5443 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجُمحي، مولاهم، البصري، قال (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة وبالنون، اسمه محمد بن مطرف، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) المخزومي، واسم أبي ربيعة عَمرو، ويقال حذيفة، وكان يلقَّب ذا الرُّمحين، وهو من مسلمة الفتح، وولي الجند من بلاد اليمن لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فلم يزل بها حتَّى جاء لسنة حَصْرِ عثمان رضي الله عنه لينصرَه فسقطَ عن راحلته فمات، ولإبراهيم عنه رواية في النَّسائي. قال أبو حاتم إنَّها مرسلةٌ، وليس لإبراهيم في البُخاري سوى هذا الحديث، وأمُّه أمُّ كلثوم بنت أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، وله رواية عن أمِّه وخالته عائشة رضي الله عنهما.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يَهُودِيٌّ) قال الحافظُ العسقلاني في «المقدِّمة» لم أعرفِ اسمه، ويحتمل أن يكون هو أبو الشَّحم (وَكَانَ يُسْلِفُنِي) بضم الياء من الإسلاف (فِي تَمْرِي إِلَى الْجِذَاذِ) بكسر الجيم ويجوز فتحها وبالذال المعجمة، ويجوز إهمالها، والذي في اليونينيَّة بالذال المعجمة؛ أي زمن قطع ثمر النَّخل وهو الصِّرام والسَّلف إلى الجذاذ ممَّا لا يجيزه البُخاري بأنَّه يعارِضُه الأمرُ بالسَّلم إلى أَجَلٍ معلوم فيُحْمَلُ على أنَّه وقع في الاقتصار على الجذاذ اختصار، وأنَّ الوقتَ كان في الأصل معيَّنًا، وسيجيءُ تفصيله.
(وَكَانَتْ لِجَابِرٍ) فيه التفاتٌ من الحضور إلى الغيبة، وكان القياس أن يقال وكانت لي (الأَرْضُ الَّتِي بِطَرِيقِ رُومَةَ) بضم الراء وسكون الواو بعدها ميم، وهي البئرُ التي اشتراها عثمان رضي الله عنه وسَبَّلَها،
ج 23 ص 495
وهي في نفس المدينة. وقيل إنَّ رُوْمَةَ رجل من بني غفار كانت له البئر قبل أن يشتريها عثمان رضي الله عنه فنُسِبَتْ إليه. وقال الكرمانيُّ ورُوْمة، بضم الراء وسكون الواو موضع، وفي بعضها بضم الدال المهملة بدل الراء، ولعلَّها دُوْمة الجندل.
وقال الحافظُ العسقلاني ونَقَلَ الكِرمانيُّ أنَّ في بعض الرِّوايات بدال بدل الراء ولعلَّها دومة الجندل، وهذا باطل؛ لأنَّ دومة الجندل لم تكن إذ ذاك فُتِحَتْ حتَّى يكون لجابر فيها أرض.
وأيضًا ففي الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم مشى إلى أرض جابر وأطعمه من رُطَبِها ونامَ فيها، فلو كانت بطريق دومة الجندل لاحتاج إلى السَّفر؛ لأنَّ بين دومة الجندل والمدينة عشر مراحل.
وقال العينيُّ إنَّ المرادَ أنَّه كانت لجابر أرضٌ كائنةٌ بالطَّريق التي يسافر منها إلى دومة الجندل، وليس المعنى التي بدومة الجندل، وهذا معنى صحيحٌ.
(فَجَلَسَتْ) كذا هو بالجيم واللام والسين المفتوحات والفوقية الساكنة، في رواية القابسي وأبي ذرٍّ، وعليه أكثر الرُّواة، والضَّمير فيه يرجع إلى الأرض؛ أي فجلستْ الأرض من الإِثمار وتأخرت (فَخَلاَ) بالفاء والخاء المعجمة واللام المخففة، من الخلو؛ أي تأخر السَّلف (عَامًا) وفي رواية الكُشْمِيْهَني بخاء معجمة بعد الفاء وبعد الألف سين مهملة ففوقية ساكنة، بدل قوله (( فجلست ) )أي خالفتْ معهودَها وحَمْلَها، يقال خاس فلانٌ عهده إذا خانه وتغيَّر عن عادته وخاسَ الشَّيءُ إذا تغيَّر، وروي (( خَنَسَتْ ) )بخاء معجمة ثمَّ نون؛ أي تأخرتْ.
ووقع في رواية الأَصيليِّ (( فحبست ) )بحاء مهملة ثمَّ موحدة على صيغة المجهول. وقال ابن قُرْقول في «المطالع» تبعًا للقاضي عياض في «المشارق» (( فجَلَسَتْ نخلًا ) )بالنون والخاء المعجمة؛ أي من جهة النَّخل، وكذا للقابسي وأبي ذرٍّ وأكثر الرُّواة.
قال القاضي عياض وكان أبو مروان بن سراج يضرب هذه الرِّوايةَ إلَّا أنَّه يضبطها (( فجلست ) )على صيغة المتكلِّم ويفسره؛ أي تأخرت
ج 23 ص 496
عن القضاء ويقول (( فخلا ) )بالفاء والخاء المعجمة واللام المشددة من التَّخلية؛ أي تأخَّر السَّلف عامًا.
لكن الظَّاهر أنَّه تحريف فإنَّه إذا كان من التَّخلية كتب بالياء لا بالألف، وأيضًا ذِكْرُ الأرضِ أوَّلَ الحديث يَدلُّ على أنَّ الخبرَ عن الأرضِ لا عن نفسه.
(فَجَاءَنِي الْيَهُودِيُّ عِنْدَ الْجِذَاذِ) وفي اليونينيَّة بالدال المهملة (وَلَمْ أَجِذَّ) بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الذال المعجمة، ويجوز في مثل هذه المادة ثلاثة أوجه الفتح في آخره، والكسر، وفكُّ الإدغام (مِنْهَا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَنْظِرُهُ) أي أطلب منه أنَّ يُنظرني ويمهلني (إِلَى قَابِلٍ) أي عام قابل (فَيَأْبَى) أي يمتنع اليهودي عن النَّظرة (فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم همزة فأُخْبِرَ وكسر الموحَّدة على البناء للمفعول. وجوَّز الحافظُ العسقلاني أن يكون بضم الراء على صيغة نفس المتكلِّم من المضارع، والفاعل جابر، وذكره كذلك مبالغة في استحضار صورة الحال، قال ووقع في رواية أبي نعيم في «المستخرج» (( فأخبرت ) ).
(فَقَالَ لأَصْحَابِهِ امْشُوا نَسْتَنْظِرْهُ) أي نطلب الإنظار (لِجَابِرٍ مِنَ الْيَهُودِيِّ فَجَاءُونِي فِي نَخْلِي فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ الْيَهُودِيَّ) في أن ينظرني في دينه (فَيَقُولُ) أي اليهودي يا (أَبَا الْقَاسِمِ) حذف حرف النَّداء منه (لاَ أُنْظِرُهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ذلك من أمر اليهودي (قَامَ فَطَافَ فِي النَّخْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ) أي جاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهوديَّ (فَكَلَّمَهُ) أن ينظرني، قال جابر (فَقُمْتُ فَجِئْتُ بِقَلِيلِ رُطَبٍ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ) منه (ثُمَّ قَالَ أَيْنَ عَرِيشُكَ يَا جَابِرُ؟) العريش ما يستظلُ به عند الجلوس تحته، وقيل البناء، كما سيجيء، وأراد أين المكان الذي اتَّخذتَه في بستانك تستظل به وتقيلُ فيه، وفي رواية أبي ذرٍّ بسكون الراء وإسقاط التحتية (فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ افْرُشْ لِي فِيهِ) بضم الراء (فَفَرَشْتُهُ فَدَخَلَ) فيه (فَرَقَدَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَجِئْتُهُ)
ج 23 ص 497
أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (بِقَبْضَةٍ أُخْرَى) من الرُّطب (فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَامَ) صلى الله عليه وسلم (فِي الرِّطَابِ) بكسر الراء (فِي النَّخْلِ) المرَّة (الثَّانِيَةَ) بالنَّصب ولا يظنُّ أنَّه صفة النَّخل لأنَّه ما ثمَّ إلَّا نخل واحد (ثُمَّ قَالَ يَا جَابِرُ جُذَّ) بضم الجيم وتشديد الذال المفتوحة، وهو أمر من جذَّ يجذُّ، ويجوز كسر الجيم وإهمال الدَّال أيضًا؛ أي أقطع (وَاقْضِ) دَيْنَ اليهوديِّ الذي عليك؛ يعني أَوْفِهِ لليهوديِّ (فَوَقَفَ فِي الْجِذَاذِ) وفي اليونينيَّة بالدال المهملة (فَجَذَذْتُ مِنْهَا مَا قَضَيْتُهُ) دينه كله (وَفَضَلَ مِنْهُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَشَّرْتُهُ) بذلك (فَقَالَ أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) إنَّما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لما فيه من خرق العادة الظَّاهرة من إيفاء الكثير من القليل الذي لم يكن يظهر أنَّه يوفى منه البعض، فضلًا عن الكُّل، فضلًا أن يفضلَ فضلة، فضلًا عن أن يفضلُ قدر الذي كان عليه من الدَّين، وهذا عُلَمٌ من أعلام النُّبوة. وثبت في رواية المُسْتَملي وحدَه هنا يعني أنَّ العَرْش، بفتح العين وسكون الراء، وعَرِيش، بكسر الراء بعدها تحتية ساكنة، معناهما بناء، هكذا فسره أبو عبيدة.
(وقال ابن عبَّاس) رضي الله عنهما ممَّا سبق في تفسير سورة الأنعام [خ¦4627] ( {مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام 141] ما يُعْرَش) بضم الياء وتشديد الراء مفتوحة، من الكرم وغير ذلك (يقال عروشها) أي (أبنيتها) يريد تفسير قوله تعالى {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج 45] وهو تفسير أبي عبيدة أيضًا (قال محمَّد بن يوسف) هو الفربري (قال أبو جعفر) هو محمد بن أبي حاتم وراق البُخاري (قال محمَّد بن إسماعيل) هو البُخاري (فَخَلَا) بالخاء المعجمة المذكورة في الحديث السَّابق (ليس عندي مقيَّدًا) أي مضبوطًا (ثمَّ قال فجلَّا) بتشديد اللام وبالجيم (ليس فيه شكٌّ) .
ج 23 ص 498
ومطابقةُ الحديث للجِّزء الأوَّل من التَّرجمة في ذِكْرِ الرُّطب في ثلاثة مواضع، وهو من أفراد البُخاري، ورواه الإسماعيليُّ عن محمد بن أحمد بن القاسم حدَّثنا يحيى بن صاعد حدَّثنا أحمد بن منصور وسعيد بن أبي مريم به سواء. ثمَّ قال هذه القصَّة رواها المعروفون فيما كان على أبي جابر، والسَّلف إلى الجذاذ ممَّا لا يجيزه البُخاري وغيره، ففي هذا الإسناد نظرٌ، وكذا قال ابن التِّين إنَّ الذي في أكثر الأحاديث أنَّ الدين كان على والد جابر.
وأُجيب بأنَّه ليس في الإسناد من يُنْظَرُ في حالُه سوى إبراهيم، وقد ذكره ابن حبَّان في «ثقات التَّابعين» وروى عنه أيضًا ولده إسماعيل والزُّهري فلا وجهَ لما قاله ابن القطَّان لا يُعْرَفُ حالُه.
وأُجيب عن قوله والسَّلف إلى الجذاذ ممَّا لا يجيزه البُخاري بأنَّه يعارضه الأمر بالسَّلم إلى أجل معلوم بأنَّه يحمل على أنَّه وقع في الاقتصار على الجِذاذ اختصار، وأنَّ الوقتَ كان في الأصل معينًا. وعن قوله هذه القصَّة رواها المعروفون فيما كان على أبي جابر، بأنَّ القصَّةَ مَتُعَدِّدة ففَعَلَ صلى الله عليه وسلم في النَّخل المختص لجابر رضي الله عنه فيما كان عليه من الدَّين، كما فعل فيما كان على والدِهِ من الدَّين، والله تعالى أعلم.