5639 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخي، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنِ الأَعْمَشِ) سُليمان بن مهران (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) الأشجعيُّ، مولاهم الكوفيُّ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنهما (هَذَا الْحَدِيثَ) أشار به إلى الَّذي بعده (قَالَ قَدْ رَأَيْتُنِي) بضم التاء؛ أي رأيت نفسي، وهذا يعدُّ من باب التَّجريد (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ) أي والحال أنَّه قد (حَضَرَتِ الْعَصْرُ) أي صلاة العصر، وكان ذلك في حُديبية (وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ) الفضلة ما فضل عن الشَّيء (فَجُعِلَ) أي ما فضل (فِي إِنَاءٍ، فَأُتِيَ) على البناء للمفعول (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ) الكريمة (فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ) هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسفي بإسقاط لفظ (( أهل ) )، وهذه أصوب. قال العيني ووجه الأوَّل أنَّ «حي» معناه أسرعوا، و «أهل الوضوء» منصوب على النِّداء، وحذف منه حرف النِّداء، وفيه أنَّه على هذا يكون قوله «على» ، غير مفيد.
وقال الحافظُ العسقلاني كأنَّه قال حي على الوضوء
ج 24 ص 230
المبارك يا أهل الوضوء، كذا قال عياض، وتُعقِّب بأنَّ المجرور بعلى غير مذكور، فيلزم حذف المجرور، وإبقاء حرف الجرِّ في اللَّفظ، وهو باطل. وقيل الصَّواب حي هلًا على الوضوء المبارك، فتحرَّف لفظ «هلًا» ، فصار «أهل» ، وحُوِّل عن مكانه، و «حي» اسم فعل للأمر بالإسراع، ويفتح لسكون ما قبلها، مثل ليت وهلًا _ بتخفيف اللام وتنوينها _ كلمة استعجال.
وقال الكرمانيُّ وفي بعضها بتشديد الياء، و منصوب على النِّداء حذف منه حرف النداء، وفي «المصابيح» أنَّ «حي» بمعنى أقبل، فإن كان المخاطب المأمور بالإقبال هو الذي يريد به الطَّهور كان سقوط (( أهل ) )صوابًا؛ أي أقبل أيُّها المريد للتَّطهر على الماء الطَّهور، وإن جعل المخاطب هو الذي أراد النَّبي صلى الله عليه وسلم انبعاثه وتفجره من بين أصابعه، نزَّله منزلة المخاطب تجوزًا، فإثبات «أهل» صواب؛ أي أقبل أيُّها الماء الطَّهور على أهل الوضوء.
والوَضوء _ بفتح الواو _ اسم لما يُتوضأ به، كذا قال العيني، فليتأمَّل.
(الْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ) أي هذا الَّذي ترونه من زيادة الماء إنَّما هو من فضل الله وبركته ليس منِّي، وهو المُوجِد للأشياء لا غيره. قال جابر رضي الله عنه (فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ) من التَّفجر، وهو التَّفتح بالسِّعة والكثرة (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) يحتمل أنَّ التَّفجُّر من نفس الأصابع ينبع منها، وأن يخرج من بين الأصابع لا من نفسها، وعلى كلِّ تقديرٍ فهي معجزة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأوَّل أقوى وأقعدُ في المعجزة؛ لأنَّه من اللَّحم (فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا) من ذلك الماء (فَجَعَلْتُ لاَ آلُو) بالمد وتخفيف اللام المضمومة؛ أي لا أقصر في الاستكثار من شربه، ولا أفتر فيما أقدر (مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ) أي من ذلك الماء لأجل البركة (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ) وفيه من الفقه أنَّ الإسراف في الطَّعام والشَّراب مكروه، إلَّا الأشياء التي أرى الله فيها بركة غير معهودة،
ج 24 ص 231
وأنَّه لا بأس بالاستكثار منها، وليس في ذلك سرفٌ ولا كراهية، فإنَّ الظَّاهر اطلاع النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولو كان ممنوعًا لنهاه.
(قَلْتُ) القائل هو سالم بن أبي الجعد (كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) أي كنَّا ألفًا وأربعمائة، وفي رواية الأكثرين بالرفع؛ أي ونحن يومئذٍ ألف وأربعمائة، وقد تقدَّم بيان الاختلاف في عددهم يوم الحديبية في باب «غزوة الحديبية» من «المغازي» [خ¦4147 قبل] [خ¦4152] (تَابَعَهُ) أي تابع سالمًا (عَمْرُو بْنُ دِيْنَارٍ، عَنْ جَابِرٍ) وصله المؤلِّف في «تفسير سورة الفتح» مختصرًا بلفظ [خ¦4840] كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، وهذا القدر هو مقصوده بالمتابعة، لا جميع سياق الحديث، وثبت في رواية أبي الوقت.
(وَقَالَ حُصَيْنٌ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بفتح العين، ومُرَّة _ بضم الميم وتشديد الراء المفتوحة _ الجهني كلاهما (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ أبي الجعد (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه (خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً) أمَّا رواية حصين فوصلها المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4152] ، وأمَّا رواية عَمرو بن مرَّة فوصلها مسلم وأحمد بلفظ ألف وخمسمائة.
(وَتَابَعَهُ) أيضًا (سَعِيدُ بْنُ المسيِّب، عَنْ جَابِرٍ) والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنَّهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال ألف وخمسمائة جبرها، وقد تقدَّم بسط ذلك في «كتاب المغازي» ، وبيان توجيه من قال ألف وثلاثمائة.
خاتمة قد اشتمل «كتاب الأشربة» من الأحاديث المرفوعة على أحد وتسعين حديثًا، المعلَّق منها تسعة عشر طريقًا، والباقي موصول، المكرر منها فيه وفيما مضى سبعون حديثًا، والباقي خالص، وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى حديث أبي مالك أو أبي عامر في المعازف [خ¦5590] ، وحديث ابن أبي أوفى في الجر الأخضر [خ¦5596] ، وحديث أنس في الأقداح ليلة الإسراء [خ¦5610] ، وهو معلَّق، وحديث جابر في الكرع [خ¦5613] ، وحديث علي في الشُّرب قائمًا [خ¦5615] ، وحديث أبي هريرة في النَّهي عن الشُّرب من فم السِّقاء [خ¦5627] ، وحديث أبي طلحة في قدح النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦5638] .
وفيه من الآثار عن الصَّحابة
ج 24 ص 232
فمن بعدهم أربعة عشرة أثرًا.
وهذا آخر الجزء الثَّالث من «صحيح البُخاري» فيما ضبطه المعتنون بشأن هذا الكتاب، كما نقله الكرمانيُّ.
قال العبد الضعيف وفرغت منه في يوم الخميس التاسع والعشرين من أيام شعبان المعظَّم المنتظم في سلك شهور السنة السادسة والخمسين بعد المائة والألف، والله تعالى أسأل بوجهه الكريم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يعينني على إتمام هذا الشرح على أحسن وجه، وينفعني به والمسلمين، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويرزقني فيه القبول والإقبال، ويتوفني على الإسلام بطيبة الطيبة، إنه جابر المنكسرين وواصل المنقطعين وأرحم الراحمين، والحمد لله وحده، وصلواته على أشرف خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه.