5549 - (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هو ابنُ الفضل، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيلُ بن إبراهيم بن مِقْسم، وعُلَيَّة اسم أمَّه، اشتهر باسم أمِّه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ) لأصحابه (مَنْ كَانَ) منكم (ذَبَحَ) أضحيته (قَبْلَ الصَّلاَةِ فَلْيُعِدْ) فإنَّها ليست نسكًا (فَقَامَ رَجُلٌ) هو أبو بردة بن نيار، كما في حديث البراء رضي الله عنه [خ¦5556] (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ) للالتذاذ به، وقد جرت العادة فيه بكثرة الذَّبح، فالنَّفس تتشوَّق إليه، وبه استدلَّ من قال بوجوبِ الأضاحي،
ج 24 ص 10
وهو استدلالٌ غريب.
وفي رواية داود بن أبي هند عن الشَّعبي عند مسلم (( فقال يا رسول الله إنَّ هذا يوم اللَّحم فيه مكروه ) )، وفي لفظ له (( مقْروم ) )وهو بسكون القاف. قال القاضي عياض روِّيناه في مسلم من طريق الفارسيِّ والسِّجزي (( مكروهٌ ) )، ومن طريق العذري (( مقروم ) )، وقد صوَّب بعضهم هذه الرِّواية الثَّانية، وقال معناه يشتهى فيه اللَّحم، يقال قرمت إلى اللَّحم، وقرمته إذا اشتهيته فهو موافق للرِّواية الأخرى (( إنَّ هذا يوم يشتهى فيه اللَّحم ) ).
قال القاضي عياض وقال بعضُ شيوخنا صواب الرِّواية (( اللَّحَم فيه مكروه ) )بفتح الحاء، وهو اشتهاء اللَّحم، والمعنى ترك الذَّبح والتَّضحية، وبقاء أهله فيه بلا لحم حتَّى اشتهوه مكروه. قال وقال لي الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان معناه ذبح ما لا يجزئ في الأضحيَّة ممَّا هو لحم. انتهى.
وبالغ ابن العربي فقال الرِّواية بسكون الحاء هنا غلط، وإنَّما هو اللَّحَم _ بالتَّحريك _، يقال لحِم الرَّجل _ بكسر الحاء _ يلحَم _ بفتحها _ إذا كان يشتهي اللَّحم، وأمَّا القرطبيُّ في «المفهم» فقال تكلَّف بعضُهم ما لا يصحُّ رواية؛ أي اللَّحَم _ بالتَّحريك _، ولا معنى، وهو قول الآخر، معنى المكروه أنَّه مخالف للسُّنَّة. قال وهو كلام من لم يتأمَّل سياق الحديث، فإنَّ هذا التَّأويل لا يُلائمه، إذ لا يستقيم أن يقول إنَّ هذا اليوم اللَّحم فيه مخالف للسُّنَّة، وإنِّي عجلت لأطعم أهلي.
قال وأقرب ما يتكلَّف لهذه الرِّواية أنَّ معناه اللَّحم فيه مكروه التَّأخيرِ، فحذف لفظ «التَّأخير» ؛ لدَلالة قوله «عجلت» . وقال النَّووي ذكر الحافظُ أبو موسى، أنَّ معناه هذا يوم طلبُ اللَّحم فيه مكروه شاق. قال وهو معنى حسن، يعني طلبه من النَّاس كالصِّديق والجار، فاختار هو أن لا يحتاج أهله إلى ذلك، فأغناهم بما ذبحه عن الطَّلب، ووقع في رواية منصور عن الشَّعبي، كما مضى في «العيدين» (( وعرفت أنَّ اليوم يوم أكلٍ وشرب، فأحببتُ أن تكون شاتي أوَّل ما يُذبح في بيتي ) ) [خ¦983] .
قال
ج 24 ص 11
الحافظُ العسقلانيُّ ويظهر لي أنَّ بهذه الرِّواية يحصل الجمع بين الرِّوايتين المتقدِّمتين، وأنَّ وصفه اللَّحم بكونه مشتهى، وبكونه مكروهًا لا تناقص فيه، وإنَّما هو باعتبارين، فمن حيثُ إنَّ العادة جرت فيه بالذَّبائح فالنَّفس تتشوَّق له يكون مشتهىً، ومن حيثُ توارد الجميع عليه حتَّى يكثرَ ويصير مملولًا فأطلقت عليه الكراهة لذلك.
فحيثُ وصفه بكونه مشتهى أراد ابتداءَ حاله، وحيثُ وصفه بكونه مكروهًا أراد انتهاءهُ، ومن ثمَّة استعجل في الذَّبح ليفوز بتحصيل الصِّفة الأولى عند أهله وجيرانهِ، ووقع في رواية فراس عن الشَّعبي عند مسلم فقال خالي يا رسولَ الله قد نسكت عن ابن لي.
وقد استشكل هذا، وظهرَ لي أنَّ مراده أنَّه ضحَّى لأجله للمعنى الذي ذكره في أهلهِ وجيرانه، فخصَّ ولده بالذِّكر؛ لأنَّه أخص بذلك عنده حتَّى يستغني ولده بما عندَهُ عن التَّشوق إلى ما عند غيره، انتهى.
(وَذَكَرَ جِيرَانَهُ) أي ذكر أبو بُردة احتياجَ جيرانه وفقرهم، كأنَّه يريدُ به عذره في تقديم الذَّبح على الصَّلاة، وفي رواية عاصم عند مسلم (( وإنِّي عجَّلت فيه نسيكتِي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري ) ) (وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) من المعز (خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) بالتَّثنية؛ أي أطيب لحمًا، وأنفع لسمنها ونفاستها (فَرَخَّصَ) صلى الله عليه وسلم (لَهُ فِي ذَلِكَ) أي في التَّضحية بتلك الجَذَعة من المعز، قال أنس رضي الله عنه (فَلاَ أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ) من النَّاس (أَمْ لاَ) فيكون مختصًا بذلك.
وقوله (( من سواه ) )منصوب بقوله (( أبلغت ) )وكأنَّ أنسًا رضي الله عنه لم يبلغْه ما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لن تُجزئَ عن أحدٍ بعدك ) )، وعن ابن سيرين أنَّه كان إذا حدث بحديث البراء يقف عند قوله (( ولن تجزئَ عن أحدٍ بعدك ) )، وبحديث أنس، يقول أنس لا أدري أبلغت الرُّخصة غيره أم لا، ولعلَّه استشكل الخصوصيَّة بذلك؛ لما جاء من ثبوتِ ذلك لغير أبي بُردة، كما سيأتي قريبًا [خ¦5555] .
(ثُمَّ انْكَفَأَ) بالهمز؛ أي مال وانعطفَ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقال كفأت الإناء إذا أملته، والمراد أنَّه رجعَ من مكان الخُطبة
ج 24 ص 12
(إِلَى كَبْشَيْنِ) تثنية كبش، وهو ذكر الضَّأن (فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة وفتح النون، مصغَّر غنم (فَتَوَزَّعُوهَا) بالزاي؛ أي فتفرقوها، والتَّوزيع التَّفريق (أَوْ قَالَ) شكٌّ من الرَّاوي (فَتَجَزَّعُوهَا) بالجيم والزاي، من الجزع، وهو القطع؛ أي اقتسموها حصصًا كلَّ واحدٍ حصَّةً من الغنم من غير ذبح، وليس المراد أنَّهم اقتسموها بعد الذَّبح، فأخذ كلُّ واحد قطعة من اللَّحم، والقطعة تطلقُ على الحصَّة من كلِّ شيء.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد سبق الحديث في «كتاب العيدين» ، في باب «الأكل يوم النَّحر» [خ¦955] .