5520 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) أي ابن درهم، وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) بفتح العين المكيِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو الذي يقال له أبو جعفر الباقر (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنهما، كذا أدخل حماد بن زيد بين عَمرو بن دينار، وبين جابر في هذا الحديث محمد بن علي. وأسقطه النَّسائي والتِّرمذي، ووافق حمادًا على إدخال الواسطة ابن جريج، لكنَّه لم يسمعْه، أخرجه أبو داود، وقد قيل إنَّ عَمرو بن دينار لم يسمعْ من جابر، فإن ثبت سماعُه منه، فتكون رواية حماد من المزيد في متَّصل الأسانيد، وإلَّا فرواية حماد بن زيد هي المتَّصلة، ولئن سَلِمَ وجودُ التَّعارض من كلِّ جهة، وللحديث طُرق أخرى عن جابر غير هذه، فهو صحيحٌ على كلِّ حال.
(قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ) أي يوم حصار خيبر (عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ) أي الأهليَّة (وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ) واحتجَّ بهذا الحديث عطاء وابن سيرين والحسن والأسود بن يزيد وسعيد بن جُبير واللَّيث وابن المبارك والشَّافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد وأبو ثور على جواز أكلِ لحم الخيل، وقال أبو حنيفة
ج 23 ص 651
والأوزاعيُّ ومالك وأبو عبيد يكره أكله، ثمَّ قيل الكراهة عند أبي حنيفة كراهة تحريم، وقيل كراهة تنزيه، والمشهور عند المالكيَّة التَّحريم، وصحَّحه في «المحيط» و «الذَّخيرة» و «الهداية» عن أبي حنيفة، وقال فخرُ الإسلام وأبو المعين وهذا هو الصَّحيح. وأَخَذَ أبو حنيفة ومن معه في ذلك بقوله تعالى {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل 8] ، قالوا خَرَجَ مخرجَ الامتنان والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النِّعم، ويمتن بأدناها، ويقال أيضًا إنَّ لام العلَّة تفيدُ الحصر، فتدلُّ على أنَّها لم تخلق لغير ما ذكر.
وأيضًا عَطْفُ البغالِ والحميرِ يقتضي الاشتراكَ في التَّحريم، وأيضًا لو أبيحَ أكلها، لفاتت المنفعة بها فيما وقعَ الامتنان به من الرُّكوب والزِّينة. وأُجيب عنه بأنَّه ينتفع بالخيل في غيرها، وفي غير الأكل اتِّفاقًا، وإنَّما ذُكِرَ الرُّكوبُ والزِّينة؛ لكونهما أغلب ما يُطْلَبُ له الخيل.
وأمَّا دَلالة العطف فدلالة اقتران وهي ضعيفةٌ، أمَّا الامتنان فإنَّما قُصِدَ به غالب ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل، فخُوطبوا بما أَلِفوا وعرفوا، ولو لزم من الإذن في أكلها أن تفتي للزم مثله في الشِّق الآخر في البقر وغيرها ممَّا أبيح أكله، فافهم.
واحتجَّ المانعون أيضًا بحديث أخرجه أبو داود، عن خالد بن الوليد «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» . وأخرجه النَّسائي وابن ماجه والطَّحاوي. ولمَّا رواه أبو داود سَكَتَ عنه، فسكوتُه دلالةُ رِضاه به، غير أنَّه قال وهذا منسوخ، وقال النَّسائي ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا، ويعارض حديث جابر رضي الله عنه، والتَّرجيح للمُحَرِّم، وقد مرَّ الكلام فيه في غزوة خيبر [خ¦4219] .
وأمَّا لحمُ الحمر الأهليَّة فقال ابن عبد البر لا خلاف بين عُلماء المسلمين اليوم في تحريمه، إنَّما حُكِيَ عن ابن عبَّاس وعائشة رضي الله عنهم إباحته بظاهر قوله تعالى {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} [الأنعام 145] الآية. وذكر في «التَّفريع» للمالكيَّة، ولا بأس بأكلِ لحم الحمر الأهلية ولا البَغْل،
ج 23 ص 652
ويُكره أكلُ لحوم الخيل، وقد مضى هذا الحديث أيضًا في باب النَّحر والذَّبح [خ¦4219] .
ومطابقُته للتَّرجمة ظاهرةٌ.