5475 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هو ابنُ أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبي (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) بالحاء المهملة، ابن عبد الله بن سعد بن الحَشْرَج، بفتح الحاء المهملة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وآخره جيم، أبو طريف، بالطَّاء المهملة وآخره فاء، الطَّائي الصَّحابي الجواد ابن الجواد، وكان إسلامُه سنةَ الفتح، وثبتَ هو وقومُه على الإسلام. نزل الكوفة وشهدَ الفتوح بالعراق، ثمَّ كان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومات بالكوفة زمن المختار سنة ثمان وستين، وهو ابنُ مئة وعشرين سنة، وقيل وثمانين، ويقال مات بقرقيسا. وقال أبو حاتم في كتاب «المعمَّرين» قالوا عاش عديُّ بن حاتم مئة وثمانين سنة وكان أعور، وأبو حاتم هو المشهور بالجود.
وفي رواية الإسماعيليِّ حدَّثنا عامر، حدَّثنا عديُّ بن حاتم، وأشار بهذا إلى أنَّ زكريَّا مدلِّس، وقد عنعن، وسيأتي عن الشَّعبي سمعتُ عديَّ بن حاتم.
(قَالَ) أي أنَّه قال (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ) حكم (صَيْدِ الْمِعْرَاضِ) بكسر الميم وسكون العين المهملة وبعد الراء ألف فضاد معجمة، قال الخليلُ وآخرون هو سَهْمٌ لا ريشَ له ولا نَصْلَ، وقال ابنُ دريد وابن سيده سهمٌ طويل له أربع قذذ رقاق، فإذا رُمِيَ به أَعْرَض.
وقال الخطَّابيُّ المِعْراضُ نصلٌ عريضٌ له ثقلٌ ورزانة، وقيل عُود رقيق الطَّرفين غليظُ الوسط يصيبُ بعرضه دون حدِّه، وهو المُسَمَّى بالحُذّافَة. وقال النَّووي خشبةٌ ثقيلةٌ أو عصا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدةٍ، قيل هذا هو الصَّحيح في تفسيره.
وقال ابنُ دقيق العيد عصا رأسِها محدَّدٌ إن أصابَ بحدِّه أكل،
ج 23 ص 553
وإن أصاب بعرضِهِ فلا، كما بيَّنه صلى الله عليه وسلم حيثُ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء (مَا أَصَابَ) أي الصَّيد (بِحَدِّهِ) أي بحدِّ المِعْراض (فَكُلْهُ) لأنَّه ذكي فيُؤكل (وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهْوَ وَقِيذٌ) بفتح الواو وكسر القاف وبالذال المعجمة على وزن فعيل بمعنى مفعول؛ أي ميِّتٌ بسبب ضرب بالمثقلِ كالمقتول بعصا أو حجرٍ فلا يُؤكل فإنَّه حرامٌ، قال عديٌّ (وَسَأَلْتُهُ) صلى الله عليه وسلم (عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ) بأن لا يأكل منه (فَكُلْ) منه (فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ) يعني إنَّ أخْذَ الكَلْبِ الصَّيدَ حُكْمُه حُكْمُ التَّذكية فيحلُّ أكله، كما يحلُّ أكل المُذَكَّاة (وَإِنْ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر (وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ) الذي أرسلته ليصطاد (أَوْ كِلاَبِكَ) أي أو مع كلابك، شكَّ من الرَّاوي (كَلْبًا غَيْرَهُ) أراد به كلبًا لم يرسله من هو أهله؛ اسْتَرْسَلَ أو أَرْسَله مجوسيٌّ أو وثنيٌّ أو مُرْتَدٌّ (فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ) ذلك الكلب الذي لم ترسله (أَخَذَهُ) أي الصَّيد (مَعَهُ) أي مع الذي أرسلته (وَقَدْ قَتَلَهُ فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ) وفي الحديث أحكام منها مشروعيَّة الصَّيد، وقد ثبتَ بالقرآن أيضًا، وهو قوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة 2] . وقال القاضي عياض الاصطيادُ يباحُ لمن اصطاده للاكتساب والحاجة والانتفاع بالأكل والثَّمن، واختلفوا فيمن اصطادَ لِلَّهو، ويمكن قصدُ تذكيتِهِ والإباحة والانتفاع؛ فكرهَهُ مالك، وأجازَهُ اللَّيث وابن عبد الحكم، فإنَّ فعلَه بغير نيَّة التَّذكية فهو حرامٌ؛ لأنَّه فسادٌ في الأرض وإتلافُ نَفْسٍ عَبَثًَا.
وقد نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قَتْلِ الحيوان إلَّا لمأكله، ونهى أيضًا عن الإكثار من الصَّيد. وروى التِّرمذي من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( من سكنَ البادية فقد جفا، ومن اتَّبع الصَّيد فقد غفل، ومن لزم
ج 23 ص 554
السُّلطان افتتن )) وقال حسنٌ غريبٌ. وأعلَّه الكرابيسي بأبي موسى أحد رواته، وقال حديثه ليس بالقائم. ورُوِي أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد ضعيفٍ، وأيضًا من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال الدَّراقطني تفرَّد به شريك. ومنها أنَّ صيدَ المِعْراض إن لم يصبْه بحدِّه فلا يحلُّ أكله. ومنها أنَّ قَتْلَ الكَلْبِ المعلَّم زكاةٌ فإذا أكلَ فليس بمُعَلَّمٍ، وهو مذهب أبي حنيفة والشَّافعي ومذهبهما أنَّ تعليمه أن لا يأكلَ، وهو شرطٌ عندهما، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود.
وقال مالك ليس بشرطٍ، وهو قولُ سلمان الفارسي وسعدِ بن أبي وقاص وعلي وابن عُمر وأبي هُريرة رضي الله عنهم، ومن التَّابعين قول سعيد بن المسيَّب وسليمان بن يسار والحسن والزُّهري واحتجُّوا بقوله تعالى {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة 4] وإنَّه ذكاة يستباح بها الصَّيد فلا يفسد بأكله منه. وحجَّةُ الحنفية والشَّافعيَّة قوله صلى الله عليه وسلم (( فإن أكلَ فلا تأكل فإنَّه لم يمسك عليك إنَّما أمسكَ على نفسه ) )على ما يأتي عن قريب في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله تعالى [خ¦5476] .
فإن قيل قال القاضي في حديث عدي خلافٌ؛ يعني في الحديث الذي يأتي، وهو أن قوله (( فإنَّه لم يمسك عليك. .. إلى آخره ) )ذكره الشَّعبي ولم يذكره هشام وابنُ أبي مطر.
وأيضًا هو معارَضٌ بما روى أبو ثعلبة الخُشني، أنَّه قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( كلْ وإن أكلَ منه ) )أخرجه أبو داود وسكتَ ولم يضعِّفه. فالجواب أنَّ في إسناده داود بن عَمرو الدِّمشقي، قال ابن حزم هذا حديثٌ لا يصحُّ؛ فداود هذا ضعيف؛ ضَعَّفَه أحمد، وقد ذُكِرَ بالكذب.
فإن قيل داود بن عمرو المذكور وثَّقَه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة لا بأس به، وقال ابن عدي لا أرى بروايته بأسًا، وقال أبو داود صالح، وذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» . فالجواب أنَّا وإن سلَّمنا هذا، فهؤلاء لا يقارن [1] الذي في الصَّحيح ولا يقاربه [2] ، وقيل حديث أبي ثعلبة محمولٌ على
ج 23 ص 555
ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثمَّ عاد فأكل منه فهذا لا يضرُّ. ومنهم من حمل على الجواز، وحديث عديٍّ على التَّنزيه لأنَّه كان موسعًا عليه فأفتاه بالكشفِ تورعًا، وأبو ثعلبة كان محتاجًا فأفتاه بالجواز. ومنها اشتراط التَّسمية لأنَّه عُلِّل بقوله (( فإنَّما ذكرت اسم الله على كلبكَ ولم تذكرهُ على غيره ) ).
وقال ابن بطَّال اختلف العُلماءُ في التَّسمية على الصَّيد والذَّبيحة، فرُوي عن محمدِ بن سيرين ونافع مولى عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما والشَّعبي أنَّها فريضة فمن تركها عامدًا أو ساهيًا لم يؤكل ما ذبحه، وهو قول أبي ثور والظَّاهرية، وذهب مالك والثَّوري وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أنَّه إنْ تَرَكَها عامدًا لم يؤكل وإن تركها ساهيًا يُؤكل. قال ابنُ المنذر وهو قول ابن عبَّاس وأبي هريرة وابن المسيَّب والحسن بن صالح وطاوس وعطاء والحسن بن أبي الحسن والنَّخعي وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد والحكم وربيعة وأحمد وإسحاق، ورواه في «المصنف» عن الزُّهري وقتادة.
وفي «المغني» وعن أحمد رواية، وهو المذهب أنَّها شَرْطٌ إن تَرَكَها عَمْدًا أو سهوًا فهي ميتة، وفي رواية إن تَرَكَها على إرسال السَّهم ناسيًا أُكِلَ، وإن تركها على الكلبِ أو الفهد لم يُؤْكل. وقال الشَّافعي يُؤكل الصَّيد والذَّبيحة في الوجهين جميعًا تعمَّد ذلك أو نسيه، روي ذلك عن أبي هريرة وابن عبَّاس وعطاء.
وفي الحديث أيضًا أنَّه لا يَحِلُّ أَكْلُ ما شاركه فيه كلبٌ آخر في اصطيادهِ، ومحلُّه ما إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذَّكاة، فإن تحقَّق أنَّه أرسله بل هو من أهل الذَّكاة حل، ثمَّ يُنْظَرُ فإن أرسلا معًا فهو لهما وإلَّا فللأوَّل، ويُؤخذ ذلك من التَّعليل في قوله (( فإنَّما سمَّيت على كَلْبِكَ ولم تُسَمِّ على غيره ) )فإنَّ مفهومَه أنَّ المرسِلَ إذا سُمَّى على الكلب حلَّ.
وقد مضى الحديثُ في كتاب الطَّهارة، في باب الماء
ج 23 ص 556
الذي يُغْسَلُ به شَعْرُ الإنسان [خ¦175] من غير ذكر قصَّة المِعْراض، ومضى أيضًا في أوائل كتاب البيوع، في باب تفسير الشِّبهات بتمامه [خ¦2054] ، وأخرجه مسلم في الصَّيد، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.
[1] في هامش الأصل في نسخة لا يقاوم.
[2] في هامش الأصل في نسخة لا يعادل.