فهرس الكتاب

الصفحة 8147 من 11127

5478 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، المقرئ، أبو عبد الرَّحمن، مولى ابن عُمر بن الخطَّاب، القرشي العدوي، قال (حَدَّثَنَا حَيْوَةُ) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح الواو بعدها هاء تأنيث، ابن شُرَيح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وآخره حاء مهملة مصغرًا، المصري، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ) عائذ الله، بالذال المعجمة، الخولاني (عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ) بالمثلَّثة بلفظ الحيوان (الْخُشَنِيِّ) بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة وبالنون، نسبة إلى خُشَين بن النِّمر بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران، عن إلحاف بن قُضاعة، وفي اسمه واسم أبيه خلاف، والأكثر على أنَّه جُرْهُم، بضم الجيم والهاء وسكون الراء، ابن نَاشِم، بالنون وكسر الشين المعجمة، وهو من المبايعين تحت الشَّجرة، مات سنة خمس وسبعين.

(قَالَ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّا) يريد نفسه وقبيلته، وهي خشين بطنٌ من قضاعة، كما قاله البَيهقي والخازميُّ وغيرهما، وقد سبق (بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ) وفي رواية أبي ذرٍّ يعني بالشَّام، وكانت جماعة من قبائل العرب سكنوا الشَّام وتنصروا منهم آل غسان وتنوخ وبَهْزٌ وبطون من قضاعة منهم بنو خشين من آل أبي ثعلبة.

(أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ) جمع إناء، وفي «المغرب» الإناء وعاء الماء، والجمع القليل آنية، كِسقَاء وأَسْقِيَة، والكثير الأواني، ونظيره سِوَار وأَسْوِرَة وأَسَاوِر، والهمزة في أفنأكل للاستفهام والفاء عاطفة؛ أي أتأذن لنا فنأكل في آنيتهم أو زائدة؛ لأنَّ الكلامَ سيق للاستخبار، وسببه أنَّهم يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور. وعند أبي داود (( إنَّا نجاورُ أهل كتاب، وهم يطبخون في قُدُورهم ويشربون في أنيتهم الخمر ) ).

(وَبِأَرْضِ صَيْدٍ) من باب إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأنَّ التَّقديرَ بأرضٍ ذات صيدٍ، مُحِذفَتِ الصِّفةُ وأُقِيمَ المضافُ إليه مقامها، كذا قال الإمام القسطلانيُّ

ج 23 ص 563

وله وجه آخر، فَتَدَبَّرْ (أَصِيدُ بِقَوْسِي) جملة مُستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب؛ أي أصيد فيها بقوسي.

(وَ) أصيد فيها (بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي) أن آكلَ من ذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَمَّا) بالتَّشديد حرف تفصيل (مَا) موصول في موضع رفع مبتدأ صلته، قوله (ذَكَرْتَ) أي ذكرته، فالعائد محذوفٌ (مِنْ) آنية (أَهْلِ الْكِتَابِ) وخبر المبتدأ قوله (فَإِنْ وَجَدْتُمْ) أي أَصبْتُم (غَيْرَهَا) أي غير آنية أهل الكتاب (فَلاَ تَأْكُلُوا فِيهَا) إذ هي مستقذرةٌ ولو غُسِلَتْ، كما يكره الشُّرب في المحْجَمَةِ ولو غُسِلَت استقذارًا (وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) أي غيرها (فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا) رخصةً بعد الحظر من غير كراهة للنَّهي عن الأكل فيها مطلقًا، وتعليق الإذن على عدم غيرها مع غسلها، وفيه دليل لمن قال إنَّ الظَّن المستفاد من الغالب راجح على الظَّنِّ المستفاد من الأصل.

وأجاب من قال بأنَّ الحكمَ للأصل حتَّى تتحقَّق النَّجاسة بأنَّ الأمر بالغسل محمولٌ على الاستحباب احتياطًا جَمْعًا بينه وبين ما دلَّ على التَّمسك بالأصل.

قال العينيُّ وهذا التَّفصيل يقتضي كراهةَ استعمالِها إن وجد غيرها مع أنَّ الفُقهاء قالوا يجوز استعمالها بعد الغسل بلا كراهة سواء وجد غيرها أم لا.

وأُجيب بأنَّ المرادَ النَّهيُ عن الآنية التي يطبخونَ فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وإنَّما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنَّجاسة، ومرادُ الفُقهاء أواني الكُفَّار التي ليس مستعملة في النَّجاسات غالبًا، والتَّحقيق في هذا أنَّ في حديث أبي ثعلبة هذا ترجيحَ الظَّاهر على الأصل لأنَّ الأصلَ في آنية أهل الكتاب والمجوس الطَّهارةُ، ومع هذا فقد أمر بغسلها عند عدم وجود غيرها، والصَّحيحُ أنَّ الحكمَ للأصل حتَّى تَتَحَقَّقَ النَّجاسةُ، ثمَّ يُحتاج إلى الجواب عن الحديث، والجواب عنه من وجهين

أحدهما أنَّ الأمرَ بالغسل

ج 23 ص 564

للاحتياط والاستحباب لا لثبوت الكراهة في ذلك، فيكون إرشادًا إلى الأوَّل.

والثَّاني أنَّ المرادَ بالحديث حالة تحقُّق نجاستها، ويدلُّ عليه قوله في رواية أبي داود إنَّا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قُدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن وجدتُم غيرها فكلوا فيها واشربوا، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوهَا بالماء وكلوا واشربُوا ) )فافهم.

(وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ بالواو (اسْمَ اللَّهِ) عليه، وما شرطيَّة، والفاء في فذكرت عاطفة على صدت، وفي قوله (فَكُلْ) جواب الشَّرط، ويستفاد منه أحكام [1]

الأوَّل جواز الصَّيد بالقوس إذا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، وفي رواية أبي داود من حديث عمرو بن شعيبُ عن أبيه، عن جدِّه أنَّ أعرابيًّا يقال له أبو ثعلبة قال يا رسول الله إنَّ لي كلابًا مكلبة، وفيه أفتني في قوسي قال (( كُلْ ما ردت عليك قوسك ذكيًّا وغير ذكيٍّ ) )قال وإن تغيبت عنِّي؟ قال (( وإن تغيَّب عنك ما لم يَصِلَّ، أو تجدْ فيه أثرًا غير سهمك ) ). وقوله (( ما لم يصِلَّ ) )بكسر الصاد المهملة واللام الثقيلة؛ أي ما لم ينتن الثَّاني اشتراط التَّسمية، وقد مرَّت مباحثُها عن قريب، وأنَّ الشَّافعي يُجَوِّز تركها، ويَحْمِلُ الحديثَ على النَّدب.

(وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ) بنصب (( غير ) )وخفضها (فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ) يعني أنَّ الكلبَ لا بدُّ أن يكون مُعَلَّمًا، فإذا صاد بكلبه المُعَلَّم وذَكَرَ اسمَ الله عند الإرسال فإنَّه يُؤكل، وإذا صاد بكلب غير معلَّم فإنْ أَدْرَكَ ذكاتَه يُذَكِّي ويَأْكُل وإلَّا فلا، وذِكْرُ الكلبِ مطلقًا يتناول أيَّ لون كان أبيض أو أسود أو أحمر فيجوز أي لون كان، وفيه حجَّة على أحمد، حيثُ لا يجوز بالكلب الأسود، وإن كان معلَّمًا ففيه شرطان كون الكلب معلَّمًا والتَّسمية، فإذا أرسل كلبًا غير معلم أو أرسل معلَّمًا بغير تسمية

ج 23 ص 565

أو وجد كلبًا قد صاد من غير إرسال فلا يحل صيدُه إلَّا بأن يدركه وفيه حياة مستقرَّة ثمَّ يذكيه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البُخاري في الذَّبائح أيضًا في موضعين [خ¦5488] [خ¦5496] ، وأخرجه مسلم في الصَّيد وغيره، وأبو داود فيه، والتِّرمذي في السِّير، والنَّسائي في الصَّيد، وكذا ابن ماجه.

[1] في هامش الأصل في نسخة حكمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت