فهرس الكتاب

الصفحة 8529 من 11127

5734 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال الحافظُ العسقلاني هو ابنُ راهويه، وقال الغسَّاني لعلَّه ابن منصور. قال العينيُّ إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج، أبو يعقوب المروزيُّ، انتقل بآخره إلى نيسابور، وهو شيخٌ مسلم أيضًا، قال (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة وبالنون، ابن هلال الباهلي البصري، ومن جملة من روى عنه إسحاق بن منصور، وهو يدلُّ على أنَّ الصَّواب مع الغسَّاني، قال (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) بضم الفاء وبالراء المخففة وآخره مثناة فوقية، واسم أبي فُرات عَمرو _ بفتح العين _ الكنديُّ المروزي، وهو من أفراد البُخاري.

قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، مصغَّر بردة، الأسلمي القاضي بمرو (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) بفتح التحتية وسكون العين المهملة وفتح الميم وضمها، المروزيُّ قاضيها (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أحمد من هذا الوجه (( عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) وفي رواية الكُشميهني بلفظ الماضي؛ أي من كافرٍ أو عاص، كما تقدَّم في قصَّة آل فرعون، وفي قصَّة أصحاب موسى عليه السَّلام مع بلعام [خ¦5728] (فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)

ج 24 ص 444

أي من هذه الأمة، ويُروى .

وفي حديث أبي عَسِيب عند أحمد (( فالطَّاعون شهادةٌ للمؤمنين، ورحمةٌ لهم، ورجسٌ على الكافر ) )، وهو صريحٌ في أنَّ كون الطَّاعون رحمة إنَّما هو خاصٌّ بالمسلمين، وكونه رحمة للمؤمنين من حيث إنَّها تتضمَّن مثل أجر الشَّهيد، وإن كان هو محنة صورةً، وإذا وقع بالكفَّار فإنَّما هو عذابٌ لهم يعجَّل لهم في الدُّنيا قبل الآخرة، وأمَّا العاصي من هذه الأمَّة فهل يكون له الطَّاعون شهادة، أو يختصُّ بالمؤمن الكامل؟ فيه نظر.

والمراد بالعاصي من يكون مرتكب الكبيرة، ويهجم عليه ذلك، وهو مصرٌّ، فإنَّه يحتمل أن يُقال لا يكرم بدرجة الشَّهادة؛ لشؤم ما كان متلبسًا به لقوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية 21] .

وأيضًا فقد وقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ما يدلُّ على أنَّ الطَّاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة أخرجه ابن ماجه والبيهقي بلفظ (( لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلنوا بها، إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاع الَّتي لم تكن مضتْ في أسلافهم ) ). وفي إسناده خالد بن زيد بن أبي مالك، وكان من فقهاء الشَّام، لكنَّه ضعيفٌ عند أحمد وابن معين وغيرهما، ووثَّقه أحمدُ بن صالح المصري، وأبو زرعة الدِّمشقي. وقال ابن حبَّان كان يخطئُ كثيرًا. وله شاهدٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «الموطأ» بلفظ (( ولا فشا الزِّنى في قومٍ قطُّ إلَّا كثر فيهم الموت ... ) )الحديث. قال الحافظُ العسقلاني وفيه انقطاعٌ. وأخرجهُ الحاكم من وجهٍ آخر موصولًا بلفظ (( إذا ظهر الزِّنى والرِّبا في قريةٍ فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله ) ). وفي رواية الطَّبراني من وجهٍ آخر موصولًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحو سياق مالك، وفي سنده مقالٌ. وله أيضًا من حديث عَمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ (( ما من قومٍ يظهر فيهم الزِّنى إلَّا أُخذوا بالفناء ) )الحديث، وسندهُ ضعيفٌ. وفي حديث بُريدة عند الحاكم بسندٍ جيِّدٍ بلفظ (( ولا ظهرت الفاحشة في قومٍ إلَّا سلَّط الله عليهم الموت ) ). وفي رواية أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( لا تزال أمَّتي بخيرٍ ما لم يفشُ فيهم ولد الزِّنا، فإذا فشا فيهم ولد الزِّنا، أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب ) )وسنده حسنٌ.

ففي هذه الأحاديث

ج 24 ص 445

أنَّ الطَّاعون قد يقع عقوبةً بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟ ويحتمل أن يُقال بل يحصل له درجة الشَّهادة لعموم الأخبار الواردة، ولاسيَّما في الحديث الذي قبله عن أنس رضي الله عنه (( الطَّاعون شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ ) ) [خ¦5732] ولا يلزم من حصول درجة الشَّهادة لمن اجترح السَّيِّئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة؛ لأنَّ درجات الشَّهادة متفاوتةٌ كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدًا في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا مقبلًا غير مدبرٍ.

ومن رحمة الله بهذه الأمَّة المحمديَّة أن يعجِّل لهم العقوبة في الدُّنيا، ولا ينافي ذلك أن يحصلَ لمن وقع به الطَّاعون أجر الشَّهادة، ولاسيَّما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنَّما عمَّهم_ والله أعلم_ لتقاعدهم عن إنكار المنكر. وقد أخرج أحمد وصحَّحه ابن حبَّان من حديث عُتبة رفعه (( القتل ثلاثةٌ رجلٌ جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتَّى إذا لقيَ العدو قاتلهم حتَّى يُقتل، فذاك الشَّهيد المُفتخِر في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النَّبيون إلَّا بدرجة النُّبوة، ورجلٌ مؤمنٌ قَرَفَ على نفسه من الذُّنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتَّى إذا لقي العدو قاتلهم حتَّى يُقتل، فانمحت خطاياه، إنَّ السَّيف محَّاءٌ للخطايا، ورجلٌ منافقٌ جاهد بنفسه وماله حتَّى يُقتل فهو في النَّار، إنَّ السَّيف لا يمحو النِّفاق ) ).

وأمَّا الحديث الآخر الصَّحيح (( إنَّ الشَّهيد يغفر له كلُّ شيءٍ إلَّا الدين ) )فإنَّه يستفاد منه أن الشَّهادة لا تُكفِّر التَّبعات، وحصول التَّبعات لا يمنع حصول درجة الشَّهادة، وليس للشَّهادة معنى إلَّا أنَّ الله تعالى يثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا ويكرمه كرامة زائدة.

وقد بيَّن الحديث أنَّ الله يتجاوز عنه ما عدا التَّبعات فلو فُرِض أنَّ للشَّهيد أعمالًا صالحة، وقد كَفَّرت الشَّهادة أعماله السَّيئة غير التَّبعات فإنَّ أعماله الصَّالحة تنفعُه في موازنة ما عليه من التَّبعات، ويبقى له درجة الشَّهادة خالصة، وإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة.

(فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ) أي مسلم (يَقَعُ الطَّاعُونُ) أي في مكان هو فيه (فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ) وفي رواية أحمد (( في بيته ) )، ويأتي في «القدر» بلفظ

ج 24 ص 446

(( يكون فيه ويمكث فيه فلا يخرج من البلد ) ) [خ¦6619] أي التي وقع فيها الطَّاعون، وقوله (( في بلده ) )ممَّا تنازع فيه الفعلان أعني قوله (( يقع ) )، وقوله (( فيمكث ) ) (صَابِرًا) أي حال كونه صابرًا غير منزعجٍ ولا قلقٍ، بل مسلِّمًا لأمر الله راضيًا بقضائه، وهذا قيدٌ في حصول أجر الشَّهادة لمن يموت بالطَّاعون، وهو أن يمكثَ بالمكان الَّذي يقع به فلا يخرج فرارًا منه، كما تقدَّم النَّهي عنه في الباب الَّذي قبله صريحًا [خ¦5730] .

(يَعْلَمُ) أي حال كونه يعلم (أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ) وهذا قيدٌ آخر في ذلك، فلو مكث وهو قلقٌ، أو متندِّم على عدم الخروج ظانًّا، أنَّه لو خرج لما وقع به أصلًا ورأسًا، وأنَّه بإقامته يقع به، فهذا لا يحصلُ له أجر الشَّهيد، ولو مات بالطَّاعون هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث كما اقتضى منطوقه أنَّ من اتَّصف بالصِّفات المذكورة يحصلُ له أجر الشَّهيد، ولو لم يمت بالطَّاعون.

ويدخل تحته ثلاث صورٍ من اتَّصف بذلك فوقع به الطَّاعون فمات به، أو وقعَ به، ولم يمت به، أو لم يقع به أصلًا ومات بغيره عاجلًا، أو آجلًا.

(إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ) ولعل السِّرَّ في التَّعبير بالمثليَّة مع ثبوت التَّصريح بأن من مات من الطَّاعون كان شهيدًا أن من لم يمت من هؤلاء بالطَّاعون كان له مثل أجر الشَّهيد، وإن لم يحصل له درجة الشَّهادة بعينها.

وذلك لأنَّ من اتَّصف بكونه شهيدًا أعلى درجة ممَّن وعد بأنَّه يعطى مثل أجر الشَّهيد، ويكون كمن خرج على نيَّة الجهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، فمات بسببٍ غير القتل، أمَّا ما اقتضاه مفهوم حديث الباب أنَّ من اتَّصف بالصِّفات المذكورة ووقع به الطَّاعون، ثمَّ لم يمت منه أنَّه يحصل له ثواب الشَّهيد، فيشهد له حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه الَّذي أخرجه أحمد من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة أنَّ أبا محمد أخبره، وكان من أصحاب ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه حدَّثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ أكثر شهداء أمَّتي لأصحاب الفرش، وربَّ قتيلٍ

ج 24 ص 447

بين الصَّفين الله أعلم بنيَّته )) والضَّمير في قوله «أنَّه» ، لابن مسعود، فإنَّ أحمد أخرجه في مسند ابن مسعود، ورجالٌ سنده موثقون.

ويستنبط من الحديث أنَّ من اتَّصف بالصِّفات المذكورة، ثمَّ وقع به الطَّاعون فمات به يكون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدُّد الثَّواب بتعدُّد الأسباب كمن يموت غريبًا بالطَّاعون، أو نفساء مع الصَّبر والاحتساب. ولتَّحقيق فيما اقتضاه حديث الباب أنَّه يكون شهيدًا بوقوع الطَّاعون به، ويُضاف إليه مثل أجر الشَّهيد؛ لصبره وثباته، فإنَّ درجة الشَّهادة شيءٌ، وأجر الشَّهادة شيء.

وقد أشار إلى ذلك الشَّيخ أبو محمد بن أبي جمرة وقال هذا هو السِّرُّ في قوله (( والمطعون شهيدٌ ) )، وفي قوله في هذا (( فله مثل أجر شهيدٍ ) ). ويمكن أن يُقال بل درجات الشُّهداء متفاوتةٌ فأرفعها من اتَّصف بالصِّفات المذكورة ومات بالطَّاعون، ودونه في المرتبة من اتَّصف بها وطعن، ولم يمت به، ودونه من اتَّصف، ثمَّ لم يطعنْ، ولم يمت به.

ويستفاد من الحديث أيضًا أنَّ من لم يتَّصف بالصِّفات المذكورة لا يكون شهيدًا، ولو وقع الطَّاعون ومات به فضلًا عن أن يموتَ بغيره، وذلك ينشأُ من شوم الاعتراض الَّذي ينشأ عنه التَّضجُّر والتَّسخُّط لقدر الله، وكراهة لقائه، وما أشبه ذلك من الأمور الَّتي تفوت معها الخصال المشروطة، والله تعالى أعلم.

وقد جاء في بعض الأحاديث استواء شهيدِ الطَّاعون وشهيد المعركة، فأخرج أحمد بسندٍ حسنٍ عن عتبة بن عبد السلمي رفعه (( يأتي الشُّهداء والمتوفون بالطَّاعون فيقول أصحاب الطَّاعون نحن شهداء، فيُقال انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشُّهداء تسيل دمًا، وريحها كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك ) ). رواه الطَّبراني في «الكبير» بإسنادٍ لا بأس به، فيه إسماعيل بن عياش، وروايته عن الشَّاميين مقبولةٌ، وهذا منها. وله شاهدٌ من حديث العرباض بن سارية أخرجه أحمد أيضًا بسندٍ حسنٍ، والنَّسائي أيضًا مرفوعًا بلفظ (( يختصم الشُّهداء

ج 24 ص 448

والمتوفون على فرشهم إلى ربِّنا عزَّ وجلَّ في الَّذين ماتوا بالطَّاعون، فيقول الشُّهداء إخواننا قُتلوا كما قتلنا، ويقول الَّذين ماتوا على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول الله عزَّ وجلَّ انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنَّهم منهم، ومعهم، فإذ جراحهم أشبهتْ جراحهم )) .

زاد الكلاباذي في «معاني الأخبار» من هذا الوجه في آخره (( فيلحقون بهم ) ).

(تَابَعَهُ) أي تابع حبَّان بن هلال (النَّضْرُ) هو ابنُ شُمَيل (عَنْ دَاوُدَ) هو ابنُ أبي الفرات. وقد أخرج طريق النَّضر في كتاب «القدر» عن إسحاق بن إبراهيم عنه [خ¦6619] ، وتقدَّم موصولًا أيضًا في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسماعيل [خ¦3474] ، وأخرجه أحمدُ عن عفَّان، وعبد الصَّمد بن عبد الوارث، وأبي عبد الرَّحمن المقرئ، والنَّسائي من طريق يونس بن محمد المؤدِّب كلهم عن داود بن أبي الفرات.

وأراد البُخاري رحمه الله بذكر هذه المتابعة إزالة توهُّم من يتوهم تفرُّد حبَّان بن هلال، فيظنُّ أنَّه لم يروه غيره، ولم يُرِد الحصر فيهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت