فهرس الكتاب

الصفحة 8506 من 11127

5716 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هو بندار، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غُنْدر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) أي ابن دِعامة، الأكمه المفسر (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) علي بن داود النَّاجي _ بالنون والجيم _، كذا لشعبة وسعيد بن أبي عَروبة، وخالفهما شيبان، فقال عن قتادة عن أبي الصِّدِّيق عن أبي سعيد أخرجه النَّسائي، ولم يرجِّح.

والَّذي يظهرُ طريق أبي المتوكل؛ لاتِّفاق الشَّيخين عليها، شعبة وسعيد أوَّلًا، ثمَّ البُخاري ومسلم ثانيًا. ووقع في رواية أحمد عن حجَّاج عن شعبة عن قتادة سمعت أبا المتوكِّل.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَخِي) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسم واحدٍ منهما (اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ) بفتح المثناة الفوقية واللام، و (( بطنُه ) )بالرَّفع على الفاعلية، كذا ضبطه القسطلاني. وضبطه الحافظُ العسقلاني بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام على البناء للمفعول؛ أي تواتر إسهال بطنه، وكثر خروجُ ما فيه. ووقع في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة في باب رابع من «كتاب الطِّب» (( هذا ابن [1] أخي يشتكِي بطنه ) ) [خ¦5684] . وفي رواية مسلم من طريقه (( قد عَرِبَ بطنه ) )وهي بالعين المهملة والراء المكسورة، ثمَّ الموحدة؛ أي فسد هضمه؛ لاعتلال المعدة، ومثله ذرب بالذال المعجمة بدل العين وزنًا ومعنى.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له (اسْقِهِ عَسَلًا) وعند الإسماعيلي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة (( اسقه العسل ) )واللام عهدية، والمراد عسل النَّحل، وهو مشهورٌ عندهم، وظاهره الأمر بسقيه صرفًا، ويحتمل أن يكون ممزوجًا (فَسَقَاهُ) أي العسل، وفيه حذف تقديره فلم ينجعْ، ولم يبرأ، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ إِنِّي سَقَيْتُهُ) العسل (فَلَمْ يَزِدْهُ إِلاَّ اسْتِطْلاَقًا) ووقع في رواية مسلم (( فسقاهُ، ثمَّ جاء فقال إنِّي سقيتُه فلم يزد

ج 24 ص 394

إلَّا استطلاقًا )) .

أخرجه عن محمد بن بشَّار الَّذي أخرجه البُخاري عنه، لكن قرنه بمحمَّد بن المثنى، وقال إنَّ اللَّفظ لمحمد بن مثنى. نعم، أخرجه التِّرمذي عن محمد بن بشار وحده بلفظ ثمَّ جاء فقال يا رسول الله قد سقيته عسلًا فلم يزده إلَّا استطلاقًا.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (صَدَقَ اللَّهُ) حيثُ قال {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل 69] (وَكَذَبَ) بالتخفيف؛ أي أخطأ (بَطْنُ أَخِيكَ) حيثُ لم يحصل له الشِّفاء كذا اختصره، وفي رواية التِّرمذي (( فقال اسقهِ عسلًا فسقاهُ، ثمَّ جاء فذكر مثله فقال صدق الله. .. إلى آخره ) ). وفي رواية مسلم فقال له ثلاث مرَّات، ثمَّ جاء الرَّابعة فقال (( اسقه عسلًا ) )فقال سقيتُه فلم يزده إلَّا استطلاقًا، فقال (( صدق الله. .. إلى آخره ) ). وعند أحمد عن يزيد بن هارون عن شعبة فذهب ثمَّ جاء فقال سقيتُه فلم يزده إلَّا استطلاقًا، فقال (( اسقه عسلًا ) )فساقه كذلك ثلاثًا، وفيه فقال في الرَّابعة (( اسقه عسلًا ) ). وعند الإسماعيلي من رواية خالد بن الحارث (( ثلاث مرَّات يقول فيهنَّ ما قال في الأولى ) ). وتقدَّم في رواية سعيد بن أبي عَروبة بلفظ ثمَّ أتاه الثَّانية، فقال (( اسقه عسلًا ) )، ثمَّ أتاه الثَّالثة، فقال (( صدق الله وكذب بطنُ أخيك ) ) [خ¦5684] زاد مسلم في روايته (( فسقاهُ فبرأ ) ). وكذا للتِّرمذي. وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال في الرَّابعة (( اسقه عسلًا ) )قال فأظنُّه قال فسقاهُ فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرَّابعة (( صدقَ الله وكذبَ بطنُ أخيك ) )، كذا وقع ليزيد بالشَّك، وفي رواية خالد بن الحارث فقال في الرَّابعة (( صدقَ الله وكذب بطنُ أخيك ) )، والَّذي اتَّفق عليه محمد بن جعفر ومن تابعه أرجح، وهو أنَّ هذا القول وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد الثَّالثة، وأمره أن يسقيَه عسلًا فسقاهُ في الرَّابعة فبرأ، وقد وقعَ في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة ثمَّ أتاه الثَّالثة فقال (( اسقهِ عسلًا ) )، ثمَّ أتاه فقال قد فعلت فسقاهُ فبرأ [خ¦5684] .

ج 24 ص 395

(تَابَعَهُ) أي تابع محمدَ بن جعفر (النَّضْرُ) بالنون والضاد المعجمة، ابنُ شُميل _ بالمعجمة _ مصغَّرًا في روايته (عَنْ شُعْبَةَ) وصل هذه المتابعة إسحاق بن راهويه في «مسنده» عن النَّضر، قال الإسماعيلي وتابعه أيضًا يحيى بن سعيد، وخالد بن الحارث، ويزيد بن هارون، أمَّا رواية يحيى فعند النَّسائي في «الكبرى» ، ورواية خالد فعند الإسماعيلي عن أبي يَعلى، ورواية يزيد عند أحمد، وتابعهم أيضًا حجَّاج بن محمد ورَوْح بن عبادة، وروايتهما عند أحمد أيضًا.

قال الخطَّابي وغيره أهلُ الحجاز يُطلقون الكذب في موضع الخطأ، يُقال كذبَ سمعك؛ أي زلَّ فلم يدرك حقيقةَ ما قيل له، فمعنى كذبَ بطنُه؛ أي لم يصلح لقبول الشِّفاء، بل زلَّ عنه.

وقد اعترض بعضُ الملاحدة فقال العسل مسهلٌ، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ والجوابُ أنَّ ذلك جهل من قائله، بل هو كقول الله تعالى {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس 39] ؛ فقد اتَّفق الأطباء على أنَّ المرضَ الواحد يختلفُ علاجه باختلاف السِّنِّ والعادة والزَّمان والغذاء المألوف، والتَّدبير وقوَّة الطَّبيعة، وعلى أنَّ الإسهالَ يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأُ عن تخمة.

واتَّفقوا على أنَّ علاجها بترك الطَّبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهلٍ [معيَّن] أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأنَّ هذا الرَّجل كان استطلاق بطنهِ عن تخمةٍ أصابته، فوصف له صلى الله عليه وسلم العسل؛ لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء؛ لما في العسل من الجلاء، ودفع الفضول التي تُصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنعُ استقراء الغذاء فيها.

وللمعدة خملٌ كخمل المنشفةِ، فإذا علقت بها الأخلاط اللَّزجة أفسدتْهَا وأفسدتِ الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها استعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شيءَ في ذلك مثل العسل، لاسيَّما إن مزج بالماء الحار، وإنَّما لم يفده في أوَّل مرَّة؛ لأنَّ الدَّواء يجبُ أن يكون له مقدار، وكمية بحسب الدَّاء إن قصرَ عنه لم يدفعه بالكلِّية وإن جاوزه، أو هي القوة وأحدث

ج 24 ص 396

ضررًا آخر فكأنَّه شرب منه أوَّلًا مقدارًا لا يفيء بمقاومة الدَّاء فأمرهُ بمعاودة سقيهِ، فلمَّا تكرَّرت الشربات بحسب مادة الدَّاء برأ بإذن الله تعالى.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم (( وكذب بطنُ أخيك ) )إشارة إلى أنَّ هذا الدَّواء نافعٌ، وأنَّ بقاء الدَّاء ليس لقصور الدَّواء في نفسه، ولكن لكثرةِ المادة الفاسدة، فمن ثمَّة أمره بمعاودةِ شرب العسل؛ لاستفراغها، فكان ذلك وبرأ بإذن الله تعالى.

قال الخطَّابي والطِّب نوعان طبُّ اليونان، وهو قياسيٌّ، وطبُّ العرب والهند، وهو تجاربيٌّ، وكان أكثر ما يصفه النَّبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلًا على طريقة طبِّ العرب، ومنه ما يكون ممَّا اطَّلع عليه بالوحي.

وقد قال صاحب كتاب «المائة في الطب» إنَّ العسلَ تارةً يجري سريعًا إلى العروقِ، وينفذ معه جلُّ الغذاء، ويدرُّ البول، فيكون قابضًا، وتارةً يبقى في المعدة فيهيجها بلدغها حتَّى يدفع الطَّعام، ويسهلُ البطن، فيكون مسهلًا فإنكار وضعهِ للمُنسهلِ مطلقًا قصور من المنكر.

وقال ابنُ القيم طبُّ النَّبي صلى الله عليه وسلم متيقَّنُ البرء لصدورهِ عن الوحي، وطبُّ غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلَّف الشِّفاء عن بعض من يستعمل طب النُّبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعفِ اعتقاد الشِّفاء به، وتلقيه بالقبول، وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن الَّذي هو شفاء لما في الصُّدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض النَّاس شفاء صدره به؛ لقصوره في الاعتقاد، والتَّلقِّي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلَّا رجسًا إلى رجسه، ومرضًا إلى مرضه، فطبُّ النُّبوة لا يناسب إلَّا الأبدان الطيبة، كما أنَّ شفاء القرآن لا يناسب إلَّا القلوب الطَّيبة، والله تعالى أعلم.

وقال ابن الجوزي في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال

أحدها أنَّه حمل الآية على عمومها في الشِّفاء، وإلى ذلك أشار بقوله (( صدق الله ) )أي في قوله {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل 69] فلمَّا نبَّهه على هذه الحكمة تلقَّاها بالقبول،

ج 24 ص 397

فشفيَ بإذن الله تعالى.

الثَّاني أنَّ الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التَّداوي بالعسل في الأمراض كلِّها.

الثَّالث أنَّ الموصوفَ له ذلك كانت به هيضة، كما تقدَّم تقريره.

الرَّابع يحتمل أن يكون أمرهُ بطبخ العسل قبلَ شربه، فإنَّه يعقدُ البلغم فلعلَّه شربه أوَّلًا بغير طبخ. انتهى. والثَّاني والرَّابع ضعيفان.

وفي كلام الخطَّابي احتمال آخر، وهو أن يكون الشِّفاء يحصل للمذكور ببركة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبركة وصفه ودعائه، فيكون خاصًّا بذلك الرَّجل دون غيره، وهو ضعيفٌ أيضًا.

ويؤيِّد الأوَّل حديث ابن مسعود رضي الله عنه (( عليكم بالشِّفاء من العسل والقرآن ) )أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا، وأخرجه ابنُ أبي شيبة والحاكم موقوفًا، ورجاله رجال الصَّحيح.

وأثر عليٍّ رضي الله عنه إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته من صداقها فليشتر به عسلًا، ثمَّ يأخذ ماء السَّماء، فيجمع هنيئًا مريئًا شفاء مباركًا، أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» بسندٍ حسنٍ.

قال ابن بطَّال يُؤخذ من قوله (( صدق الله وكذبَ بطنُ أخيك ) )أنَّ الألفاظ لا تُحمل على ظاهرها إذ لو كان كذلك لبرأ العليل من أوَّل شربه، فلمَّا لم يبرأ إلَّا بعد التِّكرار دلَّ على أنَّ الألفاظ تفتقرُ إلى معانيها، قال الحافظُ العسقلاني ولا يخفى تكلُّف هذا الانتزاع.

وقال ابن بطَّال أيضًا فيه أنَّ الذي يجعل الله فيه الشِّفاء قد يتخلَّف لتتم المدَّة التي قدر الله تعالى فيها الدَّاء، وقال غيره في قوله في رواية سعيد بن أبي عَرُوبة (( فسقاه وبَرَأ ) )بفتح الراء والهمز، بوزن قرأ، وهي لغة أهلِ الحجاز وغيرهم يقولها بكسر الراء بوزن عَلِم، ووقع في رواية أبي الصِّديق النَّاجي في آخره (( فسقاه فعافاه الله تعالى ) )، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد مرَّ الحديث في باب «الدَّواء بالعسل» أيضًا [خ¦5684] .

[1] هكذا في الأصل، وهو موافق لما في الفتح، والذي في العمدة والإرشاد (هذا أخي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت