5687 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) كذا سمَّاه، ونسبه لجدِّه، وهو عبدُ الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيمُ بن عُثمان العبسي الكوفي، وكان إبراهيم أبو شيبة قاضي واسط، وكنيتُه عبد الله أبو بكر، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتَّصغير، هو ابنُ موسى الكوفي، وهو من كبارِ مشايخ البُخاري، وروى عنه هنا بالواسطة، قال (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ) هو مولى أبي مسعود البدري الأنصاري، وما له في البُخاري سوى هذا الحديث، وقد أخرجه المنجنيقي في كتاب «رواية الأكابر عن الأصاغر» عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد، فأدخل بين منصور وخالد بن سعد مجاهدًا. وتعقَّبه الخطيبُ بعد أن أخرجه من طريق المنجنيقي بأنَّ ذِكْرَ مجاهدٍ فيه وهم. ووقع في رواية المنجنيقي أيضًا خالد بن سعيد بزيادة ياء في اسم أبيه، وهو وهمٌ، نبَّه عليه الخطيب.
(قَالَ خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الجيم وبالراء، على وزن أحمد، غير منصرف، يقال إنَّه الصَّحابي الذي سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهليَّة، وحديثه عند أبي داود (فَمَرِضَ) أي غالب (فِي الطَّرِيقِ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهْوَ مَرِيضٌ، فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ) هو عبدُ الله بن محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، وأبو عتيق كنيتُه محمد، وهو معدودٌ في الصَّحابة؛ لكونه ولد في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأبوه وجده، وجدُّ أبيه صحابةٌ مشهورون.
وفي رواية أبي بكر الأعين فعاده أبو بكر بن عتيق، وكذا قال سائر أصحاب عبيد الله بن موسى إلَّا المنجنيقي،
ج 24 ص 335
فقال في روايته عن خالد بن سعد عن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصِّدِّيق عن عائشة رضي الله عنهما، واختصر القصَّة.
قال الخطيب وقوله عن غالب بن أبجر، وهمٌ، فليس لغالب فيه رواية، وإنَّما سمعه خالد مع غالب من أبي بكر بن أبي عتيق.
(فَقَالَ لَنَا) أي ابن أبي عتيق (عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ) بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة مصغرًا، كذا في رواية الكُشميهني بالتَّكبير، وهي رواية الأكثر ممَّن أخرج الحديث، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي بالتَّصغير أيضًا.
(فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا) من حباتها (أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا، ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَفِي هَذَا الْجَانِبِ) من الأنف. وقد ذكر الأطباء في علاج الزُّكام العارض مع عطاس كثير أنَّه تغلى الحبة السَّوداء، ثمَّ تدق ناعمًا، ثم تنقع في زيت، ثمَّ يقطر منها في الأنف ثلاث قطرات.
فلعلَّ غالب بن أبجر كان مزكومًا، فلذا وصفه ابنُ أبي عتيق له، وظاهر سياقه أنَّها موقوفةٌ عليه، ويحتمل أن تكون عنده مرفوعة أيضًا؛ فقد وقع في رواية الأعين عند الإسماعيلي بعد قوله (( من كلِّ داءٍ واقطروا عليها شيئًا من الزَّيت ) )، وفي رواية له أخرى (( وربما قال واقطروا. ... إلى آخره ) )، وادَّعى الإسماعيلي أنَّ هذه الزِّيادة مدرجة في الخبر.
ثمَّ استدلَّ بقوله (فَإِنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (حَدَّثَتْنِي) بالإفراد (أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني ، وفي رواية الأعين (( هذه الحبة السَّوداء التي تكون في الملح ) ).
قال الحافظُ العسقلاني وكان أشكل هذا عليَّ، ثمَّ ظهر لي أنَّه يريد الكمُّون، وكانت عادتهم جرت أن يخلط بالملحِ، وقوله (( من كلِّ داءٍ ) )بعمومه يتناول الانتفاع بالحبَّة السَّوداء في كلِّ داءٍ غير الموت.
وأوَّله الموفق البغدادي بأكثر الأدواء، وعدَّد جملة من منافعها، وكذا قال الخطَّابي هو من العموم الَّذي أريد به الخصوص، وليس يجتمعُ في شيءٍ من النَّبات جميع القوى التي تقابل الطَّبائع كلها في معالجة الأدوية، وإنَّما أراد شفاء من كلِّ داءٍ يحدث من الرُّطوبة والبلغم؛ لأنَّه حارٌّ يابسٌ فهو شفاء للدَّاء المقابل له في الرُّطوبة والبرودة، وذلك أنَّ الدَّواء أبدًا بالمضاد كما أنَّ الغذاءَ بالمشاكل.
وقال الكرمانيُّ يحتملُ إرادة العموم منه بأن يكون شفاء للكلِّ، لكن بشرط تركيبه مع الغير، ولا محذورَ فيه، بل تجبُ إرادة العموم؛ لأنَّ جواز
ج 24 ص 336
الاستثناء معيار جواز العموم، وأمَّا وقوع الاستثناء؛ فهو معيار وقوع العموم، فهو أمرٌ ممكنٌ، وقد أخبر الصَّادق عنه، واللَّفظ عامٌّ بدليل الاستثناء، فيجبُ القول به.
وقال أبو بكر ابن العربي العسلُ عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كلِّ داءٍ من الحبَّة السَّوداء، ومع ذلك، فإنَّ من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذَّى به، فإذا كان المراد بقوله في العسل {فيه شفاء للنَّاس} الأكثر الأغلب، فحمل الحبَّة السَّوداء على ذلك أولى.
وقال الحافظُ العسقلاني معنى كون (( الحبة السَّوداء شفاءٌ من كلِّ داءٍ ) )أنَّها لا تُستعمل في كلِّ داء صرفًا، بل ربما استعملت مفردة، وربما استعملتُ مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلًا وشربًا وسعوطًا وضمادًا وغير ذلك. وقيل إنَّ قوله (( من كلِّ داءٍ ) )تقديره يقبل العلاج بها، فإنَّها إنَّما تنفعُ من الأمراض الباردة، فأمَّا الحارة فلا. نعم، قد تدخل في بعض الأمراض الحارَّة اليابسة بالعَرَضِ، فتوصلُ قوى الأدوية الرَّطبة الباردة إليها بسرعة تنفيذها، واستعمال الحار في بعض الأمراض الحارَّة؛ لخاصيَّةٍ فيه لا يستنكرُ كالعَنْزَرُوت، فإنَّه حارٌّ، ويستعمل في أدوية الرَّمد المركبة مع أن الرمد ورمٌ حارٌّ باتِّفاق الأطباء.
وقد قال أهل العلم بالطِّب إنَّ طبع الحبة السَّوداء حارٌّ يابسٌ، وهي مُذهِبةٌ للنَّفخ، نافعةٌ من حمى الرّبعِ والبلغم، مفتِّحة للسُّدَد والرِّيح، مجفَّفة لِبلَّة المعدة، وإذا دُقَّت وعُجنت بالعسل وشُربت بالماء الحار أذابت الحصاة، وأدرَّت البول والطَّمث، وفيها جلاءٌ وتقطيعٌ، وإذا دُقَّت ورُبطت بخرقةٍ من كَتَّان وأديم شَمُّها نفعٌ من الزكام البارد. انتهى.
وقد ذكر بعضها مع غيرها، وقيل كان صلى الله عليه وسلم يصف الدَّواء بحيث ما يشاهده من حال المريض، فلعلَّه قوله (( في الحبَّة السَّوداء. .. إلى آخره ) )وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معنى قوله (( شفاءٌ من كلِّ داءٍ ) )؛ أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه، والتَّخصيص بالحيثيَّة كثيرٌ شائع.
ج 24 ص 337
قال الشَّيخ محمد ابن أبي جمرة تكلَّم ناس في هذا الحديث، وخصُّوا عمومه، وردوه إلى قول أهل الطِّب والتَّجربة، ولا خفاءَ بغلط قائل ذلك؛ لأنا إذا صدَّقنا أهل الطِّب، ومدارَ علمهم غالبًا إنَّما هو على التَّجربة التي بناؤها على ظنٍّ غالبٍ، فتصديق من لا ينطقُ عن الهوى أولى بالقبولِ من كلامهم. انتهى.
وقد تقدَّم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعمُّ من الإفراد والتَّركيب، فلا محذورَ في ذلك، ولا خروج عن ظاهر الحديث، فتنفع من جميع الأدواء.
(إِلاَّ مِنَ السَّامِ) بالمهملة من غير همز وتخفيف الميم (قَلْتُ وَمَا السَّامُ؟ قَالَ الْمَوْتُ) قال الحافظُ العسقلاني لم أعرف اسم السَّائل ولا المجيب، وأظنُّ أنَّ السَّائل خالد بن سعيد، والمجيبُ ابن أبي عتيق، وفي رواية ابن ماجه (( إلَّا أن يكون الموت ) )وهذا يدلُّ على أنَّ الموت داء من جملة الأدواء. قال الشَّاعر
~وَدَاءُ المَوْتِ لَيْسِ لَهُ دَوَاءُ
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( إنَّ هذه الحبَّة السَّوداء ) ). وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا.