فهرس الكتاب

الصفحة 8373 من 11127

5631 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلد النَّبيل (وَأَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين (قَالاَ حَدَّثَنَا عَزْرَةُ) بفتح العين المهملة وسكون الزاي بعدها راء (ابْنُ ثَابِتٍ) بالمثلثة في أوَّله، الأنصاري التَّابعي الصَّغير أصله من المدينة نزل البصرة، وقد سمع من جدِّه؛ لأمِّه عبد الله بن يزيد الخطمي، وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهما (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بضم المثلثة وتخفيف الميم، هو ابنُ عبد الله بن أنس (قَالَ كَانَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ) أي في الشُّرب من الإناء (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا) يحتمل أن تكون (( أو ) )للتَّنويع؛ أي ثلاث مرَّات، وأنَّه كان لا يقتصر على المرَّة، بل إن رُوِيَ من نفسَين اكتُفيَ بهما، وإلَّا فثلاث، ويحتمل أن تكون للشَّك فقد أخرج إسحاق بن راهويه الحديث المذكور عن عبد الرَّحمن بن مهدي عن عَزْرة بلفظ (( كان يتنفَّس ثلاثًا ) )ولم يقل «أو» .

وأخرج التِّرمذي بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تشربوا واحدًا كما يشربُ البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسَمُّوا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتُم [1] ) )، وقال هذا حديثٌ غريبٌ، فإن كان محفوظًا فهو يقوِّي ما تقدَّم من التَّنويع، كذا قال الحافظُ العسقلاني.

وتعقَّبه العينيُّ وقال شيخنا حسَّن التِّرمذي حديثُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفيه من لم يُسمَّ، وهو ابنُ لعطاء بن أبي رباح، وكان له ولدان روى كلٌّ منهما عن أبيه، وهما يعقوب وخلاد، ويعقوب روى له النَّسائي باسمه، وضعَّفه أحمدُ وابن معين وأبو زُرعة والنَّسائي، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» ، وأمَّا خلَّاد فليس له رواية في الكُتب السِّتَّة، قال البُخاري فيه منكر الحديث، وقال التِّرمذي ويزيد بن سنان هو أبو فَرْوة الرُّهَاوي. قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي ضعَّفه أحمدُ وابن معين

ج 24 ص 208

وابن المديني، وتركه النَّسائي. وقال البُخاري مُقَارب الحديث، وإنَّما قال التِّرمذي ويزيد بن سِنان هو أبو فَروة الرُّهاوي؛ لأنَّ لهم يزيد بن سنان المقرئ البصري، ثقةٌ، روى عنه النَّسائي متأخِّر الطَّبقة عن هذا.

(وَزَعَمَ) أي قال (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاَثًا) أي ثلاث مرَّات. وأخرج التِّرمذي أيضًا بسندٍ ضعيفٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفَّس مرَّتين، ثمَّ قال وهذا حديثٌ غريبٌ.

وهذا ليس بنصٍّ في الاقتصار على المرَّتين، بل يحتمل أن يرادَ به النَّفس في أثناء الشُّرب، فيكون قد شربَ ثلاث مرَّات، وسكتَ عن التَّنفُّس الأخير؛ لكونه من ضرورةِ الواقع، والأصل فيه أنَّ المستحبَّ الشُّربُ في ثلاثةِ أنفاس.

وفي حديث ابن عبَّاس المذكور عن قريبٍ وهو قوله (( اشربوا مثنى وثلاث ) )فيه الاقتصار على الشُّرب مرَّتين إذا حصل الاكتفاء بذلك، ولكن ينبغي أن يزيدَ ثالثة، وإن اكتفى بمرَّتين جاز. وأخرج مسلم وأصحاب «السنن» من طريق أبي عصام عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفَّس في الإناء ثلاثًا، ويقول (( هو أروى وأمرأ وأبرأُ ) )لفظ مسلم، وفي رواية أبي داود (( أهنأ ) )بدل (( أروى ) ).

وقوله «أروى» هو من الرِّي _ بكسر الراء _ غير مهموز؛ أي أكثر ريًّا، ويجوز أن يقرأ مهموزًا للمشاكلة، و «أمرأ» بالهمز من المريء، يقال مرَأ الطَّعام _ بفتح الراء _ يمرُؤ _ بضمها ويجوز كسرها _ صار مرِيئًا. و «أبرأ» بالهمز من البراءة، أو من البرء؛ أي يُبرئ من الأذى والعطش.

و «أهنأ» بالهمز من الهناء، والمعنى أنَّه يصيرُ هنيئًا مريئًا بريئًا؛ أي سالمًا أو مبرئًا من مرض أو عطش أو أذى. ويُؤخذ من ذلك أنَّه أقمع للعطش وأقوى على الهضم، وأقل أثرًا في برد المعدة، وضعفِ الأعصاب، واستعمال أفعل التَّفضيل في هذا يدلُّ على أنَّ للمرَّتين في ذلك مدخلًا

ج 24 ص 209

في الفضل المذكور.

ويُؤخذ منه أنَّ النَّهي عن الشُّرب في نفسٍ واحدٍ للتَّنزيه.

وقد اختلفوا فيه فرُوِيَ عن ابن المسيِّب وعطاء بن أبي رباح أنَّهما أجازاه بنفسٍ واحدٍ. ورُوِيَ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وطاوس وعكرمة كراهة الشُّرب بنفسٍ واحدٍ.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو شربُ الشَّيطان، وقد سبق أن النَّهي عن التَّنفُّس في الشَّراب كالنَّهي عن النَّفخ في الطَّعام والشَّراب، من أجل أنَّه قد يقعُ فيه شيء من الرِّيق، فيعافه الشَّارب ويستقذرُه، إذ كان التَّقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر النَّاس، ومحل هذا إذا أكل أو شرب مع غيره أمَّا لو أكل وحدَه، أو مع أهله، أو مع من يعلم أنَّه لا يقذر شيئًا ممَّا يتناوله فلا بأس.

قال الحافظُ العسقلانيُّ والأولى التَّعميم؛ لأنَّه لا يؤمن مع ذلك أن يفضل فضلة، أو يحصل التَّقذر من الإناء، أو نحو ذلك. وقال ابنُ العربي قال علماؤنا هو من مكارم الأخلاق، ولكن يحرم على الرَّجل أن يناولَ أخاه ما يقذره، فإن فعله في خاصَّة نفسه، ثمَّ جاء غيره فناولَه إيَّاه فليعلمْه، فإن لم يعلمه فهو غشٌّ، والغشُّ حرامٌ.

وقال القرطبيُّ معنى النَّهي عن التَّنفُّس في الإناء؛ لئلَّا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهةٍ تتعلَّق بالماء، وعلى هذا إذا لم يتنفَّس يجوز الشُّرب بنفسٍ واحدٍ، وقيل يمنع مطلقًا؛ لأنَّه شُر الشَّيطان. قال وقول أنس رضي الله عنه «كان يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا» قد جعله بعضُهم معارضًا للنَّهي، وحمل على بيان الجواز، ومنهم من أومأ إلى أنَّه من خصائصهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان لا يتقذَّرُ منه شيء.

وقال الأثرم هذه الأحاديث في ظاهرها مختلفة، والوجه فيه عندنا أنَّه يجوز الشُّرب بنفسٍ واحدٍ وباثنين وبثلاثة وبأكثر منها؛ لأنَّ اختلاف الرِّواية يدلُّ على التَّسهيل فيه، وإن اختار الثَّلاث فحسنٌ.

ج 24 ص 210

وأخرج الطَّبراني في «الأوسط» بسندٍ حسنٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاسٍ إذا أدنى الإناء إلى فِيْه سمَّى الله، فإذا أخَّره حمدَ الله يفعلُ ذلك ثلاثًا، وأصله عند ابن ماجه.

وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما السَّابق (( وسمُّوا إذا أنتم شربتُم، واحمدوا إذا أنتم رفعتُم ) ). وهذا يحتمل أن يكون شاهدًا لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ويحتملُ أن يكون المراد به في الابتداءِ والانتهاء فقط، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه مسلم والتِّرمذي وابن ماجه في «الأشربة» ، والنَّسائي في «الوليمة» .

[1] في هامش الأصل قال الترمذي حدثنا أبو كريب ثنا وكيع عن يزيد بن سنان عن ابن لعطاء بن أبي رباح عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما. الحديث. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت