5707 - (وَقَالَ عَفَّانُ) هو ابنُ مسلم الصَّفار، وهو من شيوخ البُخاري، ولكن أكثر ما يُخرج عنه بواسطة، وهو من المعلَّقات التي لم يصلها في موضع. وقد جزم أبو نُعيم أنَّه أخرجه عنه بلا رواية، وعلى طريقة ابن الصَّلاح يكون موصولًا، وقد وصله أبو نُعيم من طريق أبي داود الطَّيالسي، وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة عن سَليم بن حيَّان شيخ عفَّان فيه. وأخرجهُ أيضًا من طريق عَمرو بن مرزوق عن سَليم، لكن موقوفًا، ولم يستخرجْه الإسماعيليُّ، وقد وصله ابنُ خزيمة أيضًا.
(حَدَّثَنَا سَلِيمُ) بفتح السين المهملة وكسر اللام (ابْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية، الهذليُّ البصري، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِيْنَاءَ) بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون بالمد والقصر، مولى البُحتري الحجازي، مكيٌّ أو مدنيٌّ، أبو الوليد (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ عَدْوَى) بفتح العين المهملة والواو بينهما دال مهملة ساكنة؛ أي لا سراية للمرض عن صاحبه إلى غيره، وهو اسمٌ من الإعداء كالبقوي من الإبقاء، يُقال أعداه الدَّاء يُعديه إعداء، وهو أن يصيبَه ما بصاحب الدَّاء، وهو نفيٌ لما كانت الجاهليَّة عليه، فإنَّهم كانوا يظنُّون ويعتقدون أنَّ بعضَ الأدواء بنفسه يتعدَّى، فأعلمهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الأمر ليس كذلك، وإنَّما الله عزَّ وجلَّ هو الَّذي يُمرِض، ويُنزِل الدَّاء، ولهذا قال (( فمن أعدى الأوَّل ) ) [خ¦5717] أي من أين صارَ فيه الجَرَبُ، وهو خبرٌ أريد به النَّهي.
(وَلَا طِيَرَةَ) بكسر الطاء المهملة وفتح التحتية وقد تُسكَّن، وهي التَّشاؤم بالشَّيء، وهو مصدر تطير، يُقال تطيَّر طيرة، وتخيَّر خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وهو أيضًا نفيٌ
ج 24 ص 370
لما كانت الجاهليَّة عليه؛ أي لا شؤم فإنَّهم كانوا يتشاءمون بالسَّوانح والبوارح [1] من الطَّير والظِّباء وغيرهما، وكان ذلك يصدُّهم عن مقاصدهم، فنفاهُ الشَّرع وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنَّه ليس له تأثيرٌ في جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ.
(وَلاَ هَامَةَ) بتخفيف الميم على الصَّحيح. وحكى أبو زيد تشديدها، وذكره الهروي في الهاء والواو، وذكره الجوهري في الهاء والياء. والهامة الرَّأس، واسم طائرٍ، وهو المراد هنا، وذلك أنَّهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير اللَّيل. وقيل هي البُومة كانت إذا سقطت على دار أحدهم يرى أنَّها ناعيةٌ له نفسه، أو بعض أهله. وقيل كانوا يزعمون أنَّ روح القتيل الَّذي لا يُؤخذُ بثأره تصير هامةً فَتْزقُو وتقول اسقُوني اسقُوني، فإذا أدرك ثأرَهُ طارت. وقيل كانوا يزعمون أنَّ عظام الميِّت، وقيل روحه تصيرُ هامةً فتطير، ويسمونه الصَّدى، فنفاهُ الإسلام ونهاهم عنه، وفي أشعارهم
~وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخْيَلِيَّةَ سَلَّمَتْ عَلَيَّ وَدُوْنِي جَنْدَلٌ وَصَفَائِحُ
~لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشَاشَةِ أَوْزَقا إِلَيْها صَدًى مِن جَانِبِ القَبْرِ صَائِحُ
(وَلاَ صَفَرَ) قيل هو تأخُّر المحرم إلى صفر، وهو النَّسيء. وفي «سنن أبي داود» عن محمد بن راشد أنَّهم كانوا يتشاءمون بدخول صفر؛ أي لما يتوهَّمون أنَّ فيه تكثُّر الدَّواهي والفتن. وقيل كانت العرب تزعمُ أنَّ في البطن حيَّةٌ يُقال لها صفر تَهيج عند الجوع وتُؤذي صاحبها، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب تراها أعدى من الجرب، فنفى صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله (( ولا صفر ) )كذا جمع الأربعة في هذه الرِّواية، ويأتي مثله سواءٌ بعد عدَّة أبواب في باب «لا هامة» من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦5757] .
ويأتي بعد خمسة أبواب من طريق أبي سلمة عن أبي هُريرة رضي الله عنه مثله، لكن بدون قوله (( ولا طيرة ) ) [خ¦5717] . وأخرج مسلمٌ من طريق محمَّد بن سيرين عن أبي هُريرة بلفظ (( لا عدوى، ولا هامة، ولا طِيرة ) ). وأخرج مسلمٌ من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن
ج 24 ص 371
عن أبيه عن أبي هُريرة رضي الله عنه مثل رواية أبي سلمة وزاد (( ولا نوء ) ). وأخرج مسلم، وابن حبَّان من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزُّبير أنَّه سمع جابرًا رضي الله عنه بلفظ (( لا عدوى، ولا صفر، ولا غول ) ).
فالحاصل من ذلك ستَّة أشياء العدوى، والطِّيرة، والهامة، والصَّفر، والغول، والنَّوء.
والأربعة الأوَّل قد أفرد البُخاري لكلِّ واحدٍ منها ترجمة.
وأمَّا الغول فقال الجمهور كانت العرب تزعم أنَّ الغيلان في الفلوات، وهي جنسٌ من الشَّياطين تترائى للنَّاس، وتتغوَّل لهم تغوُّلًا؛ أي تتلون تلوُّنًا فتضلُّهم عن الطَّريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم غالته الغول؛ أي أهلكتْه وأضلَّته، فأبطل النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وقيل ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنَّما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصُّور المختلفة، قالوا والمعنى لا يستطيع الغول أن يضلَّ أحدًا، وفي حديث (( لا غول ) )، ولكن السَّعالى، والسَّعالى سحرةُ الجنِّ، وفي الجنِّ سحرةٌ لهم تلبيسٌ وتخييل.
وفي الحديث (( إذا تغوَّلت الغيلان فنادوا بالأذان ) )أي ادفعوا شرَّها بذكر الله، فلم يُرِدْ بنفيها عدمها، أو كانت ثمة، ثمَّ زالت ببعثته صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي أيُّوب كانت لي سهوةٌ فيها ثمر، فكانت الغول تجيءُ فتأكل منه الحديث.
وأمَّا النَّوء فقد كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا، فأبطلَ صلى الله عليه وسلم ذلك بأنَّ المطر إنَّما يقعُ بإذن الله تعالى لا بفعلِ الكواكب، وإن كانت العادة جرتْ بوقوع المطر في ذلك الوقت، إلَّا أنَّه بإرادةِ الله تعالى وتقديره لا صنع للكواكب فيه، والله تعالى أعلم.
وقال الطِّيبي «لا» التي لنفي الجنسِ دخلت على المذكورات فنفتْ ذواتها وهي غير منفيَّةٍ فتوجه النَّفي إلى أوصافها وأحوالها، فإنَّ نفي الذَّات لإرادة نفي الصِّفات أبلغ؛ لأنَّه من باب الكناية.
(وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ) أي كفرارك (مِنَ الأَسَدِ) فـ «ما» مصدريَّة. قال الحافظُ العسقلاني لم أقف عليه من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه إلَّا من هذا الوجه، ومن وجهٍ آخر عند أبي نُعيم في (( الطِّب ) )من حديث الأعرج عن أبي هُريرة رضي الله عنه
ج 24 ص 372
أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( اتَّقوا المجذومَ كما يُتَّقى الأسد ) )، لكنَّه معلولٌ، ورُوِي أيضًا من حديث ابنِ أبي أوفى أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( كلَّم المجذومَ وبينك وبينه قيد رُمحٍ، أو رُمحين ) )، وأخرج ابنُ خُزيمة في كتاب «التوكل» له شاهدًا من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه (( لا عدوى ولو رأيت المجذومَ ففرَّ منه، كما تفر من الأسد ) )، وأخرج مسلمٌ من حديث عَمرو بن الشَّريد الثَّقفي عن أبيه قال كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذومٌ، فأرسلَ إليه صلى الله عليه وسلم (( إنَّا قد بايعناك فارجعْ ) )، قال القاضي عِياض اختلفت الآثار في المجذومِ، فجاء ما تقدَّم.
وقد روى أبو داود عن جابر رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخذَ بيد مجذوم فأدخل معه في القصعةِ وأكل معه، وقال (( بسم الله ثقة بالله وتوكلًا عليه ) )، وأخرجه التِّرمذي وقال غريبٌ، وذهب عُمر رضي الله عنه وجماعة من السَّلف إلى الأكل معه، ورأوا أنَّ الأمر باجتنابه منسوخٌ. وممَّن قال بذلك عيسى بنُ دينار من المالكيَّة.
قال والصَّحيح الذي عليه الأكثر ويتعيَّن المصير إليه أن لا نسخَ، بل يجبُ الجمعُ بين الحديثين وحمل الأمر بالاجتناب والفرار منه على الاستحباب والاحتياط والأكل معه على بيان الجواز. انتهى.
هكذا اقتصره القاضي عِياض ومن تبعَه على حكاية هذين القولين. وحكى غيره قولًا ثالثًا، وهو التَّرجيح. وقد سلكه فريقان أحدهما سلك ترجيح الأخبار الدَّالَّة على نفي العدوى، وتزييفِ الأخبار الدَّالَّة على عكس ذلك مثل حديث الباب، فأعلوه بالشُّذوذ.
وبأنَّ عائشة رضي الله عنها أنكرتْ ذلك، فأخرج الطَّبري عنها أنَّ امرأة سألتها عنه فقالت ما قال ذلك، ولكنَّه قال (( لا عدوى ) )وقال (( فمن أعدَى الأوَّل ) )قالت وكان لي مَولىً به هذا الدَّاء، فكان يأكلُ في صحافي، ويشربُ في أقداحِي، وينامُ على فراشي.
وبأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه تردَّد في هذا الحكم، كما سيأتي بيانه فيُؤخذ الحكمُ من رواية غيره. وبأنَّ الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى
ج 24 ص 373
كثيرةٌ شهيرةٌ، بخلاف الأخبار المرخِّصة في ذلك، ومثل حديث (( لا تديموا النَّظر إلى المجذومين ) )، وقد أخرجه ابنُ ماجه، وسندُه ضعيفٌ، ومثل حديث عبد الله بن أوفى، وقد سبق، وأخرجه أبو نُعيم في «الطب» بسندٍ واهٍ.
ومثل ما أخرج الطَّبري من طريق مَعمر عن الزُّهري أنَّ عمرَ رضي الله عنه قال لمعيقيب (( اجلس منِّي قيدَ رُمحٍ ) )، ومن طريق خارجةَ بن زيد كان عمرُ رضي الله عنه يقول نحوه، وهما أثران منقطعان.
وأمَّا حديث الشَّريد الَّذي لا يُصار إليها إلَّا مع تعذُّر الجمع، وهو ممكنٌ فهو أولى.
الفريق الثَّاني سلكوا في التَّرجيح عكس هذا المسلك، فردُّوا حديث (( لا عدوى ) )بأنَّ أبا هُريرة رضي الله عنه رجعَ عنه إمَّا لشكِّه فيه، وإمَّا لثبوت عكسه عندهُ، كما سيأتي أيضًا في باب «لا عدوى» [خ¦5773 وما بعده] ، قالوا والأخبار الدَّالَّة على الاجتنابِ أكثر مخارج وأصح طرقًا فالمصير إليها أولى.
قالوا وأمَّا حديث جابر رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخذَ بيد مجذومٍ فوضعها في القصعة، وقال (( كلْ ثقةً بالله، وتوكلًا عليه ) )فقد أخرجه التِّرمذي، وبيَّن الاختلاف فيه على راويه، ورجَّح وقفه على عمر رضي الله عنه.
وعلى تقدير ثبوتهِ فليس فيه أنَّه صلى الله عليه وسلم أكلَ معه، وإنَّما فيه أنَّه وضعَ يده في القصعة، قاله الكلاباذي في «معاني الأخبار» ، وأُجيب عنه بأنَّ طريق الجمع أولى كما تقدَّم.
وأيضًا فحديث (( لا عدوى ) )ثبت من غير طريق أبي هُريرة رضي الله عنه، فصحَّ عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقَّاص وجابر وغيرهم رضي الله عنهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولًا، والله تعالى أعلم.
وفي طريق الجمع مسالك أخرى
أحدها نفيُ العدوى جملة، وحملُ الأمر بالفرارِ من المجذوم على رعاية خاطر المجذومِ؛ لأنَّه إذا رأى الصَّحيح البدن السَّليم من الآفة تعظم مصيبته، وتزداد حسرته، ونحوه حديث (( لا تديموا النَّظر إلى المجذومين ) )فإنَّه محمولٌ على هذا المعنى.
ثانيها
ج 24 ص 374
حمل الخطاب بالإثبات والنَّفي على الحالتين فحيث جاء (( لا عدوى ) )كان المخاطب بذلك من قَوِيَ يقينه، وصحَّ توكُّله بحيث يستطيع أن يدفعَ عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيعُ أن يدفع التَّطيُّر الَّذي يقع في نفس كلِّ أحدٍ، لكنَّ القويَّ اليقين لا يتأثَّر به، وهذا مثل ما تَدفعُ قوةُ الطَّبيعة العلَّة فتبطلها.
وعلى هذا يُحملُ حديث جابر رضي الله عنه في أكلِ المجذوم من القصعة، وسائر ما وردَ من جنسه، وحيث جاء (( فرَّ من المجذوم ) )كان المخاطب بذلك من ضعفِ يقينه، ولم يتمكَّن من تمام التَّوكل، فلا يكون له قوَّةٌ على دفع اعتقادِ العدوى فأريد بذلك سدُّ باب اعتقادِ العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببًا لإثباتها.
وقريبٌ من هذا كراهيَّته صلى الله عليه وسلم للكيِّ مع إذنه فيه كما تقدَّم تقريره، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلًا من الأمرين ليتأسَّى به كلٌّ من الطَّائفتين.
ثالث المسالك قال القاضي أبو بكر الباقلاني إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوصٌ من عموم نفي العدوى. قال فيكون معنى قوله (( لا عدوى ) )؛ أي إلَّا من الجذام والبرصِ والجرب مثلًا، قال فكأنَّه قال لا يُعدِي شيءٌ شيئًا إلَّا ما تقدَّم تبييني له أنَّ فيه العدوى، وقد حكى ذلك ابن بطَّال أيضًا.
رابعها أنَّ الأمر بالفرارِ من المجذوم ليس من باب العدوى في شيءٍ، بل هو لأمرٍ طبيعيٍّ، وهو انتقال الدَّاء من جسدٍ إلى جسدٍ بواسطة الملامسة والمخالطة وشمِّ الرَّائحة، ولذلك يقعُ في كثيرٍ من الأمراض في العادة انتقال الدَّاء من المريض إلى الصَّحيح بكثرةِ المخالطة.
وهذه طريقة ابنِ قتيبة فقال المجذومُ تشتدُّ رائحته حتَّى يسقمَ من أطالَ مجالسته ومحادثته ومضاجعتَه. ولذا يقعُ كثيرًا بالمرأة من الرَّجل، وعكسه، وينزع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطبَّاء بترك مخالطة المجذوم،
ج 24 ص 375
لا على طريق العدوى، بل على طريق التَّأثُّر بالرَّائحة؛ لأنَّها تُسقِمُ من واظب اشتمامها. قال ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يوردُ ممرضٌ على مُصح ) )؛ لأنَّ الجرب الرَّطب قد يكون بالبعير، فإذا خالطَ الإبل، أو حككها وأوى إلى مباركها وصل إليها بالماء الَّذي يسيلُ منه، وكذا بالنَّظر نحو ما به.
قال وأمَّا قوله (( لا عدوى ) )فله معنًى آخر، وهو أن يقعَ المرض بمكان كالطَّاعون فيفر منه مخافة أن يصيبَه؛ لأنَّ فيه نوعًا من الفرار من قدر الله.
خامسها أنَّ المراد بنفي العدوى أن شيئًا لا يُعدي بطبعه نفيًا لما كانت الجاهليَّة تعتقدُه أن الأمراض تُعدِي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى، فأبطل النَّبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم؛ ليبيِّن لهم أنَّ الله هو الَّذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدُّنو منه؛ ليبيِّن لهم أنَّ هذا من الأسباب التي أجرى الله تعالى العادة بأنَّها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيهِ إثبات الأسباب، وفي فعلهِ إشارةٌ إلى أنَّها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبَها قواها، فلا تُؤثِّر شيئًا، وإن شاءَ أبقاها فأثَّرت.
ويحتمل أيضًا أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم؛ لأنَّه كان به أمرٌ يسيرٌ لا يُعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمى كلُّهم سواءٌ، ولا تحصل العدوى من جميعهم، بل منهم من لا يحصل منه في العادة عدوى أصلًا كالذي أصابه شيءٌ من ذلك، ووقف، فلم يُعْدِ بقيَّة جسمه، وعلى الاحتمال الأوَّل جرى أكثر الشَّافعيَّة.
قال البيهقيُّ بعد أن أوردَ قول الشَّافعي ما نصَّه الجذام والبرص بزعم أهل العلم بالطِّب والتَّجارب أنَّه يعدي الزَّوج كثيرًا، وهو داءٌ مانعٌ للجماع، لا تكاد نفسُ واحدةٍ تطيبُ بمجامعة من هو به، ولا نفسُ امرأةٍ أن يُجامعها من هو به، وأمَّا الولد فبين أنَّه إذا كان من ولده أجذم أو أبرص أنَّه قلَّ من يَسْلَم، وإن سلمَ أدرك نسلَه.
قال البيهقيُّ وأمَّا ما ثبتَ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( لا عدوى ) )فهو على الوجه الذي كانوا
ج 24 ص 376
يعتقدونَهُ في الجاهليَّة من إضافة الفعلِ إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئتهِ مخالطة الصَّحيح من به شيءٌ من هذه العيوب سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( فرَّ من المجذومِ فرارك من الأسدِ ) ) [خ¦5707] وقال (( لا يورد ممرضٌ على مُصحٍّ ) ) [خ¦5771] وقال في الطَّاعون (( من سمعَ به بأرض فلا يقدمُ عليه ) ) [خ¦6974] .
وكلُّ ذلك بتقدير الله تعالى، وتبعَه على ذلك ابن الصَّلاح، في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله.
سادسها العمل بنفي العدوى أصلًا ورأسًا، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة، وسدِّ الذَّريعة؛ لئلَّا يحدثَ للمُخالِط شيءٌ من ذلك، فيَظنَّ أنَّه بسبب المخالطة، ويُثبِتُ العدوى التي نفاها الشَّارع، وإلى هذا القول ذهبَ أبو عبيد ومن تبعَه من الجماعة.
فقال أبو عُبيد ليس في قوله (( لا يورد ممرضٌ على مصحٍّ ) )إثبات العدوى، بل لأنَّ الصِّحاح لو مرضتْ بتقدير الله تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أنَّ ذلك من العدوى، فيفتتن ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه، قال وكان بعض النَّاس يذهب إلى أنَّ الأمر بالاجتناب، إنَّما هو للمخافةِ على الصَّحيح من ذوات العاهة، قال وهذا شرُّ ما حُمِل عليه الحديث؛ لأنَّ فيه إثبات العدوى التي نفاها الشَّارع، ولكنَّ وجه الحديث عندي ما ذكرته.
وأطنبَ ابنُ خزيمة في هذا في كتاب «التوكل» فإنَّه أوردَ حديث (( لا عدوى ) )عن عدَّةٍ من الصَّحابة، وحديث (( لا يورد ممرضٌ على مصحٍّ ) )من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه، وترجم للأوَّل التَّوكل على الله في نفي العدوى، وللثَّاني ذِكْرُ خبر غَلِطَ في معناه بعض العلماء، فأثبت العدوى التي نفاها النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ترجم الدَّليل على أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يُرِد إثبات العدوى بهذا القول.
فساق حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( لا عدوى ) )فقال أعرابيٌّ فما بال الإبل يخالطُها الأجرب فتجرب؟ قال
ج 24 ص 377
(( فمن أعدى الأوَّل ) ). ثمَّ ذكر طرقه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ أخرجه من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه، ثمَّ ترجم ذكر خبر روى في الأمر بالفرارِ من المجذوم.
وقد يخطر لبعض النَّاس أنَّ فيه إثبات العدوى، وليس كذلك، ثمَّ ساق حديث (( فرَّ من المجذوم فراركَ من الأسد ) )من حديث أبي هُريرة رضي الله عنه، ومن حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث عَمرو بن الشَّريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرُّجوع. وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا تديموا النَّظر إلى المجذوم ) ).
ثمَّ قال إنَّما أمرهُم بالفرارِ من المجذوم كما نهاهم أن يُورَدَ الممرَضُ على المُصحِّ شفقةً عليهم، وخشية أن يُصيبَ بعض من يخالطه المجذوم الجذام، والصَّحيح من الماشية الجرب، فيسبق إلى قلب بعض المسلمين أنَّ ذلك من العدوى، فتثبتُ العدوى التي نفاها صلى الله عليه وسلم، فأمرهُم بتجنُّب ذلك شفقةً منه ورحمة ليسلموا من التَّصديق بإثبات العدوى، وبيَّن لهم أنَّه لا يُعدي شيء شيئًا. قال ويؤيِّد هذا أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم ثقةً بالله، وتوكلاًّ عليه، وساق حديث جابر رضي الله عنه في ذلك.
ثمَّ قال وأمَّا نهيه عن إدامة النَّظر إلى المجذومِ، فيحتمل أن يكون لأنَّ المجذوم يغتمُّ، ويكره إدمان الصَّحيح نظره إليه؛ لأنَّه قلَّ من يكون به داء، إلَّا وهو يكره أن يطَّلع عليه. انتهى.
وهذا الَّذي ذكره احتمالات سبقه إليها مالك، فإنَّه سُئل عن هذا الحديث فقال ما سمعتُ فيه بكراهية، وما أرى ما جاء ذلك إلَّا مخافةَ أن يقعَ في نفس المؤمن شيءٌ. وقال الطَّبري الصَّواب عندنا القول بما صحَّ به الخبر، وأنَّ لا عدوى، وأنَّه لا يصيب نفسًا إلَّا ما كُتب عليها.
وأمَّا دنوُّ عليلٍ من صحيح فغير موجبٍ انتقال العلَّة للصَّحيح، إلَّا أنَّه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها لا لتحريم ذلك، بل لخشية
ج 24 ص 378
أن يظن الصَّحيح أن لو نزل به ذلك الدَّاء أنَّه من جهة دنوِّه من العليل، فيقع فيما أبطله النَّبي صلى الله عليه وسلم من العدوى.
قال وليس في أمره بالفرارِ من المجذوم معارضة لأكله معه؛ لأنَّه كان يأمرُ بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانًا؛ لبيان أنَّ ذلك ليس بحرام.
وقد سلك الطَّحاوي في «معاني الآثار» مسلك ابن خُزيمة فيما ذكره فأورد حديث (( لا يورد ممرضٌ على مُصحٍّ ) ). ثمَّ قال معناه أنَّ المُصحَّ قد يصيبُه ذلك المرض، فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبْه من هذا المرض شيءٌ، والواقع أنَّه لو لم يوردْهُ لأصابه؛ لكون الله تعالى قدَّره، فنهى عن إيراده لهذه العلَّة التي لا يُؤمن غالبًا من وقوعها في قلبِ المرء.
ثمَّ ساق الأحاديث في ذلك، فأطنبَ وجمع بينها بنحو ممَّا جمع ابن خُزيمة، وكذلك قال القُرطبي في «المفهم» إنَّما نهى صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرضِ على المصحِّ مخافةَ الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهليَّة من اعتقاد العدوى، أو مخافةً لتشويش النُّفوس، وتأثير الأوهام.
وهو كنحو قوله (( فرَّ من المجذومِ فراركَ من الأسد ) )وإن كنَّا نعتقدُ أنَّ الجذام لا يُعدي، لكنَّا نجد في أنفسنا نفرةً، وكراهيةً لمخالطتهِ حتَّى لو أكره إنسان نفسه على القربِ منه، وعلى مجالستهِ؛ لتأذَّت نفسُه بذلك، فحينئذٍ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرَّض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدةٍ فيتجنَّب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنَّه يعتقد أن لا ينجي حذرٌ من قدرٍ، والله تعالى أعلم.
وقال الشَّيخ أبو محمد ابن أبي جمرة الأمرُ بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشَّفقة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمَّته عن كلِّ ما فيه ضررٌ بأيِّ وجهٍ كان، ويدلُّهم على كلِّ ما فيه خير.
وقد ذكر بعض أهل الطِّب أنَّ الرَّوائح تحدث في الأبدان خللًا، فكان هذا هو وجه الأمر بالمجانبة، وقد أكلَ هو مع المجذوم فلو كان الأمر بمجانبتهِ على الوجوب لما فعله.
قال ويمكن الجمعُ بين فعله وقوله بأنَّ القول هو المشروعُ من أجل ضعفِ المخاطبين، وفعله حقيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السُّنَّة، وهي أثرُ الحكمة، ومن فعل الثَّاني كان أقوى يقينًا؛ لأنَّ الأشياء
ج 24 ص 379
كلَّها لا تأثير لها إلَّا بمقتضى إرادة الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة 102] .
فمن كان قويَّ اليقين فله أن يتابعَه صلى الله عليه وسلم في فعله، ولا يضرُّهُ شيءٌ، ومن وجد في نفسه ضعفًا فليتبع أمره في الفرار؛ لئلَّا يدخلُ بفعله في إلقاء نفسه إلى التَّهلكة.
فالحاصل أنَّ الأمور التي يتوقَّع منها الضَّرر قد أباحت الحكمة الرَّبَّانيَّة الحذر منها، فلا ينبغي للضُّعفاء أن يقربوها، وأمَّا أصحاب الصِّدق واليقين فهم في ذلك بالخيار.
قال وفي الحديث أنَّ الحكم للأكثر؛ لأنَّ الغالبَ من النَّاس هو الضَّعف، فجاء الأمر بالفرارِ بحسب ذلك، واستدلَّ بالأمر بالفرارِ من المجذوم إثبات الخيار للزَّوجين في فسخ النِّكاح إذا وجدَه أحدهما بالآخر، وهو قولُ جمهور العُلماء.
وأجاب من لم يقل بالفسخ بأنَّه لو أخذ بعمومه؛ لثبت الفسخُ إذا حدث الجذام، ولا قائل به، وردَّ بأنَّ الخلاف ثابتٌ، بل هو الرَّاجح عند الشَّافعيَّة.
واختلف في أَمَةِ الأجذم هل يجوزُ لها أن تمنعَ نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ واختلف العُلماء في المجذومين إذا كثروا هل يمنعون من المساجد والمجامع؟ وهل يتَّخذ لهم مكانٌ منفردٌ عن الأصحاء؟ ولم يختلفوا في النَّادر أنَّه لا يُمنع، ولا في شهور الجمعة.
[1] في هامش الأصل البارح ما يمر من ميامنك إلى مياسرك من الطير والظبي، والعرب تتطير بالبارح وتتفأل بالسانح وهو ما يمر من مياسرك إلى ميامنك من الطير والظبي.