فهرس الكتاب

الصفحة 8581 من 11127

5767 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) الدِّمشقي ثمَّ التِّنِّيسي الكلاعي الحافظ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) الفقيه العمري (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلاَنِ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على تسميتهما، وقد زعم جماعة أنَّهما الزِّبْرقان _ بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبالقاف _، واسمه الحُصين، ولُقِّب الزِّبرقان لحسنه.

والزِّبْرقان

ج 24 ص 549

من أسماء القمر، وهو ابنُ بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بَهْدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم البهدلي السَّعدي التَّميمي، يكنى أبا عياش، أسلم وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقاتِ قومه، وأقرَّه أبو بكر رضي الله عنه، وكذا عمر رضي الله عنه على ذلك. وقال الأصمعي الزِّبْرقان القمر، والزِّبرقان الرَّجل الخفيف اللِّحية.

وعَمرو بن الأهتم التَّميمي أبو ربعي، والأهتم أبوه اسمه سنان بن خالد بن سُمَي، يجتمع مع الزِّبرقان في كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم فهما تميميان، قَدِما وافدين في وجوه بني تميم على النَّبي صلى الله عليه وسلم سنة تسعٍ من الهجرة.

(مِنَ الْمَشْرِقِ) أي من جهة المشرق، وكانت سكنى بني تميم من جهة العراق، وهي في شرق المدينة (فَخَطَبَا) وقد استندَ إلى تعيينهما إلى ما أخرجه البيهقيُّ في «الدلائل» ، وغيره من طريق مِقْسم عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال جلسَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزِّبْرقانُ بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم ففخر الزِّبرقان، فقال يا رسول الله أنا سيد بني تميم والمطاعُ فيهم والمجاب، أمنعهم من الظُّلم وآخذ منهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك؛ يعني عَمرو بن الأهتم، فقال عَمرو إنَّه لشديد المعارضة مانع لجانبه مُطاع في أدنيه، فقال الزِّبرقان والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال؟ وما منعه أن يتكلَّم إلَّا الحسد، فقال عَمرو أنا أحسدك والله يا رسول الله إنَّه لئيم الحالِ، حديثُ المال، أحمقُ الوالد، مضيعُ في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخيرة، ولكنِّي رجلٌ إذا رضيتُ قلت أحسنَ ما علمتُ، وإذا غضبت قلت أقبحَ ما وجدتُ.

(فَعَجِبَ النَّاسُ) منهما (لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ) الذي هو إظهار المقصود بأبلغ لفظ وهو من الفهم وذكاء القلب، وأصله الكشف والظهور (لَسِحْرًا، أَوْ) قال صلى الله عليه وسلم (إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ) شكٌّ من الرَّاوي، «فمن» للتَّبعيض، والمعنى إنَّه شبيه بالسِّحر في جلب العقول، من حيثُ إنَّه خارق للعادة، قال الخطَّابي البيان اثنان أحدهما ما تقع به الإبانة عن المراد بأيِّ وجهٍ كان. والآخر ما دخلته الصَّنعة بحيث يروق للسَّامعين ويستميلُ قلوبهم، وهو الَّذي

ج 24 ص 550

يُشَّبه بالسِّحر إذا خَلَب القلبَ، وغلب النَّفس حتَّى يحوِّل الشَّيء عن حقيقتهِ، ويصرفُه عن جهته فيلوح للنَّاظر في معرض غيره، وهذا إذا صرف إلى الحقِّ، وتُعقِّب بأنَّه لا مانعَ من تسمية الآخر سحرًا؛ لأنَّ السِّحر يطلقُ على الاستمالة، كما تقدَّم تقريره في أوَّل باب «السِّحر» [خ¦5763 قبل] .

وقد حمل بعضهم الحديث على المدحِ، والحث على تحسين الكلام، وتحبير الألفاظ، وهذا واضحٌ إذا صحَّ أنَّ الحديث ورد في قصَّة عَمرو بن الأهتم. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنَّ رجلًا طلب إليه حاجة كان يتعذَّر عليه إسعافه بها، فاستمال قلبه بالكلام، ثمَّ أنجزهَا له، ثمَّ قال هذا هو السِّحر الحلال، وحمله بعضهم على الذَّمِّ لمن تصنَّع في الكلام، وتكلَّف لتحسينهِ وصرف الشَّيء عن ظاهرهِ فشبَّه بالسِّحر الَّذي هو تخييلٌ بغير حقيقة.

وإلى هذا أشار مالك حيث أدخلَ هذا الحديث في «الموطأ» في باب ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله، وقالوا إنَّه صلى الله عليه وسلم شبَّه البيان بالسِّحر والسِّحر مذمومٌ محرَّم قليله وكثيره، وذلك لما في البيان من التَّفيهق، وتصوير الباطل في صورة الحقِّ، وقد قال صلى الله عليه وسلم (( أبغضكم إليَّ الثَّرثارون المتفيهقون ) )ويُقال إنَّ من البيان ما يكسبُ صاحبه من الإثم ما يكتسبه السَّاحر بسحره، أو هو الرَّجل يكون على الحقِّ وهو ألحنُ بحجَّته من صاحب الحقِّ فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحقِّ وشاهدُه قوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّكم تختصمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضُكم أن يكون ألحنَ بحجَّته من بعضٍ فأقضي له على نحو ما أسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيهِ فلا يأخذه ) )الحديث [خ¦2680] .

وحمل الحديث على هذا صحيحٌ لكن لا يمنع حمله على المعنى الآخر إذا كان في تزيين الحقِّ، وبهذا جزم ابنُ العربيِّ وغيره من فضلاء المالكيَّة.

وقال ابن بطَّال أحسن ما يقال في هذا أنَّ هذا الحديث ليس ذمًّا للبيان كلِّه ولا مدحًا؛ لقوله «من البيان» فأتى بلفظ «من» التَّبعيضية، أو أن بعضَ البيان، وكيف يذمُّ البيان كله وقد امتنَّ الله به على عباده حيث قال {خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن 3 - 4] انتهى.

والذي يظهر أنَّ المراد بالبيان في الآية المعنى الأوَّل الَّذي نبَّه عليه الخطَّابي لا خصوصَ ما نحن فيه، وقد اتَّفق العُلماء على مدح الإيجاز والإتيان بالمعاني الكثيرة

ج 24 ص 551

بالألفاظ اليسيرةِ، وعلى مدح الإطناب في مقامِ الخطابة بحسبِ المقام، وهذا كلُّه من البيان بالمعنى الثَّاني، نعم الإفراط في كلِّ شيءٍ مذمومٌ وخير الأمور أوسطها.

وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» والحقُّ أنَّ الكلام إذا كان ذا وجهين يختلف بحسب المغزى، والمقاصد؛ لأنَّ مورد المَثَل على ما رُوِي كان منه صلى الله عليه وسلم في قصَّة الزِّبْرقان وعَمرو كان استحسانًا.

لكن تعقَّب الحافظُ العسقلاني القول بأن الرَّجلين المذكورين في حديث الباب، أنَّهما الزِّبرقان وعَمرو فقال بعد ما ذكر ما سبق من قولهما وهذا لا يلزم منه أن يكونا هما المراد بحديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنَّ المتكلِّم إنَّما هو عَمرو بين الأهتم وحدَه، وكان كلامه في مراجعة الزِّبرقان فلا يصحُّ نسبة الخطبة إليهما إلَّا على طريق التجوز.

وفي «جامع عبد الرزاق» من جهة مجاهد قال «خطب النَّبي صلى الله عليه وسلم خطبةً في بعض الأمر، ثمَّ قام أبو بكر رضي الله عنه فخطبَ خطبةً دونها، ثمَّ قام عمر رضي الله عنه فخطب خطبةً دون خطبة أبي بكرٍ، ثمَّ قام شابٌّ فاستأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، فأذن له فطوَّل الخطبة، فلم يزل يخطبُ حتَّى قال له النَّبي صلى الله عليه وسلم هيه، أو كما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال إنَّ الله لم يبعث نبيًّا إلَّا مبلغًا، وأن يستعيذَ من الشَّيطان، وإنَّ من البيان لسحرًا، أو من البيان سحرٌ» .

قال الشَّيخ الحافظ أبو الخير السَّخَاوي فهذه خلاف القصَّة الأخرى جزمًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد سبق في «النِّكاح» في باب «الخطبة» [خ¦5146] ، وأخرجه أبو داود في «الأدب» ، والتِّرمذي في «أبواب البر» ، ورواه أكثر رواة «الموطأ» مرسلًا ليس فيه ابن عمر، قاله ابن بشكوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت