فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 11127

43 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بالمثلثة وفتح النون المشددة، أبو موسى البصري، المعروف بالزَّمِن. روى عنه الجماعة، وقد مرَّ ذكره (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن سعيد القطان الأحول، وقد مرَّ أيضًا

ج 1 ص 315

(عَنْ هِشَامٍ) يعني ابن عروة (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ) هي الحولاء، وفي رواية الزُّهري (( أنَّ الحولاء مرَّت بها ) )، فظاهره التَّغاير فيحمل على أنها كانت أوَّلًا عندها فلمَّا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها قامت المرأة، كما في رواية حمَّاد بن سلمة، فلمَّا قامت لتخرج مرَّت به في حال ذهابها فسأل عنها (فقَالَ) بالفاء العاطفة، وفي رواية الأَصيلي بحذفها على الاستئناف البياني، كأنه قيل ماذا قال حين دخلَ فقالت قال (مَنْ هَذِهِ؟) جملةٌ استفهاميَّة (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها هي (فُلاَنَةُ) بعدم الانصراف، إذ هي كناية عن علم مؤنث، وهي كناية هنا عن الحولاء _ بالحاء المهملة _ تأنيث الأحول، كما في مسلم (( بنت تُوَيْت ) )_ بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو وسكون الياء وفي آخره تاء مثناة أيضًا _، وكانت امرأة أسدية من رهط خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، صالحة عابدةٌ مهاجرة رضي الله عنها.

(تَذْكُرُ) بفتح التاء الفوقانية، فعل مضارع للمؤنث، وفاعله ضمير عائشة رضي الله عنها، ويروى بضم الياء التحتانية على البناء لِمَا لم يُسمَّ فاعله (مِنْ صَلاَتِهَا) مفعول الفعل المذكور، أو نائب عن فاعله، والمعنى يذكرون أنَّ صلاتها كثيرة، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان (( لا تنام تصلي ) )، وفي رواية (( لا تنام بالليل ) )، وفي أخرى (( وزعموا أنها لا تنام الليل ) ).

قال ابن التين ولعل عائشة رضي الله عنها أمنت عليها الفتنة فمدحتْها في وجهها، لكن في مسند الحسين بن سفيان كانت عندي امرأة، فلمَّا قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من هذه يا عائشة؟ ) )قلت يا رسول الله، هذه فلانة، وهي أعبدُ أهل المدينة. فظاهر هذه الرواية أنَّ مدْحَها كان في غَيبتها.

(قَالَ) عليه السلام (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء، وهي اسم سُمِّي به الفعل، وبنيت على السكون، ومعناه اكفف، فإن وصلت نونته فقلت مه مه، ويقال مهمهت به؛ أي زجرته.

وقال التيمي إذا دخله التنوين كان نكرةً، وإذا حذف كان معرفة.

وقال الدَّاودي أصل هذه الكلمة ما هذا، بالاستفهام الإنكاري، فطرحوا بعض اللَّفظ، فقالوا مه، فصيَّروا الكلمتين كلمة واحدة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن مدح المرأة بما ذكرت، أو عن تكلف عمل ما لا تُطيق، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة فقالوا يكره صلاة جميع الليل، ويؤيد هذا المعنى قوله عليه السلام (عَلَيْكُمْ مِنَ العَمَلِ) يحتمل أن يراد به صلاة الليل؛ لوروده فيها، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال، على ما قاله الباجي.

(بِمَا) بالباء الموحدة، وفي نسخة بدونها (تُطِيقُونَ) أي الزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه واشتغلوا به، وإنما قدر الدَّوام؛ لدَلالة السياق عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما

ج 1 ص 316

يُطاق من العبادة، ويفهم منه النهي عن تكلُّف ما لا يطاق.

وقال القاضي هذا يحتمل الندب إلى تكلُّف ما لنا به طاقة. ويحتمل النَّهي عن تكلف ما لا يطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال وهو أنسب بالسياق، وفي هذا القول عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال، وكان الخطاب مع النساء؛ طلبًا لتعميم الحكم لجميع الأمة فغلَّب الذكور على الإناث.

(فَوَاللَّهِ) فيه جواب الحلف من غير استحلاف، قيل وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمرٍ من أمور الدنيا، أو حث عليه، أو تنفيرٍ من محذورٍ.

(لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، من المَلالة، وهي السَّآمة والضجر، وترك الشيء استثقالًا وكراهة له بعد حرص ومحبة، فهو من صفات المخلوقين لا يوصف به الخالق، ففيه المشاكلة والازدواج وهو أن يكون أحد اللَّفظين موافقًا للآخر، وإن خالف معناهما قال تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة 194] معناه جازوه على اعتدائه، فسماه اعتداء، وهو عدل؛ ليزدوج اللَّفظة الثانية مع الأولى، ومنه قوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى 40] .

وقال عَمرو بن كلثوم

~أَلا لا يجهلَنْ أحدٌ علينَا فنجهَلَ فوقَ جهلِ الجاهلينَا

أراد فنجازيه على فعلهِ، فسمَّاه جهلًا، والجهل لا يفخر به ذو عقلٍ فهو من باب الازدواج.

فقال الخطابيُّ معناه أنَّه لا يترك الثَّواب على العمل، وذلك أنَّ من ملَّ شيئًا تركه، فكُني عن الترك بالمَلال الَّذي هو سبب الترك.

وقال ابنُ قتيبة معناه أنَّه لا يمل إذا مَللتُم، ومثاله قولهم فلان لا ينقطع حتى تنقطعَ خصومه، معناه لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، ولو كان معناه ينقطعُ إذا انقطعت خصومه لم يكن له فضل ومزيَّة على غيره. وقال بعضُهم معناه أنَّ الله تعالى لا يتناهى حقَّه عليكم في الطَّاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تتكلَّفوا ما لا تطيقونه من العمل، كُني بالملال عنه؛ لأنَّ من تناهت قوَّته من أمر وعجز عن فعله ملَّه وتركه.

وقال التَّيمي قالوا معناه أنَّ الله تعالى لا يمل أبدًا مللتُم أنتم أو لم تَمَلُّوا نحو قولهم لا أكلِّمك حتى يشيبَ الغراب، وفي التَّمثيل نظر؛ لأنَّ شيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف مَلال العباد.

وقال الكرمانيُّ إنَّه صحيحٌ؛ لأن المؤمن أيضًا من شأنه أن لا يمَلَّ من الطَّاعة وهو قول ابن فورك. وقال الهروي معناه

ج 1 ص 317

لا يقطع عنكم فضله حتَّى تَمَلُّوا سؤاله. وحكى المازري أنَّ (( حتى ) )هنا بمعنى الواو فيكون التَّقدير لا يَمَلُّ وتملون، فنفى عنه الملل وأثبت لهم.

وقيل إنَّ (( حتى ) )بمعنى حين، فهذه سبعة توجيهات أربعة منها في كلمة (( حتى ) )، وثلاثة منها في كلمةِ (( يمل ) )، والتَّوجيه الأوّل أولى وأليق على القواعد. ويؤيِّده ما وقع في بعض طرق عائشة رضي الله عنها بلفظ (( أكلفوا من العملِ ما تطيقون، فإنَّ الله لا يملُّ من الثَّواب حتَّى تملوا من العمل ) )، وإن كان في إسناده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.

(وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي الطَّاعة، ومنه الحديث في صفة الخوارج (( يمرقون من الدِّين ) )أي من طاعة الأئمة، فإنَّ الخوارج ليسوا خارجين من دائرة الإيمان، ويجوز أن يكون فيه حذف مضاف تقديره أحبُّ أعمال الدِّين، وهو مرفوع على أنَّه اسم كان (إِلَيْهِ) أي إلى الله، كما في رواية المستملي [خ¦6465] ، أو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرَّح به المؤلِّف في (( الرِّقاق ) ) [خ¦6462] ، وليس بين الرِّوايتين تَخالُف؛ لأنَّ ما كان أحب إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله.

(مَا دَاوَمَ) أي واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) مواظبة عرفيَّة، وإلَّا فحقيقة الدَّوام لا تستقيم؛ لأنَّه شمول جميع الأزمنة، وهو غيرُ مقدور كما مرَّ.

وفي الحديث فوائد

منها جواز الحلف من غير استحلاف، كما مرَّ. ومنها جواز استعمال المجاز في حقِّه تعالى حيث أطلقَ المَلل على الله مجازًا. ومنها فضيلة الدَّوام على العمل، والحثُّ على العمل الذي يدوم، والعمل القليل الدَّائم خير من الكثير المنقطع؛ لأنَّ بدوام القليل تدوم الطَّاعة والذِّكر والمراقبة والنِّية والإخلاص والإقبال على الله، وينمو القليل الدَّائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر (( وإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله ما دوم عليه وإن قلَّ ) ).

وقال ابنُ الجوزي إنما أحب الدَّائم لمعنيين

أحدهما أنَّ التارك للعمل بعد الدُّخول كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرِّض للذمِّ، وقد ذمَّ الله تعالى من التزم فعل البر، ثمَّ قطعه بقوله {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد 27] .

وقد وردَ الوعيد أيضًا في حقِّ من حفظ آية ثمَّ نسيها، وقد ندم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما على مراجعةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتَّخفيف عنه لمَّا ضَعُف، وقال ليتني قبلتُ رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يقطع العمل الذي التزمه.

وثانيهما أنَّ مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كلِّ يوم

ج 1 ص 318

وقتًا ما كمن لازم يومًا كاملًا ثمَّ انقطع.

ومنها بيان شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته؛ لأنَّه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأنَّ النفس تكون فيه أنشط ويحصل منه مقصود الأعمال، وهو الحضور فيها والدوام عليها بخلاف ما يشق عليه، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة فيفوته الخير العظيم. وفي الحديث دليل للجمهور أنَّ صلاة جميع اللَّيل مكروهة، وعن جماعة من السَّلف لا بأس به، كذا قال النووي. وقال القاضي كرهه مالك مرَّة، وقال لعله يصبح مغلوبًا، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، ثم قال لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح، فإن كان يأتيه الصُّبح وهو نائم فلا، وإن كان به فتورٌ وكسلٌ فلا بأس به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت