فهرس الكتاب

الصفحة 8599 من 11127

5782 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) المدني (عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ) أبي عتبة (مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ) بفتح الفوقية وسكون التحتية (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بتصغيرهما من غير إضافة لشيء (مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ) بتقديم الزاي المضمومة على الراء مصغَّرًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) وتقدَّم في «بدء الخلق» [خ¦3320] بلفظ شراب، ووقع في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه عند النَّسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبَّان (( إذا وقع في الطَّعام ) )والتَّعبير بالإناء أشملُ، وكذا وقع في حديث أنس رضي الله عنه

ج 24 ص 580

عند البزَّار (فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ) أمر إرشادٍ لمقابلة الدَّاء بالدَّواء، وفي قوله «كله» ، رفع توهُّم المجاز في الاكتفاء بغمسِ بعضه؛ أي فيما وقع فيه (ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ) بعد استخراجه من الإناء، وفي رواية سليمان بن بلال (( ثمَّ لينزعه ) ) [خ¦3320] وقد وقع في رواية عبد الله بن المثنى عن عمِّه ثمامة أنَّه حدَّثه، قال كنَّا عند أنسٍ رضي الله عنه فوقع ذبابٌ في إناء، فقال أنس بإصبعه فغمسه في ذلك الماء ثلاثًا، ثمَّ قال بسم الله، وقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفعلوا ذلك. أخرجه البزَّار ورجاله ثقاتٌ، ورواه حمَّاد بن سلمة عن ثمامة، فقال عن أبي هُريرة ورجَّحها أبو حاتم.

(فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ شِفَاءً) وفي رواية أبي ذرٍّ والجناح يذكَّر ويؤنث لكن جزم الصَّغَّاني بأنَّه لا يؤنث، وصوب التَّذكير، وقيل أنَّث باعتبار اليد وحقيقته للطَّائر، ويُقال لغيره على سبيل المجاز، كما في قوله تعالى {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء 24] .

ووقع في رواية أبي داود، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق سعيد المقبُري عن أبي هُريرة رضي الله عنه، وأنَّه يتَّقي بجناحه الَّذي فيه الدَّاء، ولم يقع تعيينُ الجناح الَّذي فيه الشِّفاء، ولكن ذكر عن بعض العُلماء أنَّه تأمَّله فوجده يتَّقي بجناحه الأيسر فعرفَ أنَّ الأيمن هو الَّذي فيه الشِّفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة، وفي حديث أبي سعيدٍ المذكور، وأنَّه يقدِّم السُّمَّ ويُؤخر الشِّفاء.

ويستفاد من هذه الرِّواية تفسير الدَّاء الواقع في حديث الباب من قوله (وَفِي الآخَرِ) وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي نسخة بحذف حرف الجرِّ، وكذا وقع في رواية سليمان بن بلال (( فإنَّ في إحدى جناحيه داءٌ والأخرى شفاءٌ ) ) [خ¦3320] واستدلَّ به لمن يُجيز العطف على معمول عاملين كالأخفش. وعلى هذا فيقرأ بخفض «الآخر» وبنصب «شفاء» فعطف الآخر على «أحد» ، وعطف «شفاء» على «داء» والعامل في «أحد» حرف في، والعامل في «داء» أن، وهما عاملان في «الآخر» و «شفاء» ، وسيبويه لا يجيزُ ذلك، ويقول إنَّ حرف الجرِّ حذف وبقي العمل. وقد وقع صريحًا في الرِّواية الأخرى «وفي الآخر شفاء» ، ويجوز رفع «شفاء» على الاستئناف.

(دَاءً) وأنَّ المراد به السُّم فيستغني عن التَّخريج الَّذي تكلَّفه بعضُ الشُّرَّاح، فقال إنَّ في اللَّفظ مجازًا وهو كون الدَّاء في أحدِ الجناحين، فهو إمَّا من مجاز الحذف، والتَّقدير فإنَّ في أحد جناحيه سبب داء، وإمَّا مبالغة بأن يجعلَ كلَّ الدَّاء في أحدِ جناحيه لما كان سببًا له.

وقال آخر يحتملُ أن يكون الدَّاء ما يعرضُ في نفس الأمر من التَّكبُّر عن أكله حتَّى ربما كان سببًا لترك ذلك الطَّعام وإتلافهِ، والدَّواء ما يحصلُ من قمعِ النَّفس

ج 24 ص 581

وحملها على التَّواضع، واستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الماء القليل لا ينجسُ بوقوع ما لا نفسَ له سائلة فيه.

ووجه الاستدلال كما رواه البيهقيُّ عن الشَّافعي أنَّه صلى الله عليه وسلم لا يأمرُ بغمس ما ينجِّس الماء إذا مات فيه؛ لأنَّ ذلك إفساد.

وقال بعضُ من خالف ذلك لا يلزم من غمس الذُّباب موته، فقد يغمسه برفقٍ فلا يموت، والحيُّ لا يُنجِّس ما يقع فيه، كما صرَّح البغويُّ باستنباطه من هذا الحديث، وقال أبو الطَّيِّب الطَّبري لم يقصد النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث بيان النَّجاسة والطَّهارة، وإنَّما قصد بيان التَّداوي من ضرر الذُّباب، وكذا لم يقصد بالنَّهي عن الصَّلاة في معاطنِ الإبل والإذن في مَراحِ الغنم طهارةً ولا نجاسة، وإنَّما أشار إلى أنَّ الخشوعَ لا يوجدُ مع الإبل دون الغنم.

قال الحافظُ العسقلاني وهو كلامٌ صحيحٌ إلَّا أنَّه لا يمنع أن يستنبطَ منه حكمٌ آخر، فإنَّ الأمر بغمسهِ يتناول صورًا منها أن يغمسَه محترزًا عن موته، كما هو المدَّعى هنا، وأن لا يحترزَ بل يغمسُه سواء مات أم لم يمتْ.

ويتناول ما لو كان الطَّعام حارًا، فإنَّ الغالبَ أنَّه في هذه الصُّورة يموتُ بخلاف الطَّعام البارد، فلمَّا لم يقعِ التَّقييد حُمِل على العموم لكن فيه نظرٌ؛ لأنَّه مطلق يصدق بصورة، فإذا قام الدَّليل على صورة معينة حمل عليها.

واستشكل ابنُ دقيق العيد إلحاق غير الذُّباب به في الحكم المذكور بطريقٍ أخرى، فقال وردَ النَّصُّ في الذُّباب فعدُّوه إلى كلِّ ما لا نفس له سائلة، وفيه نظرٌ لجواز أن تكون العلَّة في الذُّباب قاصرةٌ، وهي عمومُ البلوى به، وهذه مستنبطةٌ، أو التَّعليل بأن في أحد جناحيه داءٌ والآخر شفاءٌ، وهذه منصوصةٌ وهذان المعنيان لا يوجدان في غيره فيبعد كون العلَّة مجرَّد كونه لا دم له سائل، بل الَّذي يظهر أنَّه جزء علَّة لا علة كاملة، انتهى.

وقد رجَّح جماعةٌ من المتأخِّرين أنَّ ما يعم وقوعه في الماء كالذُّباب والبعوض لا ينجسُ الماء، وما لا يعمُّ كالعقارب

ج 24 ص 582

ينجسُ وهو قويٌّ. وقال الخطَّابي تكلَّم على هذا الحديثِ من لا خلاقَ له، فقال كيف يجتمعُ الشِّفاء والدَّاء في جناحَي الذُّباب، وكيف يعلمُ ذلك من نفسه حتَّى يقدِّمَ جناح الدَّاء ويؤخِّر جناحَ الشِّفاء، وما ألجأهُ إلى ذلك.

قال وهذا سؤال جاهلٌ أو متجاهلٌ فإنَّ كثيرًا من الحيوانات قد جمع الصِّفات المتضادَّة، وقد ألَّف الله بينها وبين قهرها على الاجتماع وجعلَ منها قوى الحيوان، وأنَّ الذي ألهمَ النَّحلة اتِّخاذ البيت العجيب الصَّنعة للتَّعسيل فيه، وألهمَ النَّملة أن يدَّخر قوتها لأوان حاجتها وأن يكسرَ الحبَّة نصفين لئلَّا يستنبتَ لقادر على إلهام الذُّبابة أن يقدمَ جناحًا ويؤخِّر أخرى.

وقال ابنُ الجوزي ما نقل عن هذا القائل ليس بعجيبٍ، فإنَّ النَّحلة تعسل من أعلاها وتلقِّي السَّم من أسفلها، والحيَّة القاتل سمُّها [تدخل في] لحومها في التِّرياق الذي يُعالج به السَّم، والذُّبابة يُسحقُ مع الإثمد لجلاء البصرِ، وذكر بعضُ حذَّاق الأطبَّاء أنَّ في الذُّباب قوَّة سمِّية يدلُّ عليها الورم، والحكَّة العارضة عن لسعهِ، وهي بمنزلةِ السِّلاح له، فإذا سقطَ الذُّباب فيما يُؤذيه تلقَّاه بسلاحٍ، فأمر الشَّارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشِّفاء، فتقابل المادتان، فيزول الضَّرر بإذن الله تعالى، واستدلَّ بقوله «ثمَّ لينزعه» على أنَّها تتنجسُّ بالموت، كما هو أصحُّ القولين للشَّافعي، والقول الآخر كقول أبي حنيفة أنَّها لا تتنجَّس، والله تعالى أعلم.

والحاصل أنَّه لا ينكر ذلك إلَّا من لم يشرح الله صدرَه بنورِ المعرفة، ولا حاجةَ لنا مع قولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصَّادق والمصدوق إلى النَّظائر، وأقوال أهل الطِّب الذين ما وصلوا إلى علمهم إلَّا بالتَّجربة والتَّجربة خطر، والله على كلِّ شيءٍ قدير، وله الحمدُ والمنَّة.

ج 24 ص 583

خاتمة اشتمل «كتاب الطِّب» من الأحاديث المرفوعة على مائة حديث وثمانية عشر حديثًا، المعلق منها ثمانية عشر طريقًا، والبقيَّة موصولة، المكرر منها فيه، وفيما مضى خمسة وثمانون طريقًا، والخالص ثلاثة وثلاثون، وافقه مسلمٌ على تخريجها سوى حديث أبي هُريرة في نزول الدَّاء والشِّفاء [خ¦5678] ، وحديث ابن عبَّاس الشِّفاء في ثلاث [خ¦5680] ، وحديث عائشة في الحبَّة السَّوداء [خ¦5687] ، وحديث أبي هريرة فرَّ من المجذوم [خ¦5707] ، وحديث أنسٍ رخَّص لأهل بيتٍ في الرُّقية [خ¦5719 ٍ] ، وحديث أنس (( اشف أنت الشَّافي ) ) [خ¦5742] ، وحديثه أنَّ أبا طلحة كواه [خ¦5719] ، وحديث عائشة في الصَّبر على الطَّاعون [خ¦5734] ، وفيه من الآثار عن الصَّحابة ومن بعدهم ستة عشر أثرًا. [1]

ج 24 ص 584

[1] في خاتمة الأصل قد وقع الفراغ بمَنِّ الله وتوفيقه من تنميق هذه القطعة الرابعة والعشرين من (( شرح الجامع الصحيح ) )للإمام البخاري رحمة ربه الباري على يد جامعها، الفقير إلى عناية ربه الصَّمد، أبي محمَّد عبد الله بن محمد بن يوسف المدعو بيوسف أفندي زادَه، جعلَ الله الهدى والتُّقى زاده، وأصلح حاله وجعلَ إلى الخير مآله، وقت الضَّحوة الكبرى يوم الأحد السادس عشر من أيام شهر جمادى الآخرة المنتظم في سلك شهور السنة السابعة والخمسين بعد المائة والألف من تاريخ هجرة من يأخذ العفو ويأمرُ بالعرف، ويتلوها القطعة المبتدأة بكتاب اللِّباس إن شاء الله الملك العزيز الوهاب، يسَّر الله إتمامها وإتمام تواليها إلى آخر الكتاب، وجعلَها ذخرًا له ليوم الحشر والحساب، بحرمةِ نبيِّنا وشفيعنا وطبيبِ قلوبنا وقرَّة أعيننا محمَّد عليه صلوات الله الملك الوهاب، وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار والذين اتَّبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت