5376 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، المخزومي القرشي المدني (أَخْبَرَنِي) بالإفراد، وهو تأخير الصِّيغة عن الرَّاوي، هكذا وقع، وهذا التَّصرف من الرَّاوي جائز، وقد أخرجه الحُميدي في «مسنده» ، وأبو نُعيم في «مستخرجه» من طريقه عن سفيان قال حدَّثنا الوليد بن كثير. .. إلى آخره.
(أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، مولى عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) بضم العين، ابن عبد الأسد بن بلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله، وأمُّ عمر المذكور هي أمُّ سلمة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو رَبيبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وطالَ عُمُره.
(يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا) دون البلوغ، يقال للصَّبي من حين يولد إلى أن يبلغَ غلام، وقد ذكره ابن عبد البرِّ، ولد في السَّنة الثَّانية من الهجرة بأرض الحبشة، وتبعَه غير واحدٍ، وفيه نظرٌ، بل الصَّواب أنَّه وُلِدَ قبل ذلك، فقد صحَّ في حديث عبد الله بن الزُّبير، أنَّه قال كنتُ أنا وعمر بن أبي سلمة مع النِّسوة يوم الخندق، وكان أكبرَ مني بسنتين، ومولد ابنِ الزُّبير في السَّنة الأولى على الصَّحيح، فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين. لكن قال ابن عبد البر، قيل إنَّ عُمر كان يوم قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابنَ تسع سنين، والله تعالى أعلم (فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ضَبَطَه بعضهُم بفتح الحاء وسكون الجيم؛ أي في تربيته وتحت نظره وأنَّه كان يُربيه في حضنه تربيةَ الولد واقتصرَ عليه.
وقال الكِرمانيُّ في حَجره، بفتح المهملة وكسرها، وهو الصَّواب.
ج 23 ص 398
وقال القاضي عياض الحَجْر يُطلق على الحضن وعلى الثَّوب؛ فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أريد به الحضانة فبالفتح لا غير، وإن أريد به المنع من التَّصرف فبالفتح في المصدر، وبالكسر بالاسم لا غير.
وفي «المغرب» حجْر الإنسان، بالفتح والكسر حضنه، وهو ما دون إبطهِ إلى الكشح، ثمَّ قالوا فلان في حَجْر فلان؛ أي في كنفهِ ومنعته، ومنه قوله تعالى {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء 23] . وفي «القاموس» الحجر مثلثة المنع، وحضن الإنسان، ونشأ في حجره؛ أي في حفظه وسترهِ.
(وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ) بالطاء المهملة والشين المعجمة؛ أي تتحرَّك (فِي الصَّحْفَةِ) أي نواحيها ولا تقتصرُ على موضعٍ واحد. وقال الطِّيبي الأصل أن يقال أطيش بيدي في الصَّحفة، فأسْنَدَ الطَّيشَ إلى اليد مبالغةً، وإنَّه لم يكن يُراعي الأدبَ، والصَّحفةُ ما يُشبع خمسةً، والقَصعةُ ما يُشبع عشرة (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ) قد مرَّ الكلام في التَّسمية (وَكُلْ بِيَمِينِكَ) قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي الأمر بالأكلِ باليمين، وكذا الأكل ممَّا يليه حمله أكثرُ أصحابنا على النَّدب، وبه صرَّح الغزاليُّ والنَّووي، وقد نصَّ الشَّافعي في «الرِّسالة» و «الأم» على الوجوب؛ لورود الوعيد في الأكل بالشِّمال، ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة بن الأكوع أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال (( كلْ بيمينك ) )قال لا أستطيع، قال (( لا استطعتَ ) )فما رفعها إلى فيه بعدُ.
وروى أحمدُ بسند حسنٍ عن عائشة رضي الله عنها رفعتْه (( من أكلَ بشمالهِ أكلَ معه الشَّيطان ) ). وروى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( لا تأكلوا بالشِّمال فإنَّ الشَّيطانَ يأكلُ بالشِّمال ) ).
وقال الطِّيبي معنى قوله (( إنَّ الشَّيطانَ يأكل بالشِّمال ) )أي يحملُ أولياءه من الإِنْسِ على ذلك ليضاد به عبادَ الله الصَّالحين.
وقال الحافظُ العسقلاني فيه عدولٌ عن الظَّاهر، والأَولى حَمْلُ الخبر على ظاهرهِ، فإنَّ الشَّيطانَ يأكلُ
ج 23 ص 399
حقيقة؛ لأنَّ العقلَ لا يحيلُ ذلك، وقد ثبتَ الخبر فلا يحتاجُ إلى تأويله. وقال العيني للنَّاس فيه أقوال ثلاثة
أحدها أنَّ صنفًا منهم يأكلون ويشربون، وأنَّ صنفًا منهم لا يأكلون ولا يشربون.
والثَّاني أنَّ جميعهم يأكلون ويشربون.
والثَّالث أنَّ جميعهم لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قولٌ ساقطٌ، وروى أبو عمر باسناده عن وهب بن منبِّه أنَّه سُئل عن الجنِّ ما هم وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون، فقال هم أجناس، فأمَّا خالص الجنِّ فهم ريحٌ لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناسٌ يأكلون ويشربون ويتوالدونَ ويتناكحون، ومنهم السُّعالى والغولُ والقطرب وغير ذلك، والذين هم يقولون هم يأكلون ويشربون اختلفوا على قولين
أحدهما أنَّ أكلهم وشُربهم تشمُّم واسترواحٌ لا مضغٌ ولا بلعٌ، وهذا قول يردُّ عليه الدَّليل.
والآخر أنَّ أكلَهم وشربهم مضغٌ وبلعٌ، وهذا القول هو الذي تشهد له الأحاديث الصَّحيحة.
هذا، وزعم القرطبيُّ أنَّ الأكلَ باليمين محمولٌ على النَّدب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين، ولأنَّها أقوى في الأعمال في الغالب، وأسبق وأمكن لأنَّها مشتقَّة من اليمن والبركة، فهي وما نسب إليها وما اشتقَّ منها محمودٌ لغة وشرعًا وعرفًا، ويقاس عليه الشُّرب.
وفي حديث أبي داود (( يجعلُ يمينه لطعامهِ وشرابهِ، وشماله لمَّا سوى ذلك ) )فإن احتيجَ إلى الاستعانة بالشَّمال فبحكم التَّبعية.
(وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ) لأنَّ أكلَه من موضع يدِ صاحبه سوء عشرة وترك مودَّة ومروءة لتقذُّر النَّفس ولا سيِّما في الأمراق، ولما فيه من إظهار الحرص والنَّهم وسوء الأدب وأشباهها، فإن كان تمرًا فقد نقلوا إباحةَ اختلاف الأيدي في الطَّبق والذي ينبغي التَّعميم حملًا على عمومهِ حتَّى يثبتَ دليل مخصِّص.
وذكر القرطبيُّ أنَّ الأكل ممَّا يلي الآكل سنَّةٌ متَّفقٌ عليها وخلافها مكروهٌ شديد الاستقباح إذا كان الطَّعام واحدًا.
قال عُمر بن أبي سلمة (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ) إشارة إلى جميع ما ذكر من الابتداء بالتَّسمية والأكل باليمين والأكل ما يلي (طِعْمَتِي) بكسر الطاء، وهذه الصِّيغة للنَّوع،
ج 23 ص 400
وأراد أنَّ أكله كان على هذا النَّوع المذكور الذي أشار إليه بقوله (( تلك ) ). وقال الكِرمانيُّ ويروى بضم الطاء، والطُّعمة، بالضم بمعنى الأكلة، ويقال طَعِمَ طُعْمَة إذا أَكَلَ أَكْلَة.
(بَعْدُ) بالبناء على الضم؛ أي بعد ذلك فلمَّا حذف المضاف إليه بني على الضَّم؛ أي استمرَّ ذلك صنيعي في الأكل.
ومطابقة الحديث للجزء الثَّاني للتَّرجمة، وهو قوله (( كُلْ بيمينك فما زالتْ تلك طعمَتي بعد ) ).