5479 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ) هو يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطَّان الرَّازي، نزيل بغداد، نسبه إلى جدِّه لشهرته به، قال (حَدَّثَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح الكوفيُّ (وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) من الزِّيادة الواسطي، من مشايخ أحمد بن حنبل (وَاللَّفْظُ لِيَزِيدَ) لا لوكيع (عَنْ كَهْمَسِ) بفتح الكاف والميم بينهما هاء ساكنة وآخره سين مهملة (ابْنِ الْحَسَنِ) أبي الحسن التَّميمي، نزل البصرة في بني قيس (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء وبالدال المهملة مُصَغَّرًا، ابن الحصيب الأسلمي، قاضي مرو، أبو سهل المروزيُّ، أخو سليمان بن بريدة، وكانا توأمين، ولم يزل قاضيًا بمرو إلى أن مات بها.
وقال الدِّمياطي قيل مات عبد الله وسليمان في يومٍ واحد سنة خمس ومئة، وكان عمرهما مئة سنة، والأصحُّ أنَّ سليمان تولَّى القضاء قبله، ومات بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومئة، وولي أخوه القضاء بها بعده ومات
ج 23 ص 566
وهو على القضاء سنة خمس عشرة ومئة، فعلى هذا يكون عمر سليمان تسعين وعمر عبد الله مئة سنة.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة، ابن عبد نَهْم بن عفيف بن أسحم المزني، نزيل البصرة، ومات بعد سنة ستين وصلَّى عليه أبو بردة (أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا) لم يعرف اسمه، وفي رواية مسلم (( رأى رجلًا من أصحابه ) )، وله أيضًا من رواية سعيد بن جُبير عن عبد الله بن مغفل أنَّه قريب لعبد الله بن مغفَّل (يَخْذِفُ) بالخاء المعجمة؛ أي يرمي بحصاة أو نواة بين سبابتيه، والمِخْذفة، بكسر الميم وهو الذي يُسَمَّى المقلاع؛ خشبة يخذفُ بها، كذا في «القاموس» .
(فَقَالَ لَهُ) ابن مغفل، وفي رواية ابن عساكر سقط لفظ (لاَ تَخْذِفْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ أَوْ) قال (كَانَ يَكْرَهُ الْخَذْفَ) شك من الرَّاوي، وفي رواية أحمد عن وكيع (( نهى عن الخذف ) )من غير شكٍّ، وأخرجه عن محمد بن جعفر، عن كهمس بالشَّك، وبين أنَّ الشَّك من كهمس (وَقَالَ إِنَّهُ لاَ يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ) لأنَّه يقتل بقوة الرَّامي لا بحدِّ البندقة، فكلُّ ما قتل بها حرام بالإجماع إلَّا من شذَّ.
قال المهلَّب أباحَ الله الصَّيدَ على صفةٍ، فقال {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وليس الرَّميُ بالبندق ونحوها من ذلك، وإنَّما هو وقيذ، وإنَّما نهى عن الخذف لما مرَّ من أنَّه يقتل الصَّيد بقوَّة راميه لا بحدِّه.
(وَلاَ يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ) بضم أوله وسكون النون وفتح الكاف بلا همز، كما في الفَرْعِ وأصلهِ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالهمز. قال القاضي عياض الرِّواية بفتح الكاف والهمزة في آخره وهي لغة، والأشهر بكسر الكاف بغير همز؛ لأنَّه من نَكَيت في العدو أَنْكِي نِكَاية، وأنا ناكٍ إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك، وأمَّا الذي بالهمز، فمن قولهم نَكَأت القرحة أَنْكَاؤها إذا قَشَرْتُها، ولا يناسب هنا إلَّا الأوَّل على ما لا يخفى، وقال ابن سيده نكيت العدوَّ نِكَاية أصبتُ
ج 23 ص 567
منهم، ونَكَأْت العدوَّ أنكاؤهم، لغة في نكيت، فعلى هذا، الوجهان صحيحان، ومعناه المبالغةُ في الأذى.
(وَلَكِنَّهَا) أي البندقة أو الرَّمية (قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ) وأطلق السِّن والعين فيشمل سنَّ المَرْمَي وغيره من آدميٍّ وغيره (ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْذِفُ، فَقَالَ لَهُ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ أَوْ كَرِهَ الْخَذْفَ، وَأَنْتَ تَخْذِفُ، لاَ أُكَلِّمُكَ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية معاذ ومحمد بن جعفر (( لا أكلمك كلمةَ كذا وكذا ) )وكلمةَ بالنَّصب والتَّنوين، وكذا كذا لإبهام الزَّمان، وفي رواية مسلم من رواية سعيد بن جُبير (( لا أكلمك أبدًا ) )وإنَّما فعل ذلك لأنَّه خالف السُّنَّة، ففيه جوازُ هجران من خالفَ السُّنَّة وتركِ كلامه، ولا يدخلُ ذلك في النَّهي عن هجران المسلم فوق ثلاث؛ لأنَّه يتعلَّق بمن هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِه.
والمعنى في النَّهي عن الخذف لما فيه من التَّعريض للحيوان بالتَّلف لغير مأكله، وهو منهيٌّ عنه فلو أدرك ذكاةَ مارَمَى بالبندق ونحوه فيحلُّ أكله، ومن ثمَّه اختُلِفَ في جوازه؛ فصرَّح في «الذَّخائر» بمنعه، وبه أفتى ابن عبد السَّلام.
وجزم النَّووي بحلِّه لأنَّه طريق إلى الاصطياد، والتَّحقيقُ التَّفصيل؛ فإن كان الأغلب من حال الرَّامي ما ذكر في الحديث امتنع وإلَّا جاز، وقال أبو الفتح القشيري المنقول عن بعض مصنِّفي الشَّافعيَّة مَنْعُ الاصطياد بالبندق إمَّا تحريمًا أو كراهة، وعن بعض المتأخرين جوازه، واستدلَّ على ذلك بحديثِ الاصطياد بالكلب الذي ليس بمُعَلَّم وبالعلَّة التي في الحديث المذكور لأنَّه قال لا يُنكي به العدو، فمفهوم هذا أن ما يُنكي العدو يقتل الصَّيد، لا ينهى عنه لزوال علَّة النَّهي، وهذا دليلُ مفهوم وليس بحجَّة عند الجمهور.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أوضح الحديثُ الإبهامَ الذي في التَّرجمة، وقال الحافظُ العسقلاني يأتي تفسير الخذف في الباب.
ج 23 ص 568
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يفسِّر الخذف في الباب قط، وإنَّما بيَّنَ حُكْمَه، وقد أخرجه مسلم في الذَّبائح، والنَّسائي في الدِّيات.