5391 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ) المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو أُمَامَةَ) بضم الهمزة، أسعد (ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة وفتح النون مصغرًا
ج 23 ص 422
(الأَنْصَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بفتح الواو وكسر اللام، ابن المغيرة المخزومي (الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَيْفُ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها (وَهْيَ خَالَتُهُ) أختُ أمِّه لبابة الصُّغرى بنت الحارث (وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وهي أخت أمِّ لُبابة الكبرى (فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم النون آخره معجمة؛ أي مشويًا، قال الله تعالى فـ {جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي مشويٍّ، يقال حَنَذْتُ الشَّاةَ أحْنِذُها؛ أي شويتها وجعلتُ فوقَها حجارة محمَّاة لتنضجها فهي حنيذٍ.
(قَدِمَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ (بِهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويي والمُستملي (أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ) بضم المهملة وفتح الفاء مصغَّرًا، قيل صوابه أم حفيد بزيادة لفظ الأم ونقصان تاء التَّأنيث كما في الرِّواية المتقدِّمة، لكن قال ابن الأثير في «جامع الأصول» اسمها حفيدة، فكلاهما صحيح صوابٌ (مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدِّمُ) من التَّقديم، وقلَّ فعل ماض، وما يقدم فاعله، وما مصدريَّة (يَدَهُ) مفعول يقدِّم؛ أي قلَّ تقديمُ يدِهِ (لِطَعَامٍ حَتَّى يُحَدَّثَ بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلا الفعلين على البناء للمفعول (فَأَهْوَى) أي مدَّ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ، هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني بالإفراد بدل قوله (( أخبرنَ ) )والنُّسوة اسمُ جَمْع، قاله أبو بكر بن السَّراج. وقيل جَمْعُ تكسير من أوزان جُموع القِلَّة، قالوا لا واحد له من لفظه، ووزنه فِعْلَة وهو أحدُ الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وقد نظمها بعضُهم في قوله
~بأفعُلٍ وبأفْعالٍ وأفْعِلَةٍ وفِعْلَةٍ يُعرَفُ الأَدْنَى مِنَ العَدَدِ
ج 23 ص 423
وقال الزَّمخشري نِسْوة اسم مفرد لجمع المرأة، وتأنيثه غير حقيقي، قال ولذلك لا يلحقُ فعلَه إذا أُسْنِدَ إليه تاءُ التَّأنيث، فتقول قال نسوة، وقيل إنَّه جمع كثرة، فيجوز إلحاقُ العلامة وتركُها، كما تقول قام الهنودُ، وقامت الهنود، وقد تُضم نون النُّسوة، فيكون إذ ذاك اسم جمع بلا خلاف. وذكر أبو البقاء أنَّه قُرِئ بضمها في قوله تعالى {وَقَالَ نِسْوَةٌ} [يوسف 30] . قال القرطبيُّ وهي قراءة الأعمش والفضل والسُّلمي، وقال غيره وتكسر في الكثرة على نِسوان، والنِّساء جَمْع كثرة ولا واحدَ له من لفظه، كذا قال أبو حيَّان.
ومقتضى ذلك أن لا تكون النِّساء جمعًا لنسوة، لقوله لا واحدَ له من لفظه، ووصف النِّسوة بالحضور الذي هو جمع حاضر مع أنَّ المطابقة شرط بين الموصوف والصِّفة في التَّذكير والتَّأنيث باعتبار الأشخاص أو لوحظ صورة الجمع في اللَّفظين، أو هو مصدرٌ بمعنى الحاضرات.
قال الكرمانيُّ ولا يلزم من الإسناد إلى المضمر التَّأنيث.
قال الجوهريُّ في «صحاحه» في قوله تعالى {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف 56] لم يقل قريبة؛ لأنَّ ما لا يكون تأنيثه حقيقيًا يجوز تذكيره، والمرأة القائلة هي ميمونة رضي الله عنها، كما عند الطَّبراني في «الأوسط» ، ومسلم ولفظه «فلما أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قالت له ميمونة إنَّه لحم ضبٍ فكفَّ يده» .
(فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَرَامٌ الضَّبُّ) وفي نسخة ، وهو من قبيل أقائم زيد، يجوز فيه الأمران (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لاَ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ) بالعين المهملة والفاء، من عِفْتُ الشَّيءَ أعافُه عيافًا فهو عائفٌ؛ أي كرهته، والمعنى أجدُ نفسي تكرهه ولكن للاستدراك، ومعناها هنا تأكيد الخبر كأنَّه لما قال ليس هو بحرام، قيل وأنت لم لا تأكله؟ قال لأنَّه لِمَ يكن بأرض قومي، فالفاء في فأجدني فاء السَّببية.
(قَالَ) أي خالد رضي الله عنه (فَاجْتَرَرْتُهُ) بالجيم والراء، المكرَّرة من الجر(فَأَكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ
ج 23 ص 424
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)وفي رواية أبي الوقت والواو فيه للحال (يَنْظُرُ إِلَيَّ) واحتجَّ بهذا الحديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جُبير وإبراهيم النَّخعي ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وقالوا بجواز أكل الضَّب، وهو مذهبُ الظَّاهريَّة أيضًا. وقال ابنُ حزم وصحَّت إباحتُه عن عُمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وغيره.
وقال صاحب «الهداية» ويكره أكلُ الضَّب لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عائشة رضي الله عنها، حين سألتْه عن أكلهِ، ولكن الطَّحاوي في «شرح معاني الآثار» رجَّح إباحةَ أكل الضَّب، وقال لا بأسَ بأكل الضَّب وهو المعوَّل عندنا.
وقال وقد كَرِهَ قومٌ أكل الضَّب، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وأراد بالقومِ الحارث بن مالك ويزيد بن أبي زياد ووكيعًا، فإنَّهم قالوا أكل الضَّب مكروه، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم، ثمَّ الأصحُّ عند أصحابنا أنَّ الكراهةَ كراهةُ تنزيهٍ لا كراهةُ تحريمٍ لظاهر الأحاديث الصِّحاح أنَّه ليس بحرام.
وقال بعضُ أصحابنا أحاديث دلَّت على الإباحة، وأحاديث دلَّت على الحرمة، والتَّاريخ مجهول فيجْعَلُ المحرِّم مؤخَّرًا عن المبيح فيكون ناسخًا له تقليلًا للنَّسخ. ومن جملة الأحاديث الدَّالة على الحرمة حديث عائشة رضي الله عنها ذكره صاحب «الهداية» ولكن فيه مقالٌ لما ذكره صاحب «تخريج أحاديث الهداية» هذا غريب.
وقال العينيُّ رواه محمد بنُ الحسن، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها، أنَّه صلى الله عليه وسلم أُهدي له ضبٌّ فلم يأكله فسألتُه عن أكله فنهاني، فجاء سائلٌ فأرادت عائشة رضي الله عنها أن تُعطيه، فقال صلى الله عليه وسلم (( تُعطينه ما لا تأكُلِينه ) )فالنَّهي يدلُّ على التَّحريم.
ومنها ما رواه أبو داود في الأطعمة، عن إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زُرْعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي راشد الجبراني، عن عبد الرَّحمن بن شبل «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحم الضَّب» .
ج 23 ص 425
فإن قيل قال البيهقي تفرَّد به ابنُ عيَّاش وليس بحجَّة، وقال المنذري إسماعيل بن عيَّاش وضمضم فيهما مقالٌ. وقال الخطَّابي ليس إسنادُه بذاك.
فالجواب أنَّ ضمضمًا حمصي وابن عيَّاش إذا روى عن الشَّاميين كان حديثُه صحيحًا، كذا قال البُخاري ويحيى بن معين وغيرهما، والعجب من البيهقي، أنَّه قال في باب ترك الوضوء من الدَّم مثل ما قال البُخاري ويحيى، وهنا يقول ليس بحجَّة، ولمَّا خرج أبو داود هذا الحديث سكتَ عنه، وهو حسنٌ عنده على ما عُرِفَ، وقد صحَّح التَّرمذي لابن عيَّاش عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة، وشرحبيل شامي.
وروى الطَّحاوي في «معاني الآثار» مسندًا إلى عبد الرَّحمن بن حسنة، قال نزلنا أرضًا كثيرة الضِّباب، فأصابتنا مجاعةٌ فطبخنا منها وإنَّ القُدور لتغلِي بها إذ جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( ما هذا؟ ) )فقلنا ضِبَابٌ أصبناها، فقال (( إنَّ أمَّةَ بني إسرائيل مُسِخَتْ دواب في الأرض إنِّي أخْشَى أن تكون هذه فاكفئوها ) ).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله (( وكان قلَّ ما يقدِّم يده لطعام حتَّى يُحَدَّث به ويُسَمَّى له ) )، وقد أخرجه البُخاري في مسند خالد بن الوليد في الأطعمة هنا [خ¦5400] ، وفي الذَّبائح [خ¦5537] ، وأخرجه مسلم في مسند ابن عبَّاس في الذَّبائح، وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه مثل البخاري في مسند خالد، وأبو داود في الأطعمة، والنَّسائي في الصَّيد وفي الوليمة، وابن ماجه أيضًا.