فهرس الكتاب

الصفحة 8177 من 11127

5498 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو سلمة البصريُّ، الذي يقال له التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) والد سفيان الثَّوري (عَنْ عَبَايَةَ) بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف تحتية (ابْنِ رِفَاعَةَ) بكسر الراء وبالفاء والعين المهملة (ابْنِ رَافِعٍ) ضدُّ الخافض ابن خَدِيج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم، (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) رضي الله عنه، وقال أبو الأحوص عن سعيد بن عَبَايَة، عن أبيه، عن جدِّه. وتابع أبا الأحوص على زيادة عن أبيه، حسان بن إبراهيم الكرماني، عن مسعود بن مسروق. أخرجه البيهقي من طريقه، وكذا رواه ليث بن أبي سليم، عن عَبَايَة، عن أبيه، عن جدِّه. وقال الغسانيُّ في بعض الرِّوايات بزيادة لفظ عن أبيه، وهو سهو.

(قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) من الأسماء المركبة تركيبَ إضافة، فيُعْرَبُ الأوَّل بوجوهِ الإعراب، والثَّاني مجرور بالإضافة، كأبي هريرة، وزاد سفيان الثَّوري عن أبيه من تهامة.

قال الدَّاودي ذو الحليفة هنا في أرض تهامة، وهو مكان بالقربِ من ذات عرق بين الطَّائف ومكَّة، ليست التي بالقربِ من المدينة، كما جزمَ به أبو بكر الحازميُّ وياقوت، وذات عرق من تهامة.

ونقل ابن بطَّال عن القابسيِّ أنَّها الميقات المشهور، فقال عنه وكانوا في هذه الغَنِيْمَةِ بذي الحليفة من المدينة، وكذا ذكره النَّووي وقال كان ذلك عند رجوعهم من الطَّائف سنة ثمان.

(فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا) من المغانم (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) جمع الأخرى تأنيثُ الآخر؛ ليصونهم ويحفظهم، إذ لو تقدمهم؛ لخيف أن يقتطع الضَّعيف منهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا (فَعَجِلُوا) من الجوع الذي كان بهم، وذبحوا ما غنموه قبل القسمة (فَنَصَبُوا الْقُدُورَ) ووضعوا ما ذبحوه فيها، وفي رواية الثَّوري (( فَأَغْلوا القُدُور ) )أي أوقدوا

ج 23 ص 612

النَّار تحتها حتَّى غلت (فَدُفِعَ) بضم الدال على البناء للمفعول؛ أي وصل (إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ هنا وهو يقتضي سقوط إليهم الأوَّل (فَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (بِالْقُدُورِ) أي بأن تكفأَ (فَأُكْفِئَتْ) بضم الهمزة وسكون الكاف. قال ابن فرحون أي فأَمَرَ رجلًا بأن بِكَفْءِ القدور، لأنَّ أَمَرَ يتعدَّى إلى مفعولين إلى الأوَّل بنفسه، وإلى الثَّاني بالباء، ويكون الثَّاني مصدرًا، أو مقدرًا بمصدر، تقول أمرتُك الخيرَ، وأمرتُك بالخَيرِ، وتقول أمرتك بزيد، ولا تقول أمرتك زيدًا؛ لأنَّ التَّقدير أمرتك بإكرام زيد، أو بضرب زيد، فيحذف المصدر، ويقام المضاف إليه مقامه، وكذلك هنا، فلا يجوز فأمر بالقدور إلَّا بتقدير مضاف؛ أي بإكفاء القدور، فالباء الدَّاخلة على المصدر بعد حذفه دخلت على القائم مقامه. قال وهذا الذي ظهر لي من التَّقدير ما وقفت عليه، ولكن وجدتُ القواعدَ تسوق إليه. انتهى.

وقوله (( فأكفئت ) )أي قُلِبَتْ وأُفْرِغَ ما فيها؛ أي من المرق، كما قاله النَّووي عقوبةً لهم لاستعجالهم في السَّير، وتركهم النَّبي صلى الله عليه وسلم في الأخريات مُعَرَّضًا لمن يقصده من العدوِّ ونحوه، وقيل لأنَّ الأكلَ من الغنيمة المشتركة قبل القسمة لا يحلُّ في دار الإسلام.

قال النَّووي وأمَّا اللَّحم فلم يتلفوه، بل يُحْمَلُ على أنَّه جُمِعَ ورُدَّ إلى المغنم، ولا يظنُّ أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بإتلافه مع نهيهِ صلى الله عليه وسلم عن إضاعةِ المال، وهذا من مال الغانمين، وأيضًا فالجناية بطبخه لم تقع من جميع مستحقِّي الغنيمة، فإنَّ منهم من لم يطبخ، ومنهم المستحقُّون للخمس، فإن قيل إنَّه لم يُنْقَلْ أنَّهم حَمَلُوا اللَّحم إلى المغنم، قيل ولم ينقل أيضًا أنَّهم أحرقوه وأتلفوهُ، فيجب تأويله على وفق القواعد الشَّرعية. انتهى.

لكن في حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، وله صُحبة، عن رجل من الأنصار قال أصاب النَّاسَ حاجةٌ شديدةٌ وجهد، فأصابوا غنمًا فانتهبوها، فأوقدوا نارًا لتغلي بها، إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسه فأكفأ قدورنا

ج 23 ص 613

بقوسه، ثمَّ جعل يرمي اللَّحم بالتُّراب، ثمَّ قال (( إنَّ النُّهبة ليست بأَجَلَّ من الميتة ) )، رواه أبو داود بإسناد جيدٍ على شرط مسلم، وتَرْكُ تسميةِ الصَّحابيِّ لا تضر.

ولا يقال لا يلزم من تتريب اللَّحم إتلافَه؛ لإمكان تداركه بالغسل؛ لأنَّ سياق الحديث مشعرٌ بإرادة المبالغة في الزَّجر عن ذلك، وهو كونهم انتهبوا ولم يأخذوا باعتدال، فلو كان بصدد أن ينتفعَ به بعد ذلك لم يكن فيه كثير زجر؛ لأنَّ الذي يخصُّ الواحد منهم قدر يسير، وكان إفسادها عليهم مع تعلُّق قلوبهم بها وحاجتهم إليها، وشهوتهم لها أبلغ في الزَّجر، كذا قال الحافظُ العسقلاني وغيره.

(فَعَدَلَ) أي قابل (عَشَرَةً) وفي رواية أبي ذرٍّ (مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ) لنفاسة الإبل إذ ذاك، أو قلتها، وكثرة الغنم، أو كانت هزيلة بحيث كان قيمة البعير عشر شياه وليس هذا مخالفًا لقاعدة الأضحية في إقامة البعير سبع شياه إذ ذاك بحسب الغالب في قيمة الشَّاة والبعير المعتدلين.

فالحاصل أنَّ البعير لسبعة ما لم يعرض عارضٌ من نفاسة ونحوها، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك.

(فَنَدَّ) بفتح الفاء والنون وتشديد الدال المهملة؛ أي نفر وذهبَ على وجهه شاردًا (مِنْهَا) أي من الإبل المقسومة (بَعِيرٌ) والفاء عاطفة على السَّابق (وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ) وهذا تمهيد لعذرهم في كون البعير الذي ندَّ منهم ولم يقدروا على تحصيله (فَطَلَبُوهُ) بفاء العطف السَّببية (فَأَعْيَاهُمْ) أي فأتعبهم، والفاء للعطف على محذوف؛ أي طلبوه ففاتهم، ولم يقدروا على تحصيله (فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يعرف اسم هذا الرَّجل؛ أي قصد نحوه ورماه (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ) أي بالسَّهم؛ أي جعل إصابة السَّهم له سببًا في وقوفه، فهو عزَّ وجلَّ خالق الأسباب والمسببات (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ) جمع بهيمة، وفي «القاموس» كلُّ ذات أربع قوائم، وفي رواية الثَّوري وشعبة (( إنَّ لهذه الإبل ) ) (أَوَابِدَ) بفتح الهمزة

ج 23 ص 614

جمع آبدة، وهي التي تأبَّدت؛ أي توحَّشت ونفرتْ من الإنس، وأوابد لا ينصرف؛ لأنَّه على صيغة منتهى الجموع (كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) وإنَّما انصرفَ أوابد الثَّاني؛ لأنَّه مضاف.

(فَمَا نَدَّ) أي نفر واستصعب (عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) أي وكلوه كما عند الطَّبراني؛ أي اجرحوا بأيِّ وجهٍ كان، فإنَّ حكمه حُكم الصَّيد في ذلك (قَالَ) أي عباية (فَقَالَ جَدِّي) وفي نسخة بالواو، وهو رافعُ بن خديج، وزاد عبد الرَّزاق عن الثَّوري في روايته (( يا رسولَ الله ) )وهذا صورته صورة الإرسال؛ لأنَّ عباية لم يدركْ زمان هذا القول.

(إِنَّا لَنَرْجُو، أَوْ) قال (نَخَافُ) شكَّ من الرَّاوي. قال العينيُّ قولهم نرجو إشارة إلى حرصهم على لقاء العدو؛ لما يرجونه من فضل الشَّهادة أو الغنيمة. وقولهم نخاف، إشارة إلى أنَّهم لا يحبُّون أن يهجم العدوُّ عليهم بغتة.

(أنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا) وفي رواية أبي الأحوص (( إنَّا نَلَقَى العَدُوَّ غدًا ) )بالجزم، ولعلَّهم عرفوا ذلك بالقرائن (وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) بضم الميم وبالدال المهملة مقصورًا مخففًا، جمع مُدْية، بسكون الدال، وهي الشَّفرة؛ أي السِّكِّين الذي يُذْبَحُ به؛ أي ليس معنا ما نذبحُ به ما نغنمه، أو ما نأكله لنتقوى به على العدوِّ إذا لقيناه، وسمِّيت المُدْية؛ لأنَّها تقطعُ مُدَى حياة الحيوان على ما قيل.

(أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ) الفاء عاطفة على ما قبل همزة الاستفهام، ومنهم من قدر المعطوف عليه بعد الهمزة، كما مرَّ في أوَّل الكتاب في قوله (( أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟ ) )والتَّقدير هنا أتأذن فنذبح بالقصب؟ وقال الكِرمانيُّ فإن قلت ما الغرض من ذِكْرِ لقاء العدو عند السُّؤال عن الذَّبح؟

قلت غرضُه أنَّا لو استعْمَلْنا السُّيوف في المذابح لكَلَّتْ عند اللِّقاء، ونعجز عند المقاتَلَةِ بها.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم مجيبًا بجواب جامع (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بسكون النون وبعد الهاء راء؛ أي ما أسال الدَّم، كما يسيلُ الماء في النَّهر، وكلمه (( ما ) )إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة، وقال القاضي عياض هذا هو المشهور في الرِّواية بالراء، وذكره أبو ذرٍّ الخشني بالزاي،

ج 23 ص 615

وقال النَّهز بمعنى الدَّفع، وهو غريب.

(وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بضم الذال على البناء للمفعول (فَكُلْ) جواب الشَّرط، وعلى تقدير كون ما موصولة فهو خبرها، والتَّقدير ما أنهر الدَّم فحلالٌ فكلْ؛ أي فكُلْه، والضَّمير على الوجهين لا يصحُّ عوده إلى ما، فلابدَّ من رابط يعود إلى ما من الجملة أو ملابستها، فيقدر محذوف ملابس؛ أي فكُلْ مذبوحَه، أو يقدر مضاف إلى ما؛ أي مذبوح ما أنهر الدَّم، وذَكِرَ اسمُ الله عليه.

وبه يتمسَّك من اشترط التَّسمية؛ لأنَّه علَّق الإذن بمجموع الأمرين الإِنهار والتَّسمية، والمعلَّق على شيئين لا يُكْتَفَى فيه بأحدهما، وينتفِي بانتفاء أحدهما، كما فُصِّلَ في مَحَلِّه.

(لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) نصب على الخبرية لكلمة ليس، وقيل على الاستثناء، واسمها إمَّا ضمير مستتر عائد إلى البعض المفهوم من لفظ كل، كما في رواية، أو من عموم كلمة ما، أو لفظ بعض محذوف تقول جاء القوم ليس زايدًا، بمعنى إلَّا زيدًا، ومؤدى التَّوجيهين واحد، وهو أن لا يكون هو السِّن والظُّفر، ويجوز الرَّفع؛ أي ليس السِّن والظُّفر مجزئًا. وفي رواية أبي الأحوص (( ما لم يكن سنٌّ أو ظفر ) )، وفي رواية عمر بن عبيد (( غير السِّن والظُّفر ) )، وفي رواية داود بن عيسى (( إلَّا سنًا أو ظفرًا ) ).

(وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ) لم لا يحل، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَني (أَمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ) أي فإنَّه عظم، وكلُّ عظمٍ لا يحلُّ الذَّبح به، والنَّتيجة مطوية؛ لدَلالة الاستثناء عليها، كما قاله البيضاوي. أو كان صلى الله عليه وسلم قد قرَّر عندهم أنَّ الذَّكاة لا تَحِلُّ بالعَظْمِ، فلذا اقتصرَ على قوله (( فعظم ) )، كما قاله ابن الصَّلاح، أو أنَّه ينجس بالدَّم، وهو زاد الجنِّ، أو أنَّه غالبًا لا يَقْطَع، وإنَّما يجرح فتزهقُ النَّفسُ من غير أن يتيقَّن وقوع الذَّكاة به، وفي رواية بدون الفاء.

(وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ) فإنَّ الحبشة يدمون مذابح الشَّاة [1] بأظفارِهِم حتَّى تزهقَ النَّفس خنقًا وتعذيبًا، وهم كفَّار،

ج 23 ص 616

وقد نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن التَّشبه بهم. وفي الحديث منع الذَّبح بالسِّن والظُّفر متَّصلًا كان أو منفصلًا، طاهرًا كان أو متنجِّسًا. وفرَّق الحنفيَّة بين السِّن والظُّفر المتَّصلين والمنفصلين، فخصُّوا المَنْعَ بالمتَّصلين، وأجازوا بالمنفصلين. وفي «المعرفة» للبيهقي من رواية حرملة عن الشَّافعي أنَّه حمل الظُّفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في البخور والطِّيب.

وقد مضى الحديث في الشَّركة في باب من عدل عشرًا من الغنم بجزور في القسم [خ¦2507] ، وفي الجهاد في باب ما يُكْرَه من ذَبْحِ الإبل والغَنَم في المغانم [خ¦3075] .

ومطابقتُه للتَّرجمة في قوله (( وذكر اسم الله عليه ) ).

[1] في هامش الأصل يعني أن الذبح به تعذيب للحيوان، ولا يقع به غالبًا إلا الخنق الذي ليس على صورة الذبح. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت