5620 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعدي (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ) بضم الهمزة (بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ) الأصح أنَّ الغلام كان عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، والأشياخ خالد بن الوليد وغيره، كما تقدَّم في أوائل «الشُّرب» [خ¦2351] (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ) الذين على يساره. فإن قيل إنَّه لم يقع في حديث أنس رضي الله عنه أنَّه استأذن الأعرابي الذي عن يمينه.
أجاب عنه النَّووي وغيره بأنَّ السَّبب فيه أنَّ الغلام كان ابن عمِّه، وله عليه إدلالٌ، وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضًا، وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان؛ لبيان الحكم، وأنَّ السنة تقديم الأيمن فالأيمن، ولو كان مفضولًا بالنِّسبة إلى من على اليسار.
وقد وقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه القصَّة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تلطف به حيثُ قال له (( الشُّربة لك، وإن شئتَ آثرت بها خالدًا ) )كذا في «السنن» ، وفي لفظ لأحمد (( وإن شئت آثرت بها عمك ) ).
وإنَّما أطلق عليه عمَّه لكونه أسنَّ منه، ولعلَّ سنه كان قريبًا من سن العبَّاس رضي الله عنه، فإن كان من جهة أخرى من أقرانه؛ لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهليَّة، وشرفه في قومه قد تأخَّر إسلامه، فلذلك استأذن له، بخلاف أبي بكر رضي الله عنه، فإنَّ رسوخ قدمه في الإسلام، وسبقه يقتضي طمأنينته لجميع ما يقعُ من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتأثَّر بشيءٍ من ذلك، ولهذا لم يستأذن الأعرابي له.
ولعلَّه خشيَ من استئذانهِ أن يتوهَّم إرادة صرفهِ إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه، فربَّما سبق إلى قلبه من أجل قربِ عهده بالإسلام شيء، فجرى صلى الله عليه وسلم على عادتهِ في تأليف مَن هذا سبيله، وليس ببعيدٍ أنَّه كان من كُبراء قومه، ولهذا جلسَ عن يمين النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأقرَّ على ذلك.
(فَقَالَ الْغُلاَمُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ج 24 ص 192
لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ) أي سهل (فَتَلَّهُ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام؛ أي وضعه. وقال الخطَّابي وضعَه بعنف، وأصله من الرَّمي على التَّل، وهو المكان العالي المرتفع، ثمَّ استعمل في كلِّ شيءٍ يرمى به، وفي كلِّ إلقاء. وقيل هو من التَّلْتل _ بلام ساكنة بين المثناتين وآخره لام _، وهو العنق، ومنه {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات 103] أي صرعه فألقى عنقه، وجعلَ جبينه إلى الأرض، والتَّفسير الأوَّل أليقُ بمعنى حديث الباب، وقد أنكر بعضُهم تقييد الخطَّابي الوضع بالعنف.
(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ) أي في يد ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وفي الحديث أنَّ سنة الشُّرب العامَّة تقديم الأيمن في كلِّ موطن [1] ، وأنَّ تقديم الذي على اليمين ليس ترجيحًا لمن هو على اليمين، بل هو ترجيحٌ لجهتهِ. قال قيل قد يُعارِضُ حديث سهل هذا، وحديث أنس الذي مضى عن قريب حديث سهلِ بن أبي خَيْثمة الآتي في «القسامة» (( كَبِّر كَبِّر ) ) [خ¦3173] . وتقدَّم في «الطَّهارة» حديث ابن عُمر رضي الله عنهما في الأمر بمناولة السِّواك الأكبر [خ¦246] ، وأخصُّ من هذا حديثُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما الذي أخرجه أبو يَعلى بسندٍ قويٍّ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال (( ابدؤوا بالكبر ) ).
فالجوابُ أنَّ هذا محمولٌ على الحالة التي يجلسون فيها متساوين، إمَّا بين يدي الكبير، أو عن يساره كلهم، أو خلفه، أو حيث لا يكون فيهم، فيخصُّ هذه الصُّورة من عموم تقديم الأيمن، أو يخص من عموم هذا الأمر بالبداءةِ بالكبير ما إذا جلس بعضٌ عن يمين الرَّئيس، وبعضٌ عن يساره، ففي هذه الصُّورة يقدم الصَّغير على الكبير، والمفضول على الفاضل.
ويظهر من هذا أنَّ الأيمن ما امتاز بمجرَّد الجلوس في الجهة اليمنى، بل لخصوصِ كونها يمين الرَّئيس، فالفضل بما فاض عليه من الأفضل. وقال ابن المُنيِّر تفضيل اليمين شرعي، وتفضيل السِّن طبعي، وإن كان ورد به الشَّرع، لكن الأوَّل أدخل في التَّعبد.
ويؤخذ من الحديث أنَّه إذا تعارضت فضيلة الفاعل، وفضيلة الوظيفة
ج 24 ص 193
اعتبرت فضيلة الوظيفة، كما لو وجدت جنازتان لرجل وامرأة، وولي المرأة أفضل من ولي الرَّجل، قُدِّم ولي الرَّجل ولو كان مفضولًا؛ لأنَّ الجنازة هي الوظيفة، فيعتبر أفضليتها لا أفضلية المصلَّى عليها.
قال ولعلَّ السِّرَّ فيه أنَّ الرُّجوليَّة والميمنة أمر يَقطعُ به كل أحد، بخلاف أفضلية المُصلِّي، فإنَّ الأصل فيه الظَّن ولو كان مقطوعًا به في نفس الأمر، لكنَّه ممَّا يخفى مثله عن بعضٍ كأبي بكر رضي الله عنه بالنِّسبة إلى الأعرابي.
وقوله (( أتأذن لي أن أعطيَ هؤلاء ) )ظاهره أنَّه لو أذنَ له لأعطاهُم، ويُؤخذُ من ذلك جواز الإيثار بمثل ذلك. قال الحافظُ العسقلانيُّ وهو مشكلٌ على ما اشتهر من أنَّه لا إيثار بالقُرَبِ، وإنَّما الإيثار المحمود ما كان من حظوظ النَّفس دون الطَّاعات.
وقد اقتصر القاضي في النَّقل عن العُلماء على كراهة الإيثار بالقُرب، بخلاف ما يتوهمه كثير من النَّاس أنَّه يحرم الإيثار بالقُرب، وعبارة إمام الحرمين في هذا لا يجوز التَّبرع في العبادات، ويجوز في غيرها، ويُقال إنَّ القُرب أعم من العبادة، وقد أُورِدَ على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصَّف الأوَّل؛ ليصلِّي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليًا خلف الصَّف وحده؛ لثبوت الزَّجر عن ذلك، ففي مساعدة المجذوب للجاذبِ إيثار بقُربة كانت له، وهي تحصيلُ فضيلة الصَّف الأوَّل؛ لتحصيل فضيلة تحصل للجاذب، وهي الخروجُ من الخلاف في بطلان صلاته.
ويمكن الجواب بأنَّه لا إيثار في ذلك، إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقَّه لغيره، وهذا لم يعطِ الجاذب شيئًا، وإنَّما رجَّح مصلحته على مصلحته؛ لأنَّ مساعدة الجاذب على تحصيل مقصوده ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( أتأذن لي ) ). ومرَّ الحديث في «المظالم» ، في باب «إذا أذن له أو حلَّله» [خ¦2451] .
[1] في هامش الأصل والحاصل أن في الحديث بيان استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وأن الأيمن في الشرب ونحوه مقدَّم، وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف. منه.