فهرس الكتاب

الصفحة 8369 من 11127

5629 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء مصغر زَرْع، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو الحذاءُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ) .

ومطابقة الحديث كسابقه، وقد أخرجه ابن ماجه في «الأشربة» .

قال النَّووي اتَّفقوا على أنَّ النَّهي للتَّنزيه لا للتَّحريم، كذا قال. قال الحافظُ العسقلاني وفي نقل الاتِّفاق نظر؛ لما سأذكره فقد نقل ابن التِّين وغيره عن مالك أنَّه أجاز الشُّرب من أفواه القرب، وقال لم يبلغني فيه نهي، وبالغ ابن بطَّال في ردِّ هذا القول.

واعتذرَ عنه ابن المُنيِّر، باحتمال أنَّه كان لا يَحْمِلُ النَّهي فيه على التَّحريم، كذا قال مع النَّقل عن مالك أنَّه لم يبلغه فيه النَّهي، فالاعتذارُ عنه بهذا أولى، والحجَّة قائمةٌ على من بَلَغَهُ النَّهي.

قال النَّووي ويؤيِّد كون النَّهي للتَّنزيه أحاديث الرُّخصة. وتعقَّبه الحافظُ العسقلاني فقال لم أرَ في شيءٍ من الأحاديث المرفوعة ما يدلُّ على الجواز إلَّا من فعله صلى الله عليه وسلم، وأحاديث النَّهي كلها من قوله، فهي أرجحُ

ج 24 ص 203

إذا نظرنا إلى علَّة النَّهي عن ذلك، فإن جميع ما ذكره العُلماء في ذلك يقتضي أنَّه مأمون منه صلى الله عليه وسلم، أمَّا أوَّلًا فلعصمته وطيب نكهتهِ، وأمَّا ثانيًا فلرفقه في صبِّ الماء، وبيان ذلك بسياق ما ورد في علَّة النَّهي

فمنها أنَّه لا يُؤمنُ دخولُ شيء من الهوام مع الماء في جوف السِّقاء، فيدخل في السِّقاء، وهو لا يشعر، وهذا يقتضي أنَّه لو ملأ السِّقاء وهو يشاهد الماء الذي يدخل فيه، ثمَّ ربطه ربطًا محكمًا، ثمَّ لما أراد أن يشربَ حلَّه فشرب منه لا يتناوله النَّهي.

ومنها ما أخرجه الحاكم من حديثُ عائشة رضي الله عنها بسند قويٍّ بلفظ نهى أن يشربَ من في السِّقاء لأنَّ ذلك يُنْتِنه. وهذا يقتضي أن يكون النَّهي خاصًا بمن يشرب، فيتنفَّسُ داخلَ الإناء، أو باشر بفمه باطنَ السِّقاء، أمَّا من صبَّ من الفم [1] داخل فمهِ من غيرِ مماسَّةٍ فلا.

ومنها أنَّ الذي يشربُ من فم السِّقاء قد يغلبُه الماء فينصبُّ منه أكثر من حاجتهِ، فلا يأمن من أن يشرقَ به، أو تبتلَّ ثيابه.

قال ابنُ العربي وواحدة من الثَّلاث تكفي في ثبوت الكراهة، وبمجموعها تقوى الكراهة جدًا.

وقال الشَّيخ أبو محمد ابن أبي جمرة ما ملخَّصه اختُلِف في علَّة النَّهي فقيل يخشى أن يكون في الوعاء حيوان، أو ينصب بقوَّة فيشرقَ به، أو يقطع العروق الضَّعيفة التي بإزاء القلب، فربَّما كان سبب الهلاك، أو بما يتعلَّق بفم السِّقاء من بخار النَّفَس، أو بما يخالطُ الماء من ريق الشَّارب فيتقذَّره غيره، أو لأنَّ الوعاء يفسدُ بذلك في العادة، فيكون من إضاعةِ المال.

قال والَّذي يقتضيه الفقه أنَّه لا بُعْدَ أن يكون النَّهي بمجموع هذه الأمور. وفيها ما يقتضي الكراهة، وفيها ما يقتضي التَّحريم، والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتَّحريم. وقد جزم ابن حزم بالتَّحريم؛ لثبوت النَّهي، وحمل أحاديث الرُّخصة على أصل الإباحة.

وأطلق أبو بكر بن الأثرم صاحب أحمد أنَّ أحاديث النَّهي ناسخة للإباحة؛ لأنَّهم كانوا أولًا

ج 24 ص 204

يفعلون ذلك حتَّى وقع دخول الحيَّة في بطن الذي شرب من فم السِّقاء، فنسخ الجواز.

ومن الأحاديث الواردة أيضًا في الجواز ما أخرجه التِّرمذي وصحَّحه من حديث عبد الرَّحمن بن أبي عمرة، عن جدَّته كبشة قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من فِيِّ قِرْبة معلقة.

وفي الباب عن عبد الله بن أُنيس، عند أبي داود، والتِّرمذي، وعن أمِّ سلمة في «الشمائل» ، وفي «مسند أحمد» ، والطَّبراني، و «المعاني» للطَّحاوي.

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي لو فُرِّق بين ما يكن لعذر كأن تكون القِربة معلَّقة، ولم يجد المحتاج إلى الشُّرب إناء متيسرًا، ولم يتمكَّن من التَّناول بكفه فلا كراهة حينئذٍ، وعلى ذلك تُحمل الأحاديث المذكورة، وبين ما يكون لغير عذر، فتُحمل عليه أحاديث النَّهي.

ويُؤيِّده أنَّ أحاديث الجواز كلَّها فيها أنَّ القِربة كانت معلَّقة، والشُّرب من القِربة المعلَّقة أخصُّ من الشُّرب من مطلق القِربة، ولا دَلالة في أخبار الجواز على الرُّخصة مطلقًا بل على تلك الصُّورة وحدها وحملها على حال الضَّرورة جمعًا بين الخبرين أولى من حملها على النُّسخ.

وقد سبق ابنُ العربي إلى نحو ما أشار إليه الشَّيخ المزبور، فقال يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة، إمَّا عند الحرب، وإمَّا عند عدم الإناء، أو مع وجوده، لكن لم يتمكَّن لشُغْله من التَّفريغ من السِّقاء في الإناء.

ثمَّ قال ويحتمل أن يكون شرب من إداوة، والنَّهي محمولٌ على ما إذا كان القِربة كبيرة؛ لأنَّها مظنَّة وجود الهوام. كذا قال، والقِرْبة الصَّغيرة لا يمتنع وجودُ شيءٍ من الهوام فيها، والضَّرر يحصلُ به، ولو كان حقيرًا، والله تعالى أعلم.

[1] أي فم القِربة، وفي الفتح (من القربة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت