فهرس الكتاب

الصفحة 8110 من 11127

5456 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا) وكذا في رواية مسلم (فَلاَ يَمْسَحْ يَدَهُ) لا ناهية والفعل مجزوم بها (حَتَّى يَلْعَقَهَا) بفتح الياء والعين بينهما لام ساكنة، من باب عَلِمَ يعلم؛ أي حتَّى يلحسها هو (أَوْ يُلْعِقَهَا) بضم أوله وكسر ثالثه؛ أي يُلْحِسَها غيره، وكلمة (( أو ) )للتَّنويع لا للشَّك.

قال النَّووي معناه، والله أعلم لا يمسح يده حتَّى يلعقَها هو نفسه، فإن لم يفعل فحتَّى يلعقها غيره ممَّن لا يتقذر ذلك كزوجة أو ولد أو خادم يحبونه ولا يتقذرونه، وكذا من كان في معناهم كتلميذ يَعْتَقِدُ البركة بلعقها، وكذا لو ألعقها شاةً ونحوها.

وقال البيهقي كلمة (( أو ) )للشَّك من الرَّاوي فإن كانا جميعًا محفوظين فإنَّما أراد أن يلعقها صغيرًا أو من يعلم أن لا يتقذَّر بها، ويحتمل أن يكون أراد بلعقِ أصبعه فمه فيكون بمعنى يُلعقها فتكون أو للشَّك، والكلام في ذلك على أنواع

الأوَّل أنَّ نفسَ اللَّعق مستحبُّ محافظةً على تنظيفها ودفعًا للكبر، والأمر فيه محمولٌ على النَّدب والإرشاد عند الجمهور، وحَمَلَه أهل الظَّاهر على الوجوب.

وقال الخطَّابي قد عاب قوم لعقَ الأصابع؛ لأنَّ التَّرفه أفسدَ عقولهَم وغيَّرَ طباعهم الشِّبع والتُّخمة، وزعموا أنَّ لعق الأصابع مستقبح مستقذر ولم يعلموا أنَّ الذي على أصابعه جزء من الذي أكله فلا يتحاشى منه إلَّا متكبِّر ومترفِّه تارك للسُّنة.

الثَّاني إنَّ من الحكمة في لعق الأصابع ما ذكره في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أكلَ أحدُكم فليلعقْ أصابعه، فإنَّه لا يدري

ج 23 ص 514

في أيتهنَّ البركة )) . وأخرجه مسلم أيضًا، وأخرج النَّسائي وابن ماجه من رواية سفيان الثَّوري، عن أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا وقعتْ لُقمة أحدكُم فليأخذْها فليمطْ ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشَّيطان، ولا يمسح يدَه بالمنديل حتَّى يلعقَ أصابعه فإنَّه لا يدري في أيِّ طعامهِ البركة ) )؛ يعني فيما أكل أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقيَ في الإناء فيلعق يدَه ويمسح الإناءَ رجاءَ حصولِ البركة، والمراد بالبركة، والله أعلم ما تحصل به التَّغذية وتسلم عاقبته من أذى، ويَقْوَى على طاعة الله تعالى وغير ذلك، وقال النَّووي وأصل البركة الزِّيادة وثبوت الخير والتَّمتع به.

الثَّالث أنَّه ينبغي في لعقِ الأصابع الابتداء بالوسطى ثمَّ السَّبابة ثمَّ الإبهام، كما جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، رواه الطَّبراني في «الأوسط» قال رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يأكلُ بأصابعه الثَّلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثمَّ رأيتُه يلعق أصابِعَه الثَّلاث قبل أن يمسحَها فيلعق الوسطى، ثمَّ التي تليها، ثمَّ الإِبهام.

وكأنَّ السَّببَ في ذلك أنَّ الوسطى أكثرُ الثَّلاثة تلويثًا بالطَّعام؛ لأنَّها أعظم الأصابع وأطولُها فينزل في الطَّعام منه أكثر ممَّا ينزل من السَّبابة وينزل من السَّبابة في الطَّعام أكثر من الإبهام لطول السَّبابة على الإبهام، ويحتمل أن تكون البداءة بالوسطى لكونها أوَّل ما ينزلُ في الطَّعام لطولها، ويحتمل أنَّ الذي يلعق يكون بطن كفِّه إلى جهة وجهة، فإذا ابتدأ بالوسطى انتقل إلى السَّبابة على جهة يمينه وكذا الإبهام.

الرَّابع أنَّ في الحديث (( فلا يمسح يده حتَّى يلعقها ) )وهذا مُطلق والمراد به الأصابع الثَّلاث التي أُمِرَ بالأكلِ بها، كما في حديث أنس رضي الله عنه، أخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذي والنَّسائي من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثَّلاث» . وبين الثَّلاث في حديث كعب بن عجرة المذكور آنفًا.

وهذا يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بهذه الثَّلاثة المذكورة في حديث

ج 23 ص 515

كعب.

وقال الحافظُ العسقلاني ويحتمل وهو الأولى أن يكون أرادَ باليد الكف كلها فيشمل الحكم من أَكَلَ بكفِّه كلِّها، أو بأصابعه فقط أو ببعضها.

وقال ابنُ العربي فإن شاءَ أحدٌ أن يأكلَ بالخمس فليأكل؛ فقد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يتعرَّق العظم وينهس اللَّحم، ولا يمكن ذلك في العادة إلَّا بالخمس كلِّها.

وقال الشَّيخ الحافظ الزين عبد الرَّحيم العراقي فيه نظر؛ لأنَّه يمكن بالثَّلاث، ولئن سلَّمنا ما قاله فليس هذا أكلًا بالأصابع الخمس، وإنَّما هو إمساك بالأصابع فقط لا أكلٌ بها، ولئن سلَّمنا أنَّه أكل بها لعدم الإمكان فهو محل الضَّرورة كمن ليس له يمين فله الأكل بالشِّمال.

وحاصلُ ما ذكره أنَّه منع استدلال ابن العربي بما ذكره، والأمر فيه أنَّ السُّنة أن يأكل بالأصابع الثَّلاث، وإن أكل بالخمس فلا يمنع ولكنَّه يكون تاركًا للسُّنة إلَّا عند الضَّرورة.

الخامس أنَّه ورد أيضًا استحباب لعق الصَّحفة على ما روى الطَّبراني من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من لعق الصَّحفة ولعق أصابعه أشبعه الله في الدُّنيا والآخرة ) ).

وروى التِّرمذي من حديث أبي اليمان، قال حدَّثتني أمُّ عاصم وكانت أم ولد لسنان بن سلمة قالت دخل علينا نبيشة الخير ونحن نأكل في قصعة فحدَّثنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من أكل في قصعة ثمَّ لحسها استغفرتْ له القصعة ) )وقال هذا حديثٌ غريب.

ونُبَيْشة بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية وبشين معجمة، ابن عبد الله بن عمرو بن عتاب بن الحارث بن نصير بن حصين بن دابغة، وقيل رابغة، ابن حيَّان بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مُضر بن نزار الهذلي، ويقال له نُبيشة الخير، ويقال الخيل، باللام، وهو ابنُ عم سلمة بن المحبق.

السَّادس ما المراد باستغفار القصعة، يحتمل إن شاء الله تعالى أن يخلقَ فيها تمييزًا ونطقًا تطلب به المغفرة، وقد ورد في بعض الآثار أنَّها تقول آجرك الله كما أجرتني من الشَّيطان، ولا مانع

ج 23 ص 516

من الحقيقة، ويحتمل أن يكون ذلك مجازًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم في الأطعمة، والنَّسائي في الوليمة، وابن ماجه في الأطعمة أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت