46 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويس، عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك شيخه وخاله، وأبو أويس ابن عم مالك، وقد مرَّ في باب «تفاضل أهل الإيمان» [خ¦22] ، وأنَّه توفي سنة ست وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ، (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) الإمام، وسقط في رواية قوله «بن أنس» ، (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ) هو نافع بن مالك بن أبي عامر المدني وقد مر [خ¦33]
ج 1 ص 328
(عَنْ أَبِيهِ) مالك بن أبي عامر.
(أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عثمان بن عمرو القرشيَّ، التيميَّ، المكيَّ، المدنيَّ، المكنى بأبي محمد، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والستة الذين هم أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، والخمسة الذين أسلموا على يد الصديق رضي الله عنهم، يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأب السابع مثل أبي بكر رضي الله عنه، أسلمت أمه وهاجرت، شهد المشاهد كلها إلَّا بدرًا فإنَّه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طريق الشام يتجسس الأخبار، وقدِم من الشام بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، فكلَّمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في سهمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لك سهمك ) )قال وأَجري يا رسول الله؟ قال (( وأَجرك ) )، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير، وطلحة الجواد، وطلحة الفياض، ويقال له طلحة الطلحات أيضًا، وليس هو طلحة الطلحات الذي قيل فيه
~نضَّرَ اللهُ أَعْظُمًا دفَنُوها بسِجِستَان طَلْحة الطَّلْحاتِ
لأنَّه خزاعي مدفون بسجستان.
وكان الصديق رضي الله عنه إذا ذكر أُحدًا قال ذلك يوم كلُّه لطلحة.
وهو ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ووقاه بيده ضربة قُصِد بها فَشُلَّتْ، رماه مالك بن زهير يوم أُحد فاتقى طلحة بيده عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب خنصره، فقال حين أصابته الرمية خسر، فقال صلى الله عليه وسلم (( لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون ) ).
وقيل جُرِحَ في ذلك اليوم خمسًا وسبعين جراحة، وشُلَّت إصبعاه، قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة، وقيل اثنتين وستين، وقيل ثمان وخمسين، قيل اعتزل يوم الجمل في بعض الصفوف فرمي بسهم فقُطِعَ من رجله عرق النسا، فلم تزل رجله ينزف منها الدم حتى مات.
وأقرَّ مروان بن الحكم أنه رماه، والتفت إلى أبان بن عثمان وقال قد كفيناك بعض قتلة أبيك، وقالت عائشة رضي الله عنها طلحة ممن قضى نحبه {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب 23] .
قال ابن قتيبة ودفن بقنطرة قرة، ثم رأت بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنه يشكو إليها النداوة، فأَمرت به فاستُخرج طريًا، ودُفن
ج 1 ص 329
في دار الهجرتين بالبصرة وقبره مشهور رضي الله عنه.
روي له ثمانية وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
وطلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله اثنان، هذا أحدهما وثانيهما التيمي، وكان يسمى أيضًا طلحة الخير فأشكل على الناس.
ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التحديث جمعًا وإفرادًا، والسماع والعنعنة، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون، ومنها أنَّ إسناده مسلسل بالأقارب؛ لأنَّ إسماعيل يروي عن خاله، عن عمه، عن أبيه.
وقد أخرج متنه المؤلف في الشهادات [خ¦2678] ، وفي الصوم [خ¦1891] ، وفي ترك الحيل أيضًا [خ¦6956] ، وأخرجه مسلم في الإيمان، وأبو داود في الصلاة، والنسائي في الصلاة وفي الصوم.
(يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ) هو ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، قاله القاضي مستدلًا بأنَّ البخاري سماه في حديث الليث، يريد ما أخرجه في باب «القراءة والعرض على المحدِّث» عن شَريك عن أنس [خ¦63] قال (( بينا نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ) )، وفيه ثم قال (( أيكم محمد ) )وذكر الحديث، وقال فيه (( وأنا ضِمام ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر ) ).
وتعقبه القرطبي بأنَّ سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة قال ودعوى أنَّهما قصة واحدة دعوى فرطٍ وتكلف شططٍ من غير ضرورة.
وفي (( عمدة القاري ) )لمحمود العيني ما يتعلق بذلك فليُنظر ثَمَّة.
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) وفي رواية ونَجْد _ بفتح النون وسكون الجيم _ من بلاد العرب خلاف الغور، والغور هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نَجْد، وهو في الأصل ما ارتفع من الأرض، والجمع نجاد ونجود وأنجد، وهو مذكر.
وقال محمود العيني النَّجْد هو الباحة التي بين الحجاز والعراق، والله أعلم.
(ثَائِرُ الرَّأْسِ) أي مُنتفش شعر الرأس ومنتشره من عدم الارتفاق والرفاهية، من ثار الغبار يثور ثورًا وثورانًا؛ أي انتفش وانتشر، ويقال فتنة ثائرة؛ أي منتشرة، وأطلق الرأس على الشَّعر؛ إما لأنَّه نبت منه فهذا كما يطلق اسم السماء على المطر؛ لأنَّه من السماء ينزل، وإما لأنَّه جعل نفس الرأس ذا ثوران على طريق المبالغة. ويمكن أن يكون من باب حذف المضاف بقرينة عقلية.
ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لرجل، والنصب على أنه حال؛ إذ إضافته لفظية
ج 1 ص 330
فلا تفيد إلَّا تخفيفًا، ويجوز وقوع صاحبها نكرة من غير تأخيره عنها؛ لتخصصه بالصفة.
(نَسْمَعُ) بنون الجمع، (دَوِيُّ) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، كذا في عامة الروايات.
وقال القاضي عياض جاء عندنا في البخاري بضم الدال، والصواب الفتح وهو منصوب على أنه مفعول «نسمع» مضاف إلى (صَوْتِهِ) قال الخطابي الدَّوِيُّ صوت مُرتفع مُتكرر لا يُفهم، ويُقال الدَّوِيُّ بُعْدُ الصوت في الهواء وعلوه، ومعناه صوت شديد لا يُفهَم منه شيء كدوي النحل، وقيل هو مأخوذ من دوي الرعد.
(وَلاَ نَفْقَهُ) بنون الجمع أيضًا، من الفقه وهو الفهم، (مَا يَقُولُ) أي ما يقوله مفعول نفقه، وهذه هي الرواية المشهورة وعليها الاعتماد كما قالوا، وفي رواية _ بضم الياء _ على صيغة المجهول فيهما، فيكون قوله «دوي» مرفوعًا لفظًا، وقوله (ما يقول) مرفوعًا محلًا على أنهما نائبان عن فاعلي الفعلين المذكورين، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه نادى من بُعْدٍ، يَشْهَدُ له قوله (حَتَّى دَنَا) أي إلى أن قَرُبَ، فلما قَرُبَ فهمناه، (فَإِذَا) هي التي للمفاجأة، (هُوَ) مبتدأ خبره.
(يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ) أي عن أركانه وشرائعه التي فُرِضت على من وحَّد الله وصدَّق رسوله، ولهذا لم يذكر فيه الشهادتان؛ لأنهَّ صلى الله عليه وسلم عُلِمَ بنور النبوة أو بقرينة حالية أنه يعلمهما، وإنما يسأل عن شرائع الإسلام.
قال الكرماني رحمه الله ويمكن أن يُقال إنه سأل عن حقيقة الإيمان، وذكر له الشهادة فلم يسمعها طلحة؛ لبُعْدِ موضعه، أو لم ينقله لشهرته، وتعقبه محمود العيني بأنه بعيد، وفيه نسبة الراوي الصحابي إلى التقصير في تبليغ كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ندب الرسول عليه السلام إلى ضبط كلامه وحفظه وإبلاغه مثل ما سمعه منه في الحديث المشهور.
وإنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ إما لأنه لم يفرض حينئذ، أو لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال هل علي غيرها؟ فأجاب عليه السلام بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج واجبًا عليه، أو لأن الراوي اختصره.
وقد وقع في رواية إسماعيل بن جعفر عند المؤلف في «الصيام» [خ¦1891] أنه قال أَخبِرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال (( الصلوات الخمس ) )قال فأخبَرَه النبي صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام فدخل فيه باقي المفروضات، بل والمندوبات.
ج 1 ص 331
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَمْسُ صَلَوَاتٍ) يجوز فيه الرفع والنصب والجر، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو خمس صلوات، وأما النصب فعلى تقدير خذ خمس صلوات أو نحوها، وأما الجر فعلى أنه بدل من الإسلام؛ أي إقامة خمس صلوات، ففيه حذف مضاف؛ لأنَّ الذي من شرائع الإسلام هو إقامتها لا عينها.
(فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ) الرجل المذكور، وفي رواية بلا واو، (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟) مبتدأ مؤخر خبره مقدَّم، (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ) أي لا شيء عليك غيرها من الفرائض العينية، فلا تكون حجة على الحنفية _ حيث أوجبوا الوتر، على أنَّ نفي وجوب شيء آخر بالنظر إلى وقت الإخبار، والوتر لم يكن واجبًا حينئذ، كما أنه لم يذكر الحج لمثل ذلك فافهم [1] _ ولا على الاصطخري من الشافعية حيث قال إن صلاة العيد فرض كفاية.
(إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) بحذف إحدى التائين، استثناء متصل على ما اختاره أصحابنا، فإنه هو الأصل في الاستثناء، ويستدل به على أنَّ مَنْ شَرَعَ في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه إتمامه، وبقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] وبالإجماع على أنَّ حج التطوع يلزم بالشروع.
واختارت الشافعية كونه منقطعًا بمعنى لكن، والمعنى لكن يستحب لك التطوع، وعلى هذا لا يلزم النوافل بالشروع فيهما، لكن يُستحب إتمامها ولا يجب، بل يجوز قطعها.
وقيل هو من وادي قوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] ، وفي هذا المقام مقال تجده في (( عمدة القاري ) )لمحمود العيني.
(قَالَ) وفي رواية (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصِيَامُ) بالوجوه الثلاثة في إعرابه عطف على قوله (( خمس صلوات ) )، (رَمَضَانَ قَالَ) أي الرجل، (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ) فيلزمك إتمامه إذا شرعت فيه، أو لكن التطوع لك مستحب ولا يجب.
(قَالَ) أي الراوي طلحة بن عبيد الله، (وَذَكَرَ لَهُ) أي للرجل السائل، (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ) كأنه نسي ما نصَّ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو التبس عليه فقال «وذكر له الزكاة» ، وفي رواية أبي داود (( الصدقة ) )وهي بمعنى الزكاة كما في قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة 60] الآية، وهذا يُؤذن بأنَّ مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية، فإذا التبس عليه شيء من لفظه يشير إليه بما يُنْبِئُ عنه كما فعل الراوي هنا.
(قَالَ) وفي وراية أي الرجل المذكور، (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال) صلى الله عليه وسلم، (لاَ، إِلاَّ) أي لا يجب شيء إلاَّ أن تَطوَّع، ومعلوم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شيء آخر أصلًا
ج 1 ص 332
(أَنْ تَطَوَّعَ) والكلام فيه كالكلام فيما مرَّ.
(قَالَ) أي الراوي، (فَأَدْبَر) من الإدبار؛ أي تولى، (الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ) وفي رواية إسماعيل بن جعفر «والذي أكرمك» ، [خ¦1891] (لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ) أي لا أزيد على ما ذكرت، ولا أنقص منه شيئًا، لا يقال فعلى هذا كيف ثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنَّه لم يذكر المنهيات ولا جميع الواجبات؟ لأنه قد مر أنه جاء في رواية إسماعيل بن جعفر عند المؤلف في آخر هذا الحديث «قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام» . فهو كما ترى عام في جميع الواجبات والمنهيات والنوافل؛ لأنها من شرائع الإسلام أيضًا، وما قيل من أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل ورود النهي فمدفوع بأنَّ السائل على ما قيل هو ضِمام بن ثعلبة.
وقد قيل أنه وفد سنة خمس، وقيل بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعة قبل ذلك، ويحتمل أن يكون صدور هذا الكلام منه على سبيل المبالغة في التصديق والقَبول؛ أي قبلت كلامك فيما سألتك عنه قَبولًا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من طريق القَبول، أو معناه لا أزيد على ما سمعت ولا أَنْقُصُ منه عند الإبلاغ؛ لأنه كان وافد قومه جاء ليتعلم، ثم يعلمهم، لكن يُعكر عليهما رواية إسماعيل بن جعفر فإن نصها (( لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا ) ) [خ¦1891] وقيل مراده بقوله (( لا أزيد ولا أنقص ) )أي لا أُغَيِّر صفة الفرض كمن ينقص الظهر مثلًا ركعة، أو يزيد في المغرب، ويُعكر عليه أيضًا لفظ «التطوع» في وراية إسماعيل.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَفْلَحَ) من الفلاح وهو الفوز والبقاء، وقيل هو الظَّفَر وإدراك البغية، وقيل إنه عبارة عن أربعة أشياء بقاء بلا فناء، وغنى بلا فقر، وعز بلا ذل، وعلم بلا جهل قالوا ولا كلمة في اللغة أجمع للخيرات منه، والعرب تقول لكل من أصاب خيرًا مفلح.
وقال ابن دُريد أفلح الرجل وأنجح، أدرك مطلوبه؛ أي فاز ذلك الرجل.
(إِنْ صَدَقَ) في كلامه، وعند مسلم (( أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق ) )، ولأبي داود مثله لكن بحذف «أو» ، يفهم منه أنه إن لم يصدق لم يفلح بخلاف قول المرجئة فهذا دليل عليهم.
قال النووي قيل
ج 1 ص 333
الفلاح راجع إلى قوله (( ولا أنقص ) )خاصة، والمختار أنه راجع إليهما بمعنى إنه إذا لم يزد ولا ينقص كان مفلحًا؛ لأنه إذا أتى بما عليه فلا شك أنه مفلح وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحًا، وهذا مما يعرف بالضرورة؛ لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.
وفي الحديث فوائد
منها أن الصلاة ركن من أركان الإسلام وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن الصوم أيضًا ركن منها وهو في كل سنة شهر واحد، وأن الزكاة أيضًا ركن.
ومنها عدم وجوب قيام الليل في حق الأمة إجماعًا، وكذا في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأصح.
ومنها عدم وجوب العيدين.
ومنها عدم وجوب صوم يوم عاشوراء وغيره سوى رمضان، وهذا مجمع عليه الآن، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان واجبًا قبل رمضان أم لا؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى في الأظهر ما كان واجبًا، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى كان واجبًا.
ومنها أنه ليس في المال حقٌّ سوى الزكاة على مَن ملك نصابًا وتمَّ عليه الحول.
ومنها أنَّ من يأتي بالخصال المذكورة ويواظب عليها صار مفلحًا بلا شك.
ومنها أن السفر والارتحال من بلد إلى بلد لأجل تعلُّم علم الدِّين والسؤال عن الأكابر أمر مندوب.
ومنها جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة؛ لأن الرجل حلف هكذا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُنكِر عليه.
فإن قلت كيف أقرَّه على حلفه وقد ورد النكير على مَن حَلَفَ لا يفعل خيرًا؟
أجيب بأنَّ ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرض فهو مُفلح، وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه.
ومنها صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر واستدلال، لكنه يحتمل أن ذلك صح عنه بالدليل، وإنما أشكلت عليه الأحكام.
ومنها الرد على المرجئة؛ إذ شرط في فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض المذكورة كما تقدم إليه الإشارة.
ومنها جواز قَبول رمضان من غير ذِكر شهر.
ومنها استعمال الصدق في الخبر المستقبل، وأما الحَلْف بالأب كما وقع عند مسلم في هذا الحديث مع النهي عن الحَلْف بالآباء فقد قيل إنه كان قبل النهي، وقيل إنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحَلْف كما جرى على لسانهم (( تربت يمينك ) )والنهي إنما ورد في القاصد لحقيقة الحَلْف؛
ج 1 ص 334
لما فيه من تعظيمه المحلوف، وهذا هو الراجح عند العلماء.
وقال بعضهم فيه حذف مضاف تقديره ورب أبيه، وقيل هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويحتاج ذلك إلى دليل، وحُكي عن بعض المشايخ أنه قال هو تصحيف، وإنما كان و «الله» فقصَّر الكاتب اللامين فصار «وأبيه» .
واستنكر القرطبيُّ هذا وقال إنه يحزم الثقة بالروايات الصحيحة، وأغرب القرافي حيث ادَّعى أنَّ الرواية بلفظ (( وأبيه ) )لم تصح؛ لأنها ليست في (( الموطأ ) )ولا شك أنها ثابتة صحيحة بلا مرية.
ثمَّ إن المؤلِّف رحمه الله إنما خصَّ هذا الحديث بالإيراد في باب الزكاة من الإيمان وإن كان فيه دلالة على أنَّ الصوم والصلاة من الإيمان أيضًا؛ لأنه استغنى في غير هذا الباب بغير هذا الحديث ولم يجد في هذا الباب شيئًا آخر.
[1] في هامش الأصل وجه الفهم هو أنه على تقدير العلاوة يكون الاستثناء متصلًا على ما اختاره الحنفية وأما على تقدير ما قبل العلاوة فلا؛ لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع؛ لتباينهما. منه.