5611 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) أي ابن قعنب القعنبيُّ الحارثيُّ، أحدُ الأعلام (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ)
ج 24 ص 165
أي ابن أبي طلحة (أَنَّهُ سَمِعَ) عمَّه (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد الأنصاري (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا) نصب على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) للبيان (وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ) برفع الراء اسم «كان» ، و «أحبَّ» نصب خبرها، أو «أحبُّ» اسمها، و «بيرَحاء» خبرها، وحاء بالهمز والمد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالقصر. واختلف في فتح الموحدة وكسرها، وهل بعدها همزة ساكنة أو تحتية، وغير ذلك ممَّا سبق في «الزَّكاة» [خ¦1461] ، وفي «الفائق» أنَّها فيعلاء من البراح، وهي الأرضُ الظَّاهرة.
(وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً الْمَسْجِدِ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، كما في «الزَّكاة» [خ¦1461] (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجر صفة للمجرور (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَلَمَّا نَزَلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} ) أي لن تكونوا أبرارًا محسنين ( {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا) أي خيرها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة وسكون الخاء المعجمة؛ أي أقدمها فأدخرها لأجدها (عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخٍ) بفتح الموحدة وبالخاء المعجمة، كلمة تقال عند المدح والرِّضى بالشَّيء [1] وتكرَّر للمبالغة، فيقال بخ بخ، فإن وصلت خففت ونونت، وربما تشدد (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة؛ أي ذو ربح (أَوْ رَايِحٌ) بالتحتية بدل الموحدة من الرواح، نقيض الغدو؛ أي قريب الفائدة، يصلُ نفعه إلى صاحبه (شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن مسلمة القعنبي (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ) فإنَّ أفضل البر ما أولى الأقرباء (فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ) برفع اللام(ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ
ج 24 ص 166
فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ)من باب عطف الخاص على العام (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس ابن أخت مالك بن أنس (وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى) أبو زكريا التَّميمي الحنظلي (رَايِحٌ) بالياء من الرواح، وقد تقدَّمت رواية إسماعيل مصرحًا فيها بالتَّحديث في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦4554] ، ورواية يحيى كذلك في «الوكالة» [خ¦2318] .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشربُ من ماء فيها طيب ) )، وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان يَستعذبُ الماء، وقد ورد في خصوص هذا اللَّفظ، وهو استعذابُ الماء حديث عائشة رضي الله عنها (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُستعذَبُ له الماء من بيوت السُّقيا ) ). والسُّقيا بضم المهملة وبالقاف بعدها تحتانية.
قال قتيبة هي عين بينها وبين المدينة يومان، هكذا أخرجه أبو داود عنه بعد سياق الحديث بسند جيدٍ، وصحَّحه الحاكم في قصَّة أبي الهيثم بن التِّيهان أنَّ امرأته قالت للنَّبي صلى الله عليه وسلم لما جاءهم يسأل عن أبي الهيثم ذهب يستعذبُ لنا من الماء، وهو عند مسلم.
وذكر الواقديُّ من حديث سلمى امرأة أبي رافع كان أبو أيُّوب رضي الله عنه حين نزل عنده النَّبي صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بئر مالك بن النَّضر والد أنس رضي الله عنه، ثمَّ كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه صلى الله عليه وسلم من بيوت السُّقيا، وكان رباح الأسود عبده يستقي له من بئر عرس مرَّة، ومن بيوت السُّقيا مرَّة.
قال ابن بطَّال استعذاب الماء لا ينافي الزُّهد، ولا يدخل في التَّرفه المذموم بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه؛ فقد كرهه مالك؛ لما فيه من السرف، وأمَّا شرب الماء الحلو وطلبه فمباح، قد فعله الصَّالحون،
ج 24 ص 167
وليس في شرب الماء الملح فضيلة [2] .
قال وفيه دَلالة على أنَّ استطابة الأطعمة جائزة، وأنَّ ذلك من فعل أهل الخير، وقد ثبت أنَّ قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة 87] نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذيذ المطاعم.
قال ولو كان ممَّا لا يريد الله تناولها ما امتنَّ بها على عباده، بل نَهْيُه عن تحريمها يدلُّ على أنَّه أراد منهم تناولها؛ ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشُّكر لها، وإن كانت نعمة لا يكافئها شكرهم.
وقال ابن المُنيرِّ أمَّا أنَّ استعذاب الماء لا ينافي الزُّهد والورع فواضح، وأمَّا الاستدلال بذلك على لذيذ الأطعمة فبعيد. وقال ابن التِّين هذا الحديث أصلٌ في جواز شرب الماء من البستان لغيره.
وقال الحافظُ العسقلاني المأذون له في الدُّخول فيه لا شكَّ فيه، وأمَّا غيره فلمَّا اقتضاه العرف من المسامحة بذلك، وثبوت ذلك بالفعل المذكور فيه نظر.
وحديثُ الباب سبق في «الزكاة» [خ¦1461] ، و «الوصايا» [خ¦2752] ، و «الوكالة» [خ¦2318] ، و «التفسير» [خ¦4554] . ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.
[1] في هامش الأصل يقولها المتعجب من الشيء.
[2] في هامش الأصل وقد كان الصاحب بن عباد يقول قعقعة الثلج بماء عذب يستخرج الحمد من أقصى القلب، ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد. منه.