5444 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جبر الإمام في التَّفسير
ج 23 ص 499
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ إِذْ أُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (بِجُمَّارِ نَخْلَةٍ) بالإضافة (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا) بفتح اللام (بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ) وكلمة (( ما ) )زائدة، ويروى أي للشَّجر، فأنَّثَ باعتبار النَّخلة أو نظرًا إلى اعتبار الجنس (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (يَعْنِي النَّخْلَةَ) أي يقصد النَّخلة بقرينة الجمَّار (فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا عَاشِرُ عَشَرَةٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ) أي أصغرهم سنًا (فَسَكَتُّ) رعاية لحق الأكابر (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ النَّخْلَةُ) وهذا الحديثُ قد سَبَقَ في مواضعَ من كتاب العلم [خ¦61] [خ¦62] [خ¦72] [خ¦131] ، ورواه البزَّار وزاد (( ما أتاكَ منها نفعكَ ) ).
والحكمةُ في تمثيل المسلم بها كثرةُ خيرِها ونفعِها على الدَّوام، وثمرُها يُؤكل رَطْبًا ويابسًا، وهو غذاء ودواء، وقوتٌ وحَلوى، وشرابٌ وفاكهةٌ.
ووجه شبهها بالإنسان من وجوه استواء القدِّ وطوله، وامتياز الذَّكر من الأنثى، وأنَّها لا تَحْمِلُ حتَّى تلقَّح، وإذا قوبل بين ذكورها وإناثها كثُر حملها، ورائحةُ طلعها كرائحة منيِّ الإنسان، وإذا قطعت رأسها هلكتْ بخلاف سائر الأشجار، ويكفِي في شرفها وكثرةِ خيرها أنَّ الله تعالى شبَّه بها شهادة أن لا إله إلَّا الله بقوله تعالى {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم 24] الآية.
فكما أنَّها شديدة الثُّبوت في الأرض فكذلك الإيمان في قلب المؤمن، وارتفاعُها كارتفاع عَمَلِ المؤمن، وكما أنَّها تؤتي أُكُلَها كُلَّ حين كذلك ما يكسبُه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كلِّ حين على اختلاف صنوفه. ومن خواصها أنَّها لا توجد إلَّا في بلاد الإسلام فإنَّ بلادَ الحبشة والنَّوبة والهند بلاد حارَّة خَلِيْقةٌ بوجود النَّخل ومع ذلك لا يثبتُ فيها منه شيء.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ من حيثُ ذِكْرُ الجُمَّار، وليس فيه ذِكْرُ أكلها، ولكن
ج 23 ص 500
من المعلوم، أنَّه إنَّما أُتِيَ بها النَّبي صلى الله عليه وسلم لأجل أكلِها.