فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 11127

521 -522 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللام، القعنبي (قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان أمير المؤمنين، أحد الخلفاء الراشدين (أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا) وفي رواية المؤلف في بدء الخلق (( أخَّرَ العصر شيئًا ) [خ¦3221] وفي تنكير يومًا دلالة على أنه فعل ذلك يومًا ما، لا أن ذلك عادة له وسجية كما كانت ملوك بني أمية تفعل، لا سيما العصر، فقد كان الوليد بن عتبة يؤخرها في زمن عثمان رضي الله عنه، وكان ابن مسعود رضي الله عنه ينكر عليه.

وقال عطاء أخَّر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، وكذا كان الحجاج يفعل.

وأما عمر بن عبد العزيز فإنه أخرها عن الوقت المستحب المرغب فيه لا عن الوقت، ولا يعتقد ذلك فيه لجلالته، وأما إنكار عروة عليه فإنما هو لتركه الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل عليه السلام.

وقال ابن عبد البر المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، وما رواه الطبراني _من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب في هذا الحديث قال دعا المؤذن لصلاة العصر فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها _فمحمول على أنه قارب المساء لا أنه دخل فيه، وقد جوز جمهور العلماء التأخير ما لم يخرج الوقت.

(فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوام (فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة) الصحابي (أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ) جملة اسمية وقعت حالًا عن المغيرة، وأراد بالعراق عراق العرب، وهو من عبادان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا.

وفي (( الموطأ ) )من رواية القعنبي وغيره وهو بالكوفة، وكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي خليفة عن القعنبي، والكوفة من جملة عراق العرب، وكان المغيرة بن شعبة إذ ذاك أميرًا على الكوفة من قِبَل معاوية بن أبي سفيان.

(فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي البَدْري (الأَنْصَارِيُّ) رضي الله عنه (فَقَالَ مَا هَذَا) أي التأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) وقعت الرواية

ج 3 ص 433

هكذا، وكان مقتضى ظاهر الكلام «ألستَ» بالخطاب، لكن أريد إدخال كلمة ليس على ضمير الشأن مخبرًا عنه بالجملة التي أسند فعلها إلى المخاطب.

وقال القشيري قال بعض فضلاء الأدب كذا الرواية، وهي جائزة، إلا أن المشهور في الاستعمال «ألستَ» . انتهى.

ويوهم ذلك جواز استعمال هذا التركيب مع إرادة أن يكون اسم ليس ضمير المخاطب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان لكل منهما مقام خاص، فإذا أريد إدخال كلمة ليس على ضمير المخاطب تعيَّن «ألست» ، وإذا أريد إدخالها على ضمير الشأن مخبرًا عنه بالجملة التي بعده تعين «أليس» ، وليس أحدهما بأفصح من الآخر فتدبر.

(قَدْ عَلِمْتَ) قال القاضي عياض يدل ظاهره على عِلْم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود؛ لعلمه بصحبة المغيرة، ويشعر به أنه ذكره بلفظ الاستفهام في قوله أليس.

لكن يؤيد الوجه الأول رواية شعيب عن ابن شهاب عند المؤلف أيضًا في غزوة بدر [خ¦4007] بلفظ فقال (( لقد علمت ) )بغير إرادة استفهام، ونحوه عن عبد الرزاق عن معمر، وابن جريج جميعًا.

(أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ) قد بين ابن إسحاق في (( المغازي ) )أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلوات، وهي ليلة الإسراء.

(فَصَلَّى) وفي رواية (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بالناس على ما روى ابن إسحاق قال حدثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق عن ابن جريج قال قال نافع بن جبير وغيره لما أصبح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الليلة التي أسري به لم يَرُعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى؛ أي صلاة الظهر، فأمر، فصيح بأصحابه. الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى به جبريل عليه السلام، وصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالناس، وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله الصلاة جامعة؛ لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ.

(ثُمَّ صَلَّى) جبريل عليه السلام (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى) جبريل عليه السلام (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتكرير صلاتهما خمس مرات، وعبَّر بالفاء في صلاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبِثُمَّ في صلاة جبريل عليه السلام؛ لأنها كانت متعقبة لصلاة جبريل عليه السلام؛ أي كانت بعد فراغه عنها، بخلاف صلاة جبريل عليه السلام فإنها كانت متراخية عن سابقها بزمان.

ج 3 ص 434

وقال القاضي عياض ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل عليه السلام، لكن المنصوص في غيره أنَّ جبريل أمَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعند المؤلف في رواية الليث [خ¦3221] (( نزل جبريل فأمَّني فصليت معه ) )الحديثَ.

وفي رواية عبد الرزاق عن معمر نزل فصلى، فصلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصلى الناس معه.

وقد تقدم رواية نافع بن جبير، فيحمل قوله صلى فصلى على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصَّلاة تابعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففعله؛ لأن ذلك حقيقة الائتمام.

وبهذا جزم النووي حيث قال معناه أنه كلما فعل جزءًا من الصلاة فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تكاملت صلاتهما.

هذا؛ وقيل الفاء بمعنى الواو؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ائتمَّ بجبريل يجب أن يكون مصليًا معه لا بعده، وإذا حملت الفاء على حقيقتها، وجب أن لا يكون مصليًا معه.

واعترض عليه بأن الفاء إذا كان بمعنى الواو يحتمل أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى قَبْل جبريل عليه السلام؛ لأن الواو لمطلق الجمع، والفاء لا تحتمل ذلك.

وأجيب بأن مجيء الفاء بمعنى الواو لا ينكر كما في قوله

~بَيْنَ الدَّخُولِ فحَوْمَلِ

والاحتمال الذي ذكره المعترض مدفوع بأن جبريل عليه السلام بصدد تبيين هيئة الصلاة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا يتصور أن تكون صلاته بعد صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ويمكن أن تكون الفاء للسببية كما في قوله تعالى {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص 15] .

(ثُمَّ قَالَ) جبريل عليه السلام للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِهَذَا) أي بأداء الصلاة في هذه الأوقات (أُمِرْت) روي _ بضم التاء وفتحها _، وعلى الوجهين هو على البناء للمفعول، والمشهور في الرواية هو الثاني، والمعنى هذا الذي أمرت به أن تصليه كل يوم وليلة، وبعبارة أخرى إن الذي أمرت به ليلة الإسراء مُجْملًا هذا تفسيره اليوم مفصلًا، وأما المعنى على الضم فهو أن جبريل عليه السلام أخبر عن نفسه بأن هذا الذي أُمِرتُ بتبليغه لك.

فإن قيل ليس فيه بيان أوقات هذه الصلوات؟.

فالجواب أنه أحاله على ما يعرفه المخاطب.

(فَقَالَ عُمَرُ) أي ابن عبد العزيز (لِعُرْوَةَ) بن الزبير (اعْلَمْ) بصيغة الأمر (مَا) أي الذي (تُحَدِّثُ بِهِ) تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره إياه؛ أي تأمل ما تقول فلعله بَلغَك عن غير ثبت.

وقال القرطبي ظاهره الإنكار؛ لأنه لم يكن عنده خبر من إمامة جبريل عليه السلام إما لأنه لم يبلغه، أو بَلَغَه فنسيه.

والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة رضي الله عنها، وذكر له حديث جبريل عليه السلام موطئًا له، ومعلمًا له بأن الأوقات إنما علم أصلها بإيقاف جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها. انتهى.

(أَ) حُدِّثت (وَ) علمت (أَنَّ جِبْرِيلَ) عليه السلام،

ج 3 ص 435

وقال السفاقسي الهمزة حرف الاستفهام دخلت على الواو فكان ذلك تقريرًا. وقال النووي الواو مفتوحة، و «أن» هاهنا تفتح وتكسر.

وقال صاحب (( الاقتضاب ) )كسر الهمزة أظهر؛ لأنه استئناف مستأنف إلا أنه ورد بالواو.

(هُوَ أَقَامَ) وفي رواية الأَصيلي (لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وللأَصيلي (وَقْتَ الصَّلاَةِ؟) بإفراد الوقت في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي بلفظ الجمع، وفي رواية ابن عساكر .

فلما أنكر عمر بن عبد العزيز ما حدَّثه عروة به من إمامة جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه الأوقات استثبت عروة فيه حيث. (قَالَ عُرْوَةُ) هو من مقول ابن شهاب على ما سيأتي في باب وقت العصر إن شاء الله تعالى [خ¦3221] ، لا تعليقٌ من البخاري رحمه الله (كَذَلِكَ) وفي رواية أبي ذر بالواو (كَانَ بَشِيرُ) بفتح الموحدة (بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) التابعي الجليل الأنصاري المدني له رؤية، وقال العجلي تابعي ثقة (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعود عقبة بن عمرو.

ثم قال ابن شهاب (قَالَ عُرْوَةُ) استثباتًا لما حدَّثه به أيضًا (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) رضي الله عنها (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) أي في بيتها.

قال ابن سيده الحجرة من البيوت معروفة، وقد سميت بذلك؛ لمنعها الداخل من الوصول إليها، يقال استحجر القوم واحتجروا اتخذوا حجرة.

وفي (( المنتهى ) (( الصحاح ) )الحجرة حظيرة للإبل، ومنه حجرة الدار تقول احتجرت حجرة؛ أي اتخذتها، والجمع حجر مثل غرفة، وغرف، وحجُرات _ بضم الجيم _.

(قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي تعلو، وقال الخطابي أي قبل أن تصعد الشمس إلى أعالي الحيطان.

ذكر في (( المُوعب ) )يقال ظهر فلان السطح إذا علاه.

وعن الزجاج في قوله تعالى {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف 97] ؛ أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإغلاسه.

وفي (( المنتهى ) )ظهرتُ البيتَ عَلَوته، وأظهرت بفلان أعليت به.

وفي كتاب ابن التين وغيره ظهر الرجل فوق السطح إذا علا فوقه، قيل وإنما قيل له ذلك؛ لأنه إذا علا فوقه فقد ظهر شخصه لمن تأمله.

وقيل معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها فيذهب، وكل شيء خرج فقد ظهر، والتفسير الأول أظهر وأليق بظاهر الحديث؛ لأن الضمير في قوله «تظهر» إنما هو راجع إلى الشمس، ولم يتقدم

ج 3 ص 436

للظل ذكر في الحديث.

ثم المراد من الشمس هو الفيء؛ لأن الشمس ظاهرة على كل حال من أول طلوعها إلى غروبها، وذلك كما سمي المطر سماء؛ لأنه من السماء ينزل، وكذا الفيء من الشمس.

وقد جاء في رواية (( لم يظهر الفيء من حجرتها ) )، وفي لفظ (( والشمس طالعة في حجرتي ) ).

فإن قيل ما وجه ذكر حديث عائشة رضي الله عنها بعد ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه؟.

فالجواب أن عروة احتج بحديث عائشة رضي الله عنها في كونه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها؛ لأنه يعين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي العصر في أول وقتها، وأما حديث أبي مسعود فإنما يُشعر [1] بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل عليه السلام.

ومن فوائد الحديث أن وقت الصلاة من فرائضها، وأنها لا تُجْزِئ قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء روي عن أبي موسى الأشعري، وعن بعض التابعين أجمع العلماء على خلافه، ولا وجه لذكره هاهنا؛ لأنه لا يصح عنهم، وصحَّ عن أبي موسى خلافه مما وافق الجماعة فصار اتفاقًا صحيحًا.

ومنها المبادرة بالصلاة في أول وقتها، وهذا هو الأصل، وإن روي الإبراد بالظهر، والإسفار بالفجر بالأحاديث الصحيحة.

ومنها جواز دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة، ومنها استثبات العالم فيما يستغربه السامع، والرجوع عند التنازع إلى السنة، ومنها أن الحجة في الحديث المسند دون المنقطع، ولذلك لم يقنع عمر به، فلما أُسِند إلى بشير بن أبي مسعود قَنِع به، فليتأمل.

ومنها فضيلة عمر بن عبد العزيز رحمه الله [2] ،

ومنها ما استدل عليه به قوم منهم ابن العربي من جواز صلاة المفترض خلف المُتَنَفِّل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلَّفين بمثل ما كلَّف به البشر.

وفيه أن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن جبريل عليه السلام كان مكلَّفًا بتبليغ تلك الصلوات، ولم يكن متنفِّلًا فتكون صلاة مفترض خلف مفترض.

وقال القاضي عياض يحتمل أن لا تكون تلك الصلوات واجبة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينئذ، ورد بأنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة.

واعترض عليه باحتمال أن الوجوب عليه كان معلَّقًا بالبيان فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة. ومنها جواز البنيان، ولكن ينبغي الاقتصار، ألا ترى أن جدار الحجرة كان قصيرًا، قال الحسن كنت أدخل بيوت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا محتلم، وأنال أسقفها بيدي.

ومنها ما استدل عليه به من يرى بجواز الائتمام بمن يأتم بغيره، وفيه أيضًا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مُبَلِّغًا فقط كما في قصة أبي بكر رضي الله عنه في صلاته خلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وصلاة الناس خلفه.

ومنها ما قال ابن بطال من أن فيه دليلًا على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل عليه

ج 3 ص 437

السلام أمَّ بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة.

قال لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل مع أن جبريل عليه السلام قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال الوقت ما بين هذين.

وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظلِّ الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس فحينئذ يتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون إنكار عروة لأجل مخالفة عمر ما واظب عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث، لكن في مواظبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصلاة في أول الوقت نظر لا يخفى، فتأمل.

فائدة قال ابن عبد البر هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأن ابن شهاب لم يقل حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروة لم يقل حدثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصيغ. انتهى.

وقال الكرماني اعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس بمتصل الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن جبريل نزل، الحديثَ.

وقال الحافظ العسقلاني مثل هذا لا يسمَّى منقطعًا، وإنَّما هو مرسل صحابي؛ لأنَّه لم يدرك القصَّة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه من صحابيٍّ آخر على أن رواية اللَّيث [خ¦3221] عند المصنِّف تزيل الإشكال كله، ولفظه فقال عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول، فذكر الحديث.

وكذا سياق ابن شهاب وإن كان ليس فيه التصريح له بسماعه له من عروة، وابن شهاب قد جُرِّب عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب قال كنا مع عمر بن عبد العزيز. .. فذكره.

وفي رواية شعيب عن الزهري سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز الحديث. انتهى.

وأما ما قاله العيني إن قول هذا القائل _ يريد به الحافظ العسقلاني _ رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله. .. إلى آخره غيرُ مُسلَّم في الرواية التي هاهنا؛ لأنها غير متصلة الإسناد بالنظر إلى الظاهر، وإن كانت

ج 3 ص 438

في نفس الأمر متصلة الإسناد، وكلام الكرماني بحسب الظاهر فغير متوجَّه عليه كما لا يخفى.

وقال القرطبي قول عروة «إن جبريل نزل» ليس فيه حجة واضحة على عمر ابن عبد العزيز؛ إذ لم يعيِّن له الأوقات.

قال وغاية ما يتوهم عليه أنه نبَّهه وذكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات قال وفيه بعد لإنكار عمر على عروة حيث قال له اعلم ما تحدِّث يا عروة قال وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم بإمامة جبريل عليه السلام.

هذا؛ وقال الحافظ العسقلاني لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل فلهذا استثبت فيه، وكأنه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا الكلام في المغيرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، قال ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه، والله أعلم.

وأما ما زاد عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن معمر عن الزهري في هذه القصة قال فلم يزل عمر يتعلم الصلاة بعلامة حتَّى فارق الدُّنيا.

ورواه أبو الشيخ في كتاب (( المواقيت ) )له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلَّم مواقيت الصلاة حتى مات.

ومن طريق إسماعيل بن حكيم أن عمر بن عبد العزيز جعل ساعات ينقضين مع غروب الشمس، وزاد من طريق ابن إسحاق عن الزهري فما أخَّرها حتى مات فكلُّه يدلُّ على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلا بعد أن حدَّثه عروة بالحديث المذكور، والله أعلم.

وقد ورد في هذه القصَّة من وجه آخر عن الزهري بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال ويوضِّح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبو داود وغيره، وصحَّحه ابن خزيمة وغيره من طريق ابن وهب، والطبراني من طريق يزيد ابن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزهري هذا الحديث بإسناده. وزاد في آخره قال أبو مسعود فرأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الظهر حين تزول الشمس، فذكر الحديث.

وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك قال وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق

ج 3 ص 439

عن عروة لم يذكر تفسيرًا. انتهى.

ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور في (( سننه ) )، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أسامة في (( مسنده ) ).

قال الحافظ العسقلاني وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل عليه السلام، وذلك فيما رواه الباغندي في (( مسند عمر ابن عبد العزيز ) )، والبيهقي في (( السنن الكبير ) )من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا.

لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن عبد البر، وليس في رواية مالك، ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا يوصف _والحال هذه _ بالشذوذ، والله أعلم.

[1] قوله (( وأما حديث أبي مسعود فإنما يشعر ) )ليس في (خ) .

[2] (( ومنها فضيلة عمر بن عبد العزيز رحمه الله ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت