5652 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسرهد، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابنُ سعيد القطَّان (عَنْ عِمْرَانَ) هو ابنُ مسلم (أَبِي بَكْرٍ) المعروف بالقصير، وهو بصريٌّ تابعيٌّ صغير، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَلاَ أُرِيكَ) بفتح الهمزة وتخفيف اللام (امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قُلْتُ بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ) في رواية جعفر المستغفري في كتاب «الصحابة» وأخرجه أبو موسى في «الذيل» من طريقه، ثمَّ من رواية عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث (( فأراني حبشيَّة صفراء عظيمة، فقال هذه سُعَيْرة الأسدية ) ). وسُعَيْرة بضم السين وفتح العين المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وبالراء،
ج 24 ص 259
ويقال شُقَيرة بضم الشين المعجمة وفتح القاف.
قال الذَّهبي في باب الشِّين المعجمة [شقيرة] [1] الأسديَّة مولاتهم حبشيَّة، قيل هي سُعَيرة التي كانت تُصرع، وفي رواية المستغفري (( شُكيرة ) )بالكاف.
(أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي (إِنِّي أُصْرَعُ) على البناء للمفعول. وأخرجه ابن مَرْدويه في «التفسير» من هذا الوجه فقال في روايته (( إنَّ بي هذه المُؤتة ) )وهو بضم الميم بعدها همزة ساكنة الجنون، وزاد في روايته، وكذا ابن منده أنَّها كانت تجمع الصُّوف والشَّعر واللِّيف، فإذا اجتمعت لها كبَّة عظيمة نقضتها، فنزل فيها {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} الآية [النحل 92] ، وقد تقدَّم في «تفسير سورة النَّحل» أنَّها امرأة أخرى [خ¦4707 قبل] .
(وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ) بفتح الفوقية وتشديد الشين المعجمة، من التَّكشف من باب التَّفعل. وفي رواية أبي ذرٍّ بالنون السَّاكنة بدل الفوقية وكسر المعجمة المخففة، من الانكشاف، من باب الانفعال أرادت أنَّها تخشى أن تظهرَ عورتها، وهي لا تشعرُ.
(فَادْعُ اللَّهَ لِي) أن يشفيني من هذا الصَّرع (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ) على ذلك (وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ أَصْبِرُ) يا رسول الله (فَقَالَتْ إِنِّي أَتَكَشَّفُ) بالفوقية وتشديد المعجمة المفتوحة، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنون الساكنة وكسر المعجمة، كما في السَّابق (فَادْعُ اللَّهَ) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشميهني (أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ) بالفوقية، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنون أيضًا (فَدَعَا لَهَا) صلى الله عليه وسلم خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تصبرَ على هذه الهيئة ولها الجنَّة، وبين أن يدعوَ الله تعالى فيعافيها، فاختارت الصَّبر، ثمَّ قالت أخشى من تكشف العورة، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع عنها التَّكشف، وفيه فضل ما يترتب على الصَّبر على الصَّرع، وأنَّ اختيار البلاء
ج 24 ص 260
والصَّبر عليه يورث الجنَّة، وأنَّ الأخذ بالشِّدَّة أفضل من الأخذ بالرُّخصة لمن علم من نفسه أنَّه يطيق التَّمادي على الشِّدَّة، ولا يضعف عن التزامها.
قال ابنُ القيم الجوزية [2] في «الهدي النبوي» مَنْ حَدَثَ له الصَّرع وله خمسٌ وعشرون سنة، وخصوصًا بسبب دماغي أُيسَ من بُرئه، وكذلك إذا استمرَّ به إلى هذا السِّن، قال فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنَّها كانت تصرعُ وتتكشَّف، يجوز أن يكون صرعها من هذا النَّوع، فوعدها صلى الله عليه وسلم بصبرها على هذا المرض بالجنَّة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إني أصرعُ ) ). وقال صاحب «التلويح» هذا الحديث ليس فيه ذكر الرِّيح الَّذي ترجم له. وتعقَّبه العيني بأنَّ التَّرجمة معقودةٌ في فضل من يُصرع، فالحديث يدلُّ عليه. وقوله (( من الرِّيح ) )بيان سبب الصَّرع، ولا يلزم أن يكون مقصودًا في التَّرجمة.
والحديث أخرجهُ مسلمٌ في «الأدب» ، والنَّسائي في «الطِّب» .
- (حَدَّثَنَا) وفي نسخة بالإفراد (مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سلام، قال (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام، ابن يزيد (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (أَنَّهُ رَأَى أُمَّ زُفَرَ) بضم الزاي وفتح الفاء بعدها راء (تِلْكَ، امْرَأَةٌ) هكذا رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره (طَوِيلَةٌ سَوْدَاءُ، عَلَى سِتْرِ الْكَعْبَةِ) بكسر السين المهملة؛ أي جالسة على ستر الكعبة، أو معتمدة عليه، ويجوز أن يتعلَّق بقوله (( رأى ) ). وفي «الأدب المفرد» للبُخاري، وقد أخرجه بهذا السَّند المذكور هنا بعينه وقال (( على سُلَّم الكعبة ) ). وقال أبو عمر قال ابنُ جريج وأخبر عطاء أنَّه رأى أم زفر تلك المرأة سوداء طويلة على سلم الكعبة. وروى البزَّار من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في نحو هذه القصَّة أنَّها قالت إنِّي أخاف الخبيث أن يجرِّدني، فدعا لها، فكانت إذا خشيتْ أن يأتيها تأتي أستارَ الكعبة فتتعلَّق بها.
قال الكرمانيُّ أمُّ زفر كنية تلك المرأة المصروعة،
ج 24 ص 261
ولكن الَّذي يُفهم من كلام الذَّهبي في «تجريد الصحابة» أنَّ أمَّ زفر غير السَّوداء المذكورة؛ لأنَّه ذكر كلَّ واحدةٍ في باب، وكذلك يُفهم من كلام ابن الأثير أنَّ أمَّ زفر غيرها، حيثُ قال أم زفر ماشطة خديجة كانت عجوزًا سوداء يغشاها صلى الله عليه وسلم في زمن خديجة رضي الله عنها.
وذكر الذَّهبي أنَّ أمَّ زفر ثنتان، حيثُ قال في باب الكنى أم زفر كان بها جنون ذُكِرت في حديث مرسل. وقال أيضًا أمُّ زفر ماشطة فيما قيل، فعلَّم على الأوَّل علامة البُخاري، ولم يُعلِّم على الثَّانية. وعن هذا قال صاحب «التلويح» ذُكِرَتْ في الصَّحابيات أم زفر ثنتان.
وقول الذَّهبي ذُكرت في حديث مرسل هو ما ذكره أبو عمر في «الاستيعاب» فقال أم زفر التي كان بها مسٌّ من الجنون. ذكر حجَّاج بن محمد وغيره عن ابن جُريج عن الحسن بن مسلم أنَّه أخبره أنَّه سمع طاوسًا يقول كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يُؤتى بالمجانين فيضربُ صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة يُقال لها أم زفر فضربَ صدرها فلم تبرأ فلم يخرج شيطانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هو نفسها في الدُّنيا، ولها في الآخرة خيرٌ ) ).
وذكر ابنُ سعد وعبد الغني في «المبهمات» من طريق الزُّبير أنَّ هذه المرأة هي ماشطةُ خديجة، التي كانت تتعاهد النَّبي صلى الله عليه وسلم بالزِّيارة، وسيأتي ذكرها في «كتاب الأدب» إن شاء الله تعالى [خ¦6004] . وقد يُؤخذ من الطُّرق التي ذُكرت أنَّ الذي كان بأمِّ زفر من صرع الجنِّ لا من صرع الخلطِ.
وقد أخرج البزَّار وابن حبَّان من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه شبيهًا بقصتها، ولفظه جاءت امرأة بها لَمَمٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله، قال (( إن شئتَ دعوتُ الله فشفاكَ، وإن شئتَ صبرتَ ولا حساب عليك ) )قالت بل أصبرُ ولا حساب عليَّ. وفي الحديث دليلٌ على جواز ترك التَّداوي.
وفيه أنَّ علاجَ الأمراض كلها بالدُّعاء والالتجاء إلى الله تعالى أنجعُ وأنفعُ من العلاج بالعقاقير، وأنَّ تأثير ذلك، وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنيَّة، ولكن إنَّما ينجع بأمرين
أحدهما من جهة العليل، وهو صدقُ
ج 24 ص 262
القصد.
والآخر من جهة المداوي وهي قوَّة توجهه، وقوَّة قلبه بالتَّقوي والتَّوكل، والله تعالى أعلم.
فإن قيل فهذه المرأة أيضًا مبشَّرة بالجنَّة فليسوا بمنحصرين في العشرة.
أُجيب بأنَّه كثير غيرها مثل الحسن والحسين، وأزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، والمراد بالعشرة الَّذين بشروا في مجلسٍ واحدٍ، أو صرَّح فيهم بلفظ البشارة، ذكره الكرمانيُّ.
[1] زيادة توضيحية.
[2] في الأصل تصحيفًا (الجوزي) .