فالجواب أنه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه فهو في حكم المُنصرِف من الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة؛ لأن فيها ضعيفًا ومجهولًا، وقد رواها ابن أبي شيبة ولفظه (( إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه؛ لأن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه ) ).
وقال ابن المُنَيِّر التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في اللفظ.
ثم إن في حكمة النهي عن التشبيك وجوهًا
ج 3 ص 366
أحدها كونه من الشيطان كما ذكر.
والثاني أنه يجلب النوم وهو من مظان الحَدَث.
والثالث أن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف كما نبه عليه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما فكُرِه ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهي عنه وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمصلين (( لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) )، والله أعلم.
ثم من فوائد الحديث الأخير أن سجود السهو سجدتان، وفيه دليل للحنفية أن سجدتي السهو بعد السلام فهو حجة على الشافعي ومن تبعه في أنهما قبل السلام.
ومنها أن الذي عليه السهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه هل يصح؟ لأنه قال في رواية عمران بن حصين فجاء فصلى ركعة. وفي رواية غيره من الجماعة (( فتقدَّم وصلى ) )وهو رواية البخاري هاهنا. وفي رواية (( فرجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مقامه ) ).
ولكن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة، فعند الشافعي فيها وجهان
أصحهما أنه يصح؛ لأنه ثبت في (( صحيح مسلم ) )أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مضى إلى الجذع وخرجت السَّرَعان، وفي رواية (( دخل منزله ) )، وفي رواية (( دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته ) ).
والوجه الثاني وهو المشهور عندهم أن الصلاة تبطل بذلك.
وقال النووي وهذا مشكل وتأويل الحديث صعب على من أبطلها، ونقل عن مالك أنه ما لم يُنْقَض وضوءه يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران.
ومذهب أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة إذا سلم ساهيًا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل يصح اقتداؤه، أما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد ولم يتكلم فكذلك؛ لأن المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنه مكان الصلاة، وإن كان قد خرج من المسجد ثم تذكر لا يعود وتفسد صلاته.
وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه وإلا فلا، وإن مشى أمامه لم يذكره في الكتاب.
وقيل إن مشى قدر الصفوف التي خلفه تفسد وإلا فلا، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل إذا جاوز موضع سجوده لا يعود وهو الأصح، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة فإن كان يعود ما لم يجاوزها؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد، والله أعلم.
وأجابوا عن الحديث بأنه منسوخ؛ وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخلاف ما قد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمله يوم ذي اليدين،
ج 3 ص 367
والحال أنه كان فيمن حضر يوم ذي اليدين فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك لما عَمِل بخلاف ما عَمِل به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ومنها أنه استدل به قوم على أن الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة لا يقطع الصلاة، وأن الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السهو لا يقطع الصلاة، وهو مذهب مالك وربيعة والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال أبو عمر بن عبد البر وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك وأصحابه سواء.
وإنما الخلاف بينهم أن مالكًا يقول لا يُفسد الصلاة تَعمُّد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم إلا ما روي عنه في المنفرد وهو قول أحمد بن حنبل ذكره الأثرم عنه أنه قال ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم يفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت.
وذكر الحربي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ساهيًا بطلان صلاته إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته.
وقال الشافعي وأصحابه ومن تابعهم من أصحاب مالك وغيرهم أن من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يُتِمَّ الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لا يبطلها.
قال النووي وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو قول ابن عباس وعبد الله بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وجميع المحدثين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري في أصح الروايتين عنه تبطل صلاته بالكلام ناسيًا أو جاهلًا. انتهى.
وأجمع المسلمون طرًا أن الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في الصلاة ولم يكن ذلك لإصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أن من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجِسَام لم تفسد بذلك صلاته، وهو قول ضعيف في النظر.
وقال القاضي عياض المشهور عن مالك وأصحابه الأخذ بحديث ذي اليدين، وروي عنه ترك الأخذ به وإنه كان يستحب أن يُعيد ولا يبني قال وإنما تكلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه؛ لأنهم ظنُّوا أن الصلاة قُصِرت ولا يجوز ذلك لأحدنا اليوم.
وقال الحارث بن مسكين أصحاب مالك كلهم قالوا كان هذا أول الإسلام، وأما الآن
ج 3 ص 368
فمن تكلم فيها أعادها.
ومنها أن من قال ناسيًا لم أفعل وكان قد فعله لم يكن كاذبًا، ومنها جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين، ومنها الاجتزاء بسجدتين عن السهوات؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّم عند الركعتين وتكلم ناسيًا واقتصر على السجدتين، والله أعلم.
[1] (( من قوله لأنه كان. .. إلى قوله ذو الشمالين ) )ليس في (خ) .