فهرس الكتاب

الصفحة 8449 من 11127

5678 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد أبو موسى العنزي الزَّمِنُ البصري، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد الله (الزُّبَيْرِيُّ) بضم الزاي وفتح الموحدة، الأسدي نسب إلى جدِّه، وهو أسدي من بني أسد بن خُزيمة، فقد يلتبسُ بمن ينسب إلى الزُّبير بن العوام رضي الله عنه، لكونهم من بني أسد بن عبد العزى، وهذا من فنون علمِ الحديث، وصنَّفوا فيه الأنساب المتَّفقة في اللَّفظ المفترقة في الشَّخص.

وقد وقع عند أبي نُعيم في «الطِّب» من طريق أبي بكر وعُثمان ابني أبي شيبة قالا حدَّثنا محمد بن عبد الله الأسدي أبو أحمد الزُّبيري. وعند الإسماعيلي من طريق هارون بن عبد الله الحمال حدَّثنا محمد بن عبد الله الزُّبيري.

قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بضم الحاء وفتح السين، وعَمرو بفتح العين، وسعيد بكسرها، النَّوفلي القرشي المكي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) بالراء والموحدة المفتوحتين آخره مهملة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا قال عَمرو بن سعيد عن عطاء، وخالفه شبيب بن بسر، فقال عن عطاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أخرجه الحاكم، وأبو نُعيم في «الطِّب» .

ورواه طلحة بن عَمرو عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذه رواية عبد بن حُميد عن محمد بن عبيد، عنه. وقال معتمر بن سُليمان عن طلحة بن عَمرو عن عطاء عن أبي هُريرة رضي الله عنه، أخرجَه ابنُ أبي عاصم في «الطِّب» ، وأبو نُعيم، وهذا ممَّا تترجَّح به رواية عَمرو بن سعيد.

ج 24 ص 313

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً) ووقع في رواية الإسماعيلي (( من داء ) «من» زائدة، ويحتمل أن يكون مفعول «أنزل» محذوفًا، فلا تكون «من» زائدة، بل لبيان المحذوف، ولا يخفى تكلفه (إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) وفي رواية طلحة بن عمرو من الزِّيادة في أوَّل الحديث (( يا أيها النَّاس تداووا ) )، ووقع في رواية طارق بن شهاب عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه (( إنَّ الله لم ينزل داءً إلَّا أنزل له شفاء فتداووا ) )، أخرجه النَّسائي، وصحَّحه ابن حبَّان، والحاكم، ونحوه للطَّحاوي، وأبي نُعيم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي رواية أحمد عن أنس رضي الله عنه (( إنَّ الله حيث خلق الدَّاء، ما خلق داء إلَّا وضع له شفاء [1] ) )، وفي حديث أسامة بن شريك (( تداووا يا عباد الله فإنَّ الله لم يضع داء إلَّا وضع له شفاء، إلَّا داء واحدًا الهرم ) ). أخرجه أحمد، والبُخاري في «الأدب المفرد» ، والأربعة، وصحَّحه التِّرمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وفي لفظ (( إلَّا السَّام ) )بمهملة مخففة؛ يعني الموت، وزاد النَّسائي في آخره عن ابن مسعود رضي الله عنه (( فتداووا ) )، ووقع في رواية أبي عبد الرَّحمن السلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه نحو حديث الباب، وزاد في آخره (( عَلِمَه من علمَه، وجهلَه من جهلَه ) ). أخرجه النَّسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم.

وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه رفعه (( لكلِّ داءٍ، دواءٌ فإذا أُصيب دواء الدَّاء برأَ بإذن الله تعالى ) ). وروى أبو داود من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه رفعه (( إنَّ الله جعلَ لكلِّ داءٍ دواء، فتداووا ولا تتداووا بحرامٍ ) ). وفي مجموع هذه الألفاظ ما يُعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب، وهو إنزال عِلْم ذلك على لسان المَلَك للنَّبي مثلًا، أو عبَّر بالإنزال عن التَّقدير، كما سبق، وفيها التَّقييد بالحلال، فلا يجوز التَّداوي بالحرام.

وفي حديث جابر رضي الله عنه الإشارة إلى أنَّ الشِّفاء متوقِّف على الإصابة بإذن الله تعالى، وذلك

ج 24 ص 314

أنَّ الدَّواء قد يحصلُ معه مجاوزة الحدِّ في الكيفيَّة والكميَّة، فلا ينجعُ، بل ربَّما أحدث داءً آخر.

وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه الإشارة إلى أنَّ بعضَ الأدوية لا يعلمُها كلُّ أحدٍ، وفيها كلها إثبات الأسباب، وإباحة التَّداوي، وجواز الطِّب، وأنَّ ذلك لا يُنافي التَّوكُّل على الله تعالى لمن اعتقد أنَّها بإذن الله تعالى وبتقديره، وأنَّها لا تنجعُ بذواتها، بل بما قدَّره الله تعالى فيها، وأنَّ الدَّواء قد ينقلب داء إذا قدَّر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر رضي الله عنه (( بإذن الله ) ).

فمدار ذلك كلِّه على تقدير الله وإرادته، وأنَّ التَّداوي لا ينافي التَّوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشُّرب، وكذلك تجنُّب المهلكات، والدُّعاء بطلب العافية، ودفع المضار وغير ذلك.

قيل [2] وفيه ردٌّ على الصُّوفيَّة أنَّ الولاية لا تتم إلَّا إذا رضي بجميع ما نزلَ به من البلاء، ولا يجوز له مداواتُه، وهو خلاف ما أباحه الشَّارع. انتهى، فليتأمَّل.

ثمَّ إنَّه يدخل في عمومها أيضًا الدَّاء القاتل الذي اعترفَ حذَّاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقرُّوا بالعجز عن مداواتهِ، ولعلَّ الإشارة في حديث ابن مسعود رضي الله عنه بقوله (( وجهله من جهله ) )إلى ذلك، فتكون باقية على عمومها. ويحتمل أن يكون في الخبر حذف تقديره لم ينزلْ داء يقبل الدَّواء إلَّا أنزلَ له شفاء، والأوَّل أولى.

وممَّا يدخل في قوله (( وجهله من جهله ) )ما يقعُ لبعض المرضى أنَّه يتداوى من داء بدواء فيبرأ، ثمَّ يعتريه ذلك الدَّاء بعينه، فلا ينجعُ، والسَّبب في ذلك الجهلُ بصفة من صفات الدَّاء، فربَّ مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركبًا لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا، فيقعُ الخطأ من هناك، وقد يكون متَّحدًا، لكن يريدُ الله أن لا ينجعَ فلا ينجع، وهنا تخضعُ رقاب الأطباء.

وقد أخرج ابنُ ماجه من طريق أبي خزامة

ج 24 ص 315

وهو بمعجمة وزاي خفيفة عن أبيه قال قلتُ يا رسول الله، أرأيت رُقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال (( هي من قدرِ الله تعالى ) ).

والحاصل أنَّ حصول الشِّفاء بالدَّواء إنَّما هو كدفعِ الجوع بالأكل، والعطش بالشُّرب، وهو ينجعُ في ذلك في الغالب، وقد يتخلَّف لمانع، والله تعالى أعلم.

ثمَّ إن استثناءَ الموت في حديث أسامة بن شريك واضحٌ، ولعلَّ التَّقدير إلَّا داء الموت؛ أي المرض الَّذي قدر على صاحبه الموتَ، واستثناءُ الهرم في الرِّواية الأخرى إمَّا لأنَّه جعله شبيهًا بالموت والجامع بينهما نقص الصِّحَّة، أو لقربه من الموت وإفضائهِ إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والتَّقدير لكن الهرم لا دواءَ له، والحديث عين التَّرجمة.

وقد أخرجه النَّسائي في «الطِّب» ، وكذا ابن ماجه فيه.

[1] كذا في الأصل، ولكن في الفتح «خلق الدواء فتداووا» .

[2] في هامش الأصل عيني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت