526 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابن سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزيادة (ابْنُ زُرَيْعٍ) بضم الزاي وفتح الراء وسكون الياء وفي آخره عين مهملة (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن طرخان أبو المعتمر (التَّيْمِيِّ) البصري، وقد مر في باب من خص بالعلم قومًا [خ¦129] .
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مِلِّ _ بكسر الميم وضمها وتشديد اللام _، وقيل الميم مثلثة (النَّهْدِيِّ) بفتح النون وسكون الهاء وبالدال المهملة، نسبة إلى نهد بن زيد بن ليث بن أسلُم _ بضم اللام _ ابن إلحاف بن قضَاعة، أسْلَم على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يَلْقَه، ولكنه أدى إليه الصدقات، عاش نحو مائة وثلاثين سنة، ومات سنة خمس وتسعين، وإنه كان ليصلي حتى يغشى عليه.
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون ما خلا قتيبة، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي. وقد أخرج متنه المؤلف في التفسير أيضًا [خ¦4687] ، وأخرجه مسلم في «التوبة» ، والترمذي، والنسائي في «التفسير» ، وابن ماجه في «الصلاة» .
(أَنَّ رَجُلًا) هو أبو اليَسَر _ بفتح المثناة التحتية والسين المهملة _ كعب بن عمر
ج 3 ص 447
السلمي البدري الأنصاري، وقد صرح به الترمذي في روايته، قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال أخبرنا يزيد بن هارون قال أخبرنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر قال أتتني امرأة تبتاع تمرًا فقلتُ إن في البيت تمرًا أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبَّلتها، فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال استر على نفسك وتب، فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر فأتيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له فقال (( أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا ) )حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار، قال فأطرق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طويلًا حتى أوحي إليه {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود 114] . قال أبو اليَسَر فأتيته فقرأها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليَّ، فقال أصحابه يا رسول؛ الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال (( بل للناس عامة ) )، ثم قال هذا حديث حسن غريب. وقيس بن الربيع ضعَّفه وكيع وغيره.
وفي (( تفسير ابن مردويه ) )عن أبي أمامة أن رجلًا جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله؛ أقم فيَّ حد الله مرة أو مرتين، فأعرَضَ عنه، ثم أقيمت الصلاة فأنزل الله تعالى الآية.
وروى أبو علي الطُّوسي في كتاب (( الأحكام ) )من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ رضي الله عنه قال _ ولم يسمع منه _ أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل فقال يا رسول الله أرأيت رجلًا لقي امرأة، وليس بينهما معرفة، فليس يأتي الرجل شيئًا إلى امرأته إلا قد أتاه إليها، إلا أنه لم يجامعها، فأنزل الله الآية، فأمره أن يتوضأ ويصلي، قال معاذ فقلت يا رسول الله؛ أهي له خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال (( بل للمؤمنين عامة ) ).
وروى مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه يا رسول الله؛ إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض فيَّ بما شئته فقال عمر رضي الله عنه لقد سترك الله لو سترت على نفسك، ولم يرد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئًا، فانطلق الرجل فأتْبعَهُ رجلًا فتلا عليه هذه الآية.
(أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمها، ولكن جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار (قُبْلَةً) بضم القاف؛ أي فقط من غير مجامعة (فَأَتَى) ذلك الرجل (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد أن ندم على فعله، وعزم على تلافي حاله (فَأَخْبَرَهُ) بما أصابه (فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} ) قال الثعلبي طرفي النهار الغداة والعشي.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما يعني صلاة الصبح، وصلاة المغرب، وقال مجاهد صلاة الفجر، وصلاة العشي، وقال الضحاك الفجر والعصر، وقال مقاتل صلاة الفجر، والظهر طَرَف، وصلاة العصر، والمغرب طرف، وانتصاب {طرفي النهار} على الظرفية؛ لأنهما مضافان إلى الوقت كقولك أقمت عنده جميع النهار. وهذا على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه.
( {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} ) أي وساعات منه قريبة من النهار فإنه مِنْ أزْلَفه إذا قربه قيل المراد صلاة العتمة، وقال الحسن المغرب، والعشاء، وقال الأخفش صلاة الليل، وقال الزجاج معناه الصلاة القريبة من أول الليل.
وقال قطب الدين وتبعه علاء الدين المراد المغرب، والعشاء، والوتر لكون الزلف جمعًا، وهي جمع زلفة. وقراءة الجمهور _ بضم الزاي وفتح اللام _،
ج 3 ص 448
وقرأ أبو جعفر بضمهما.
وقرأ ابن محيصن _ بضم الزاي وجزم اللام _. وقرأ مجاهد (( زُلْفَى ) )مثل قربى.
وفي (( المحكم ) )زلف الليل ساعات من أوله، وقيل هي ساعات الليل الأخيرة القريبة من النهار، وساعات النهار الأخيرة القريبة من الليل.
وفي (( جامع القزاز ) )الزلفة القربة من الخير والشر، وانتصاب {زلفًا} على أنه عطف على {الصلاة} ؛ أي أقم الصلاة طرفي النهار، وأقم زلفًا من الليل، أو على {طرفي النهار} ؛ أي في زلف من الليل.
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ} [هود 114] أي يُكفِّرن (السَّيِّئَاتِ) أي الصغائر، قال القرطبي لم يختلف أحد من أهل التأويل أن الحسنات في هذه الآية يراد بها الفرائض.
(فَقَالَ) هذا (الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي) بهمزة الاستفهام، ولي خبر مقدم، وقوله (هَذَا) مبتدأ مؤخر قدَّم الخبرَ ليفيد الاختصاص (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو (لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ) وقوله «كلهم» للمبالغة في التأكيد، وهو ساقط في رواية المستملي على ما قاله الحافظ العسقلاني، والعيني.
ثم إن كون نزول هذه الآية في أبي اليسر هو المشهور، وهو أصح الأقوال أيضًا.
وقيل نزلت في عمرو بن غزية بن عمرو الأنصاري أبو حبَّة _ بالموحدة المشددة _ التمَّار رواه أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاءت امرأة على عمرو بن غزية تبتاع تمرًا فقال إن في بيتي تمرًا فانطلقي أبيعك منه، فلما دخلت البيت بطش بها فصنع بها كل شيء إلا أنه لم يقع عليها، فلما ذهب عنه الشيطان ندم على ما صنع، وأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله؛ ناولت امرأة فصنعت بها كل شيء يصنع الرجل بامرأته إلا أني لم أقع عليها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما أدري ) )، ولم يَرُدَّ عليه شيئًا، فبَيْنَا هم كذلك، إذ حضرت الصلاة فصلوا فنزلت {أَقِمِ الصَّلَاةَ} الآيةَ.
وقيل إنه ابن مُعْتب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خيثمة في (( تاريخه ) )من حديث إبراهيم النخعي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( رجل من الأنصار يقال له ابن معتب ) )فذكر الحديث.
وقيل إنه أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري ذكره مقاتل في (( نوادر التفسير ) )، وقال هو الذي نزل فيه {أقم الصلاة} ، وقيل هو نبهان التمار.
وزعم الثعلبي أن نبهان لم ينزل فيه إلا قوله تعالى {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآيةَ [آل عمران 135] .
هذا؛ وقد وقع في رواية أن أبا اليسر المذكور أولًا كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها إن في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبَّلها فقالت له اتق الله فتركها وندم، فأتى
ج 3 ص 449
رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بما فعل فقال (( انتظر أمر ربي ) )فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اذهب فإنها كفارة لما عملت ) ).
وروي أن عمر رضي الله عنه قال ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال (( بل للناس عامة ) ).
ومن فوائد الحديث عدم وجوب الحد في القبلة، وشبهها من اللمس، ونحوه من الصغائر، وهو من اللمم المعفو عنه باجتناب الكبائر بنص القرآن.
وقال صاحب (( التوضيح ) )وقد يُستدل به على أنه لا حد، ولا أدب على الرجل والمرأة، وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر. انتهى.
وقال محمود العيني سلمنا في نفي الحد، ولا نسلم في نفي الأدب سيما في هذا الزمان.
ومنها أن إقامة الصلوات الخمس تجري مجرى التوبة في الصغائر.
ومنها أن باب التوبة مفتوح، والتوبة مقبولة قيل وفي الآية الكريمة دليل على قول أبي حنيفة أن التنوير بصلاة الفجر أفضل، وأن تأخير العصر أفضل ذلك؛ لأن ظاهر الآية يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار، وطرفا النهار وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها.
وأجمعت الأمة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروع فقد تعذَّر العمل بظاهر هذه الآية، ووجب حملها على المجاز، وهو أن يكون المراد إقامة الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار؛ لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه، فإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر النظم، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها قبله، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل كل شيء مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عند ما صار ظل كل شيء مثله، والمجاز كلما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى.
ومنها الدلالة على وجوب الوتر؛ لأن قوله {وَزُلَفًا} يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في زلف من الليل، وذلك لأنه عطف على الصلاة في قوله {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} أو على قوله طرفي النهار فيكون التقدير وأقم الصلاة في زلف من الليل، والزلف جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فالواجب إقامة الصلاة في الأوقات الثلاثة، فالوقتان للمغرب والعشاء، والوقت الثالث للوتر فيجب الحكم بوجوبه.
وقال صاحب (( التوضيح ) )ذكر هذا
ج 3 ص 450
شيخنا قطب الدين وتبعه علاء الدين، وهي نزغة، ولا نسلم لهما ذلك.
وقال محمود العيني لا نسلم له؛ لأن عدم التسليم بعد إقامة الدليل مكابرة.
وأنا أقول إن عدم التسليم إنما يكون بعد إقامة الدليل لشبهة فيه، فتأمل.