5590 - (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) وعمَّار، هو ابنُ نصير بن ميسرة أبو الوليد السُّلمي الدِّمشقي، وهو أحدُ شيوخ البُخاري روى عنه في «فضل أبي بكر رضي الله عنه» [خ¦3661] ، وفي «البيوع» [خ¦2078] أسند عنه في هذين الموضعين، وفي ثلاثة مواضع يقول قال هشام بن عمَّار في «الأشربة» هنا، وفي «المغازي» إنَّ النَّاس كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرَّقوا في ظلال شجر [خ¦4187] ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تكنْ مثل فلان كان يقوم اللَّيل ) ) [خ¦1152] ففي هذه المواضع الثَّلاثة لا يقول حدَّثنا ولا أخبرنا. والظَّاهر أنَّه أخذ هذا الحديث عن هشام هذا مذاكرة، والحديث صحيحٌ وإن كان صورته صورة التَّعليق، وقد تقرَّر عند الحفاظ أنَّ الذي يأتي به البُخاري من التَّعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علَّقه عنه، ولو لم يكن من شيوخه، فإن قيل قال ابنُ حزم هذا الحديث منقطعٌ فيما بين البُخاري وصدقة بن خالد، والمنقطعُ لا يقوم حجَّة.
فالجوابُ أنَّه وهم ابن حزم في هذا، فالبُخاري إنَّما قال قال هشام بن عمَّار حدَّثنا صدقة، ولم يقل قال صدقة بن خالد، وسيأتي ما يتعلَّق بذلك إن شاء الله تعالى، وقال صاحب «التوضيح» تبعًا لغيره وهو ابنُ حزم وليته أعلَّه بصدقة، فإنَّ يحيى قال فيه ليس بشيءٍ، رواه ابنُ الجنيد عنه، وروى المروزيُّ عن أحمد ليس بمستقيم ولم يرضه، وهذا الذي قاله صاحب «التوضيح» خطأٌ وذهول، وإنَّما قال يحيى وأحمد ذلك في صدقة بن عبد الله السَّمين، وهو أقدم من صدقة بن خالد، وقد شاركه في كونه دمشقيًّا، وفي الرِّواية عن بعض شيوخه كزيد بن واقد.
وأمَّا صدقة بن خالد فقد قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ثقةٌ ثقةٌ ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم صالح الحديث، وأمَّا يحيى بن معين فالمنقول عنه، أنَّه قال كان صدقة بن خالد أحبَّ إليَّ من الوليد بن مسلم، قال وهو أحب إليَّ من يحيى بن حمزة، ونقل معاوية بن صالح عن ابن معين أنَّ صدقة بن خالد ثقة، ثمَّ إنَّ صدقة لم ينفرد به عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، بل تابعه بشر بن بكر.
هذا، وقال البُخاري وأبو حاتم هو صدقة بن خالد القرشي الأموي أبو العبَّاس الدِّمشقي مولى أمِّ المؤمنين أخت
ج 24 ص 114
معاوية بن أبي سفيان. وقيل مولى أمِّ البنين أخت عُمر بن عبد العزيز، قاله هشام بن عمَّار الرَّاوي عنه، وليس له في البُخاري إلَّا هذا الحديث، وآخر تقدَّم في «مناقب أبي بكر رضي الله عنه» [خ¦3661] .
ثمَّ إنَّه قد وقع في جميع النُّسخ من «الصحيح» من جميع الرِّوايات مع تنوعها عن الفربري، وكذا من رواية النَّسفي، وحماد بن شاكر هكذا . وذهل الزَّركشي في «توضيحه» فقال معظم الرُّواة يذكرون هذا الحديث في البُخاري معلَّقًا، وقد أسنده أبو ذرٍّ عن شيوخه فقال ، فعلى هذا يكون الحديث صحيحًا على شرط البُخاري، وبذلك يرد على ابن حزم دعواه الانقطاع. انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وهذا خطأ نشأ عن عدم تأمُّل، وذلك أنَّ القائل حدَّثنا الحسين بن إدريس، هو الفضل بن العبَّاس شيخ أبي ذرٍّ لا البُخاري، ثمَّ هو الحُسَيْن _ بضم أوَّله وزيادة التحتانية الساكنة _، وهو الهروي، لقبه خُرَّم
ج 24 ص 115
_ بضم المعجمة وتشديد الراء _، وهو من المُكثرين، وإنَّما الذي وقع من رواية أبي ذرٍّ من الفائدة أنَّه استخرج هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البُخاري إلى هشام على عادة الحفاظ إذا وقع لهم الحديث عاليًا عن الطَّريق التي في الكتاب المروي لهم يوردونها عالية عقب الرِّواية النَّازلة، وكذلك إذا وقع في بعضِ أسانيد الكتاب المروي خلل ما من انقطاع أو غيره، وكان عندهم من وجه آخر سالمًا أوردوه، فجرى أبو ذرٍّ على هذه الطَّريقة فروى الحديث عن شيوخه الثَّلاثة عن الفربري عن البُخاري قال (( وقال هشام بن عمَّار ) )، ولمَّا فرغ من سياقه قال قال أبو ذرٍّ حدَّثنا أبو منصور الفضل بن العبَّاس النَّضروي حدَّثنا الحسين بن إدريس حدَّثنا هشام بن عمار، به. [1]
وأمَّا دعوى ابن حزم التي أشار إليها فقد سبقه إليها ابن الصَّلاح، فقد قال ابن الصَّلاح في «علوم الحديث» التَّعليق في أحاديث من «صحيح البخاري» قُطِعَ إسنادُها [وصورته] صورة الانقطاع، وليس حكمُه حكمه، ولا خارجًا ما وجد ذلك فيه من قبيل الصَّحيح إلى قبيل الضَّعيف.
ولا التفاتَ إلى أبي محمد بن حزم الظَّاهري الحافظُ في ردِّ ما أخرجه البُخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم (( ليكوننَّ في أمَّتي أقوامٌ يستحلِّون الحرير والخمرَ والمعازف ... ) )الحديث. من جهة أنَّ البُخاري أورده قائلًا قال هشام بن عمَّار، وساقه بإسناده، فزعم ابنُ حزم أنَّه منقطع فيما بين البُخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيحٌ معروف الاتِّصال بشرط الصَّحيح، والبُخاري قد يفعل مثل ذلك؛ [لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك] [2] لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متَّصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع. انتهى.
ولفظ ابن حزم في «النحل» لم يتَّصل ما بين البُخاري وصدقة بن خالد، وحكى ابن الصَّلاح في موضع آخر أنَّ الذي يقول البُخاري فيه قال فلان ويسمِّي شيخًا
ج 24 ص 116
من شيوخه يكون من قبيل الإسناد المعنعن، وحكي عن بعض الحفاظ أنَّه يفعل ذلك فيما يتحمَّله عن شيخه مذاكرة، وعن بعضهم أنَّه فيما يرويه مناولة.
وقد تعقَّب الحافظُ أبو الفضل كلام ابن الصَّلاح بأنَّه وجد في «الصحيح» عدَّة أحاديث يرويها البُخاري عن بعض شيوخه قائلًا قال فلان، ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشَّيخ. قال الحافظُ العسقلاني الذي يورده البُخاري من ذلك على أنحاء
منها ما يصرِّح فيه بالسَّماع عن ذلك الشَّيخ بعينه، إمَّا في نفس «الصَّحيح» ، وإمَّا خارجه، والسَّبب في الأوَّل إمَّا أن يكون أعاده في عدَّة أبواب، وضاق عليه مخرجه، فتصرَّف فيه حتَّى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين. وفي الثَّاني أن لا يكون على شرطه إمَّا لقصور في بعض رواته، وإمَّا لكونه موقوفًا.
ومنها ما يُورده بواسطة عن ذلك الشَّيخ، والسَّبب فيه كالأوَّل، لكنَّه في غالب هذا لا يكون مكثرًا عن ذلك الشَّيخ.
ومنها ما لا يُورده في مكانٍ آخر من «الصحيح» مثل حديث الباب. قال الحافظُ العسقلانيُّ فهذا كان ممَّا أشكل أمره عليَّ، والذي يظهر لي الآن أنَّه لقصور في سياقه، وهو هنا تردُّد هشامٍ في اسم الصَّحابي. وسيأتي من كلامه ما يشير إلى ذلك حيثُ يقول إنَّ المحفوظ أنَّه عن عبد الرَّحمن بن غُنْم عن أبي مالك، وساقه في «التاريخ» من رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن غُنْم كذلك. وقد أشار المهلَّب إلى شيءٍ من ذلك.
وأمَّا كونه سمعه من هشام بلا واسطةٍ أو بواسطة فلا أثرَ له؛ لأنَّه لا يجزم إلَّا بما يصلح للقبول، ولاسيِّما حيثُ يسوقه مساقَ الاحتجاج.
وأمَّا قول ابن الصَّلاح أنَّ الذي يورد بصيغة قال حكمه حكم الإسناد المعنعن، والعنعنة من غير المدلس محمولةٌ على الاتِّصال، وليس البُخاري مدلسًا فيكون متَّصلًا، فهو بحث وافقه عليه ابن مندهْ فقال أخرج البُخاري، قال وهو تدليسٌ.
وتعقَّبه الحافظُ أبو الفضل بأنَّ أحدًا لم يصف البُخاري بالتَّدليس، قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهر لي
ج 24 ص 117
أنَّ مراد ابنُ منده أنَّ صورته صورة التَّدليس؛ لأنَّه يورده بالصِّيغة المحتملة، ويوجد بينه وبينه واسطة، وهذا هو التَّدليس بعينه، لكن الشَّأن في تسليم أنَّ هذه الصِّيغة من غير المدلِّس لها حكم العَنْعنة، فقد قال الخطيب _ وهو المرجوع إليه في الفنِّ أنَّ «قال» _ لا تُحمل على السماع، إلَّا من عُرِف من عادته أنَّه يأتي بها في موضع السَّماع مثل حجَّاج بن محمد الأعور. فعلى هذا ففارقت العَنْعنة فلا يعطى حكمها، ولا يترتَّب عليه أثرها من التَّدليس، ولاسيِّما ممَّن عُرِف من عادته أنَّه يُوردها لغرض غير التَّدليس.
وقد تقرَّر عند الحفاظ أنَّ الذي يأتي به البُخاري من التَّعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علَّقه عنه، ولو لم يكن من شيوخه، لكن إذا وجد الحديث المعلَّق من رواية بعض الحفاظ موصولًا إلى من علَّقه بشرط الصِّحَّة أزال الإشكال.
وقد ذكر الشَّيخ أبو الفضل زين الدِّين العراقي في «شرح الترمذي» ، وفي كلامه على عموم الحديث أنَّ حديث هشام بن عمَّار جاء عنه موصولًا في «مستخرج الإسماعيلي» قال حدَّثنا الحسن بن سفيان حدَّثنا هشام بن عمَّار. وأخرجه الطَّبراني في «مسند الشاميين» فقال حدَّثنا محمد بن يزيد بن عبد الصَّمد حدَّثنا هشام بن عمَّار.
قال وأخرجه أبو داود في «سننه» فقال حدَّثنا عبد الوهَّاب بن نجدة حدَّثنا كثير بن بكر حدَّثنا عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر بسنده. انتهى.
وممَّا ينبغي أن ينبِّه عليه موضعان
أحدهما أنَّ الطَّبراني أخرج الحديث في «معجمه الكبير» عن موسى بن سهل الجويني، وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام، و «المعجم الكبير» أشهر من «مسند الشاميين» ، فعزوه إليه أولى. وأيضًا فقد أخرجه أبو نُعيم عن البُخاري من رواية عبد الله بن محمد المروزي، ومن رواية أبي بكر البَاغندي كلاهما عن هشام، وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» عن الحسين بن عبد الله القطان، عن هشام.
ثانيهما أنَّ قوله إنَّ أبا داود أخرجه يُوهم أنَّه عند أبي داود باللَّفظ الذي وقع فيه النِّزاع، وهو المعازف، وليس كذلك،
ج 24 ص 118
بل ولم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البُخاري لأجله، فإنَّ لفظه عند أبي داود بالسَّند المذكور إلى عبد الرَّحمن بن يزيد حدَّثنا عطيَّة بن قيس سمعت عبد الرَّحمن بن غنم الأشعري يقول حدَّثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذنبي أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( ليكونن من أُمَّتي أقوام يستحلون الحر والحرير ) )ذكر كلامًا قال (( يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ). نعم، ساق الإسماعيلي الحديث من هذا الوجه من رواية دُحَيم عن بشر بن بكر بهذا الإسناد، فقال (( يستحلُّون الحِرَ والحرير، والخمر والمعازف ) ).
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) الأزديُّ، وقد مرَّ في «الصَّوم» [خ¦1945] ، قال (حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلاَبِيُّ) بكسر الكاف والموحدة، هو شامي تابعي، قواه أبو حاتم وغيره، ومات سنة عشر ومائة، وقيل بعد ذلك، وليس له في البُخاري ولا لشيخه إلَّا هذا الحديث، والإسناد كله شاميُّون. قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون، ابن كُرَيب بن هانئ (الأَشْعَرِيُّ) مختلف في صحبته. وقال ابنُ سعد كان أبوه ممَّن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة أبي موسى الأشعريِّ، وذكر ابن يونس بن عبد الرَّحمن كان مع أبيه، وأمَّا أبو زرعة الدِّمشقي وغيره من الحفاظ الشَّاميين، فقالوا أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وقدَّمه دُحيم على الصَّنابحي، وقال ابن سعد أيضًا بعثه عُمر رضي الله عنه يفقه أهل الشَّام، ووثَّقه العجلي وآخرون.
وقال أبو عُمر عبد الرَّحمن بن غَنْم الأشعري جاهلي كان مسلمًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يره، ولم يَقْدم عليه، ولازم معاذ بن جبل رضي الله عنه منذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن إلى أن مات في خلافة عُمر رضي الله عنه، وسمع من عمر بن الخطَّاب، وكان أفقه أهل الشَّام، وهو الذي فَقَّه عامَّة التَّابعين بالشَّام، ومات بالشَّام سنة ثمان وسبعين.
ووقع عند الإسماعيلي من الزِّيادة عن عطيَّة بن قيس قال قام ربيعة الجرشي في النَّاس، فذكر حديثًا فيه طول، فإذا عبد الرَّحمن بن غَنْم
ج 24 ص 119
فقال يمينًا حلفت عليها حدَّثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري، والله يمينًا أخرى حدَّثني أنَّه سمع. وفي رواية مالك بن أبي مريم كنَّا عند عبد الرَّحمن بن غَنْم ومعنا ربيعة الجرشي، فذكروا الشَّراب، فذكر الحديث.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ) هكذا رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عمَّار بالشَّك، وكذا وقع عند الإسماعيلي من رواية بشر بن بكر، لكن وقع في رواية أبي داود من رواية بشر بن بكر (( حدَّثني أبو مالك ) )بغير شكٍّ. ووقع عند ابن حبَّان عن الحسين بن عبد الله عن هشام بهذا السَّند إلى عبد الرَّحمن بن غَنْم أنَّه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين يقولان، فذكر الحديث، كذا قال، والمحفوظ رواية الجماعة.
وقد أخرجه البُخاري في «التاريخ» من طريق إبراهيم بن عبد الحميد عمَّن أخبره عن أبي مالك أو أبي عامر على الشَّك أيضًا. وقال إنَّما يعرف هذا عن أبي مالك الأشعري. انتهى.
وقد أخرجه أحمدُ وابن أبي شيبة والبُخاري في «التاريخ» من طريق مالك بن أبي مريم عن عبد الرَّحمن بن غَنْم عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليشربنَّ أناسٌ من أُمَّتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها، تغدوا عليهم القيان، وتروحُ عليهم المعازف ... ) )الحديث.
فظهر من هذا أنَّ الشَّك فيه من عطيَّة بن قيس؛ لأنَّ مالك بن أبي مريم، وهو رفيقه فيه عن شيخهما لم يشك في أبي مالك، وهو الرَّاجح، وهو صحابي مشهورٌ، قيل اسمه كعب، وقيل عَمرو، وقيل عبد الله، وقيل عبيد، يعدُّ في الشَّاميين.
وأمَّا أبو عامر الأشعري فقال المزني اختلف في اسمه فقيل عبد الله بن هانئ، وقيل عبد الله بن وهب، وقيل عبيد بن وهب سكن الشَّام، وليس بعمِّ أبي موسى الأشعري، ذاك قتل أيَّام حُنين في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبيد بن حضَّار، وهذا بقي إلى زمن عبد الملك بن مروان.
فإن قيل قال المهلَّب هذا حديث ضعيف؛ لأنَّ البُخاري لم يسنده من أجل شكِّ المحدِّث في الصَّاحب، فقال أبو عامر أو أبو مالك.
ج 24 ص 120
فالجوابُ أنَّ التَّردُّد في اسم الصَّحابي لا يضر؛ لأنَّ كلُّهم عدول.
(وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي) بتخفيف الذال المعجمة، وهذا تأكيد ومبالغة في كمال صدق الصَّحابي؛ لأنَّ عدالة الصَّحابة معلومة. وقيل [3] هذا يؤيِّد رواية الجماعة أنَّه عن واحد لا عن اثنين. وتعقِّب بأنَّه كلام ساقط فمن قال إنَّ هذا الحديث عن اثنين حتَّى يؤيِّد بهذا اللَّفظ أنَّه عن واحد. وفيه أنَّ ابن حبَّان _ كما سبق _ روى عن الحسين بن عبد الله عن هشام بهذا السَّند إلى عبد الرَّحمن بن غنم أنَّه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريِّين يقولان، فذكر الحديث، كذا قال، والمحفوظ رواية الجماعة بالشَّك.
(سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي) قال ابن التِّين عن الدَّاودي قال كأنَّه يريد بالأمَّة من تُسمَّى بهم، ويستحل ما لا يحلُّ لهم، فهو كافرٌ إن أظهر ذلك، ومنافق إن أسره، أو من يرتكب المحارم مجاهرة تهاونًا واستخفافًا، فهو يقاربُ الكفر، وإن تسمَّى بالإسلام؛ لأنَّ الله لا يخسف بمن يعودُ عليه رحمته من المعاد، والذي يتَّضح في النَّظر أنَّ هذا لا يكون إلَّا ممَّن يعتقد الكفر، ويتسمَّى بالإسلام. وقيل كونهم من الأمَّة يبعدُ معه أن يستحلُّوها بغير تأويلٍ، ولا تحريف، فإنَّ ذلك مجاهرة بالخروج عن الأمَّة، إذ تحريم الخمر معلوم ضرورة.
(أَقْوَامٌ، يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء؛ أي الفرج، وأصله الحرح، فحذفت إحدى الحاءين منه، كذا ضبطه ابن ناصر، وجمعه أحراح، وكذا هو في معظم الرِّوايات من «صحيح البخاري» ، ولم يذكر القاضي عياض ومن معه غيره. وأغرب ابن التِّين فقال إنَّه عند البُخاري بالمعجمتين، وكذا ما قال ابن الأثير المشهور من أنَّه في رواية هذا الحديث بالإعجام، وهو ضرب من الإبريسم، كذا قال، وقد عُرِف أنَّ المشهور في رواية البُخاري بالمهملتين. وقال ابنُ العربي هو تصحيفٌ، وإنَّما رويناه بالمهملتين وهو الفرج، والمعنى يستحلُّون الزِّنى.
وقال أبو الفتح القشيري إنَّ في كتاب أبي داود والبيهقي ما يقتضي أنَّه الخز _ بالزاي والخاء المعجمة _. وقال ابن بطَّال وهو الفرج، وليس كما أوَّله من صحَّفه فقال الخزُّ من أجل مقاربته الحرير، فاستعمل التَّصحيف بالمقاربة، وحكى القاضي عياض فيه تشديد الراء. وقال ابن قُرْقول مخفف الرَّاء
ج 24 ص 121
فرَج المرأة، وهو الأصوب. وقال الدَّاودي أحسب أنَّ قوله ليس بمحفوظ؛ لأنَّ كثيرًا من الصَّحابة لبسوه.
وقال المنذري أورد أبو داود هذا الخبر في باب ما جاء في الخز، فدلَّ أنَّه عنده كذلك. وكذا وقع في البُخاري، وهو ثيابٌ معروفةٌ لبسها غير واحد من الصَّحابة والتَّابعين، فيكون النَّهي عنه لأجل التَّشبُّه. وقال ابنُ العربي الخز _ بالمعجمتين والتَّشديد _ مختلفٌ فيه، والأقوى حلُّه، وليس فيه وعيد ولا عقوبة بإجماع.
قال العينيُّ والصَّواب ما قاله ابن بطَّال، وقد جاء في حديث يرويه أبو ثعلبة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( يستحلُّ الحِرَ والحرير ) )يراد به استحلال الحرام من الفرج. ثمَّ إنَّ هذا اللَّفظ لم يقع عند الإسماعيلي، ولا أبي نُعيم، بل في روايتهما (( يستحلُّون الحرير والخمر والمعازف ) ).
وقوله (( يستحلُّون ) )قال ابن العربي يحتمل أن يكون المعنى يعتقدون ذلك حلالًا، ويحتمل أن يكون مجازًا عن الاسترسال؛ أي يسترسلون في شربها، كما يسترسل في الحلال.
قال الحافظُ العسقلانيُّ وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك.
(وَالْحَرِيرَ) قال ابن بطَّال والنَّهي في كتاب الله تعالى في قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور 63] فافهم. (وَالْخَمْرَ) أي يستحلُّون شربها (وَالْمَعَازِفَ) بفتح الميم والعين المهملة وبعد الألف زاي مكسورة ففاء، جمع معزَفة _ بفتح الزاي _، وهي آلات الملاهي.
ونقل القرطبيُّ عن الجوهريُّ أنَّ المعازف الغناء، والذي في «صحاحه» أنَّها آلات اللَّهو، وقيل أصوات الملاهي. وفي «القاموس» والمعازف الملاهي كالعود والطنبور، الواحد معزف أو معزفة كمنبر أو مكنسة، والمعازف الملاعب بها.
وفي «حواشي الدمياطي» المعازف الدُّفوف وغيرها ممَّا يضرب به، ويُطلق على الغناء عزف، وعلى كل لعب عزف، ووقع في رواية مالك بن أبي مريم (( تغدو عليهم القيانُ، وتروحُ عليهم المعازف ) ).
(وَلَيَنْزِلَنَّ) بفتح اللام والتحتية وكسر الزاي، (أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ) بفتحتين الجبل، والجمع أعلام، وهو الجبل العالي، وقيل رأس الجبل.
(يَرُوحُ) أي الرَّاعي
ج 24 ص 122
(عَلَيْهِمْ) ففاعل «يروح» محذوف، وهو الرَّاعي بقرينة قوله (بِسَارِحَةٍ لَهُمْ) لأنَّ السَّارحة _ بمهملتين _ هي الغنمُ التي تسرح بالغداة إلى رعيها، وتروح؛ أي ترجع بالعشي إلى مألفها، فلا بدَّ لها من راع يحفظها. ووقع في رواية الإسماعيلي (( سارحة ) )بدون الباء الموحدة، فعلى هذه الرِّواية «سارحة» مرفوع على أنَّه فاعل «يروح» ، ولا حذف؛ أي تروح سارحة كائنة لهم.
(يَأْتِيهِمْ لِحَاجَةٍ) قال الحافظُ العسقلاني كذا فيه بحذف الفاعل أيضًا، قال الكرمانيُّ التَّقدير الآتي أو الرَّاعي أو المحتاج أو الرَّجل، وفي رواية غير أبي ذرٍّ . فعلى هذه الرِّواية يتعيَّن المقدَّر، ويدلُّ عليه قوله «لحاجة» ، وكذا في «الفرع» ، لكن على قوله ، علامة السُّقوط. ووقع عند الإسماعيلي يأتيهم طالب حاجة، فتعين بعضُ المقدرات، كذا قال الحافظُ العسقلاني.
(فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ) أي يهلكهم ليلًا من التَّبييت، والبيات هجوم العدو ليلًا (وَيَضَعُ الْعَلَمَ) أي يوقع الجبل بأن يُدكدكه عليهم، ويروى بزيادة . وقال ابن بطَّال إن كان العلم جبلًا فيُدكدكه، وإن كان بناء فيهدمه، ونحو ذلك. وأغرب ابن العربي فشرحه على أنَّه _ بكسر العين وسكون اللام _، فقال ويضع العلم بذهاب أهله، كما سيأتي في حديثُ عبد الله بن عمرو [خ¦7307] ، وإمَّا بإهانة أهله بتسليط الفجرة عليهم.
(وَيَمْسَخُ آخَرِينَ) أي يحول صور آخرين ممن لم يهلكهم في البيات المذكور، أو من قوم آخرين غير هؤلاء الذين بيتوا. ويؤيد الأول أن في رواية الإسماعيلي (( ويمسخ منهم آخرين ) ) (قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) أي إلى مثل صورها. قال ابن العربيُّ يحتمل الحقيقة كما وقع في الأمم الماضية، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدُّل أخلاقهم، قال الحافظُ العسقلانيُّ والأوَّل أليقُ بالسِّياق.
وقال ابن بطَّال والمسخ في حكم الجواز في هذه الأمَّة إن لم يأتِ خبر برفع جوازه.
وقد وردت أحاديث ليِّنة الأسانيد بأن يكون في هذه الأمَّة خسف ومسخ، وقد جاء في الحديث (( أنَّ القرآن يرفع من الصَّدر، وأنَّ الخشوع والأمانة ينزعان منهم ) )، ولا مسخ أكثر [4] من هذا، وقد يكون الحديث على ظاهره فيمسخُ الله من أراد تعجيل عقوبته، كما أهلك قومًا بالخسف.
قال العينيُّ وقد رأينا ذلك عيانًا،
ج 24 ص 123
فكذلك المسخ يكون. وزعم الخطَّابي أنَّ الخسفَ والمسخ يكونان في هذه الأمَّة كسائر الأمم خلافًا لمن زعم أنَّ ذلك لا يكون، وإنَّما مسخها بقلوبها.
وفي «كتاب سعيد بن منصور» حدَّثنا أبو داود سُليمان بن سالم حدَّثنا حسان بن سنان، عن رجل، عن أبي هُريرة رضي الله عنه (( يُمسَخ قوم من أُمَّتي آخر الزَّمان قردة وخنازير ) )قالوا يا رسول الله ويشهدون أنَّك رسول الله وأنَّ لا إله إلَّا الله؟ قال (( نعم، ويصلُّون ويصومون ويحجُّون ) )قالوا فما بالهم يا رسول الله؟ قال (( اتَّخذوا المعازف والقينات والدُّفوف ويشربون هذه الأشربة، فباتوا على لهوهم وشرابهم، فأصبحوا قردةً وخنازير ) ). ولما رواه التِّرمذي قال هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
وفي «النوادر» للتِّرمذي حدَّثنا عمر بن أبي عمر نا هشام بن خالد الدِّمشقي، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن أبيه، عن ابن سابط، عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يكون في أمَّتي فزعة، فيصير النَّاس إلى علمائهم، فإذا هم قردة وخنازير ) ).
وفي الحديث وعيدٌ شديدٌ على من يتحيَّل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأنَّ الحكم يدورُ مع العلَّة، والعلَّة في تحريم الخمر الإسكار فمهما وجدَ الإسكار وجد التَّحريم، ولو لم يستمر الاسم.
قال ابن العربيُّ وهو أصل في أنَّ الأحكام إنَّما تتعلَّق بالمعاني لا بألقاب الأسماء، ردًا على من حمله على اللَّفظ.
ومطابقة الحديث للجزء الأوَّل من التَّرجمة ظاهرةٌ، وليس فيه ما يطابق الجزء الثَّاني.
فقال ابن المُنيِّر فكأنَّه قنع في الاستدلال له بقوله في الحديث (( من أمتي ) )لأنَّ من كان من الأمَّة المحمديَّة يبعد أن يستحلَّ الخمر بغير تأويل، إذ لو كان عنادًا أو مكابرة؛ لكان خارجًا عن الأمة؛ لأنَّ تحريم الخمر قد علم بالضَّرورة. قال وقد ورد في غير هذا الطَّريق التَّصريح بمقتضى التَّرجمة، لكن لم يوافق بشرطه، فاقتنعَ بما في الرِّواية التي ساقها من الإشارة.
وقال الحافظُ العسقلانيُّ الرِّواية التي أشار إليها أخرجها أبو داود
ج 24 ص 124
من طريق مالك بن أبي مريم، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ليشربَنَّ ناسٌ الخمرَ يُسمُّونها بغير اسمها ) )، وصحَّحه ابن حبَّان. وروى ابنُ أبي شيبة من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أيضًا أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( يشربُ ناس من أُمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها يضربُ على رؤوسهم بالمعازفِ والقيِّنات يخسفُ الله بهم الأرض، ويجعلُ منهم القردة والخنازير ) ). وأخرج ابن ماجه من طريق ابن مُحَيريز عن ثابت بن السَّمِط عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه رفعه (( يشربُ ناسٌ من أمَّتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها ) ). ورواه أحمد بلفظ (( ليستحلنَّ طائفةٌ من أمتي الخمرَ ) )وسنده جيِّدٌ، ولكن أخرجه النَّسائي من وجه آخر عن ابن مُحيريز فقال عن رجل من الصَّحابة. ولابن ماجه أيضًا من طريق خالد بن معدان عن أبي أُمامة رضي الله عنه (( لا تذهب الأيام اللَّيالي حتَّى يشربَ طائفةٌ من أمَّتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها ) ). وللدَّارمي بسند لينٍ من طريق القاسم عن عائشة رضي الله عنها سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ أوَّل ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناءُ الخمر ) )قيل وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال (( يسمُّونها بغير اسمها فيستحلُّونها ) ).
[1] جاء في الأصل مقطع زائد وقال في الهامش محل هذا قبيل قوله وقال هشام بن عمار. وهذا المقطع هو وأخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها، ولابن وهب من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمد بن عبد الله أن أبا سعيد الخولاني حج فدخل على عائشة رضي الله عنها فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فقال يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابًا لهم يقال له الطلاء. فقالت صدق الله وبلَّغ حِبِّي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن ناسًا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها. وأخرجه البيهقي قال أبو عبيد جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء مختلفة. فذكر منها السَّكَر بفتحتين وهو نقيع التمر إذا غلا واشتد بغير طبخ والجِعة بكسر الجيم وتخفيف العين نبيذ الشعير والسكركة خمر الحبشة من الذرة إلى أن قال وهذه الأشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم (( يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها ) )ويؤيد ذلك قول عمر رضي الله عنه الخمر ما خامر العقل.
[2] ما بين معقوفين زيادة من مقدمة ابن الصلاح
[3] في هامش الأصل عسقلاني.
[4] في هامش الأصل في رواية أكبر.