527 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) الطيالسي البصري، وسقط في رواية الأَصيلي لفظ (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجاج (قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ) بفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبالزاي قبل الألف وبالراء بعدها، ابن حُريث _ بضم المهملة وبالمثلثة _ الكوفي.
(أَخْبَرَنِي) بالإفراد وهو خبر لقوله الوليد، إذ هو مبتدأ (قَالَ) أي الوليد (سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو) وهو سعْد بن إياس _ بسكون العين وكسر الهمزة وتخفيف الياء _ (الشَّيْبَانِيَّ) المخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وعاش مائة وعشرين سنة قال أذكر أني سمعت بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة _ بالظاء المعجمة _، وتكامل شبابي يوم القادسية، فكنت يومئذ ابن أربعين سنة، وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ) هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كذا رواه شعبة مبهمًا، ورواه مالك بن مغلول عند المؤلف في الجهاد [خ¦2782] ، وأبو إسحاق الشيباني في التوحيد عن الوليد فصرَّحا باسم عبد الله.
وكذا رواه النسائي من طريق أبي معاوية النخعي عن أبي عمرو الشيباني، وأحمد من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه.
ومع هذا، في قوله (وَأَشَارَ)
ج 3 ص 451
أي أبو عمرو الشيباني (بِيَدِهِ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ) الغِنىَ عن التصريح (قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ) وفي رواية مالك بن مغول (( أي العمل أفضل ) ) [خ¦2782] ، وكذا لأكثر الرواة.
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) أي مستعليًا على وقتها، ومتمكِّنًا من أدائها في أي جزء من أجزائها، واتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور وهو قوله على وقتها، وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال (( الصلاة في أول وقتها ) )أخرجه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي.
وقال النووي في (( شرح المهذب ) )إن رواية في أول وقتها ضعيفة. انتهى.
وذلك لأنه قال الدارقطني ما أحسب أنه حفظه؛ لأنه كبر، وتغير حفظه، وكأن من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة «على» ؛ لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعين أوله.
ثم إن فائدة قوله على وقتها تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه، وسيجيء الكلام [خ¦2782] فيه إن شاء الله تعالى.
(قَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (قُلْتُ) لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ أَيٌّ) بالتشديد والتنوين.
وقال الفاكهاني في (( شرح العمدة ) )إنه غير مُنَوَّن؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده.
وقال ابن الجوزي في هذا الحديث (( أيٌّ ) )مشدَّد منوَّن كذلك سمعت من ابن الخشاب، وقال لا يجوز إلا تنوينه؛ لأنه معرب غير مضاف.
وقال الزركشي في (( تعليق العمدة ) )إنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف والتقدير ثم أيُّ العمل أحب، فيوقف عليه بلا تنوين؛ أي بإسكان الياء.
وتعقَّب بأنه فهم أنَّ ابن الخشَّاب نفى كونه مضافًا مطلقًا حتى أورده عليه أنه مضاف تقديرًا، وليس هذا مراده قطعًا؛ إذ هو بصدد تعليله إيجاب التنوين فيه، وهو يثبت بكونه غير مضاف لفظًا، وتقدير الإضافة لا يوجب عدم ثبوته، بل ولا يجوزه، فافهم.
وقال محمود العيني قالت النحاة إن أيًَّا الموصولة، والشرطية، والاستفهامية معربة دائمًا.
نعم؛ قد نص سيبويه على أنها تعرب، ولكنها تبنى إذا أضيفت، وأنكر عليه الزجاج فقال ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين هذا أحدهما، فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت، فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت؟.
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) بالإحسان إليهما، والقيام بخدمتهما، وترك العقوق، والإساءة إليهما، من بر يبر فهو بار، وجمعه بررة، والبِر _ بكسر الباء _ الإحسان، وفي رواية .
وقال بعضهم هذا الحديث موافق لقوله تعالى {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان 14] وكأنه أخذه من تفسير ابن عيينة حيث قال من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه فقد شكر لهما.
(قَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه قلت (ثُمَّ أَيٌّ) بالتشديد والتنوين أيضًا
ج 3 ص 452
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهو المحاربة مع الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال، والحكمة في تخصيص هذه الأشياء الثلاثة بالذِّكر أنها أفضل الأعمال بعد الإيمان، فمن ضيَّع الصلاة التي هي عماد الدين مع العلم بفضيلتها كان لغيرها من أمر الدين أشد تضييعًا، وأشد تهاونًا واستخفافًا، وكذا من ترك بر والديه فهو لغير ذلك من حقوق الله أشد تركًا، وكذا الجهاد من تركه مع قدرته عليه عند تعيُّنه، فهو لغير ذلك من الأعمال التي يتقرب بها إلا الله أشد تركًا، فالمحافظ على هذه الثلاثة محافظ على ما سواها، والمضيع لها كان لما سواها أضيع.
وقال ابن بَزِيْزة الذي يقتضيه النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن؛ لأن فيه بذل النفس إلا أن الصبر على الصلوات وأدائها في أوقاتها، والمحافظة على بر الوالدين أمر لازم متكرر لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه إلا الصدِّيقون.
(قَالَ) أي ابن مسعود رضي الله عنه (حَدَّثَنِي بِهِنَّ) أي بهذه الأشياء الثلاثة رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو تأكيد وتقرير لما تقدَّم، إذ لا ريب أن اللفظ صريح في ذلك وهو أرفع درجات التحمل (وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ) أي طلبت منه الزيادة بالسؤال (لَزَادَنِي) رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجواب، ثم طلب الزيادة يحتمل أن يكون أرادها من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، ويحتمل أن يكون أرادها من مطلق المسائل المحتاج إليها.
وفي رواية الترمذي من طريق المسعودي عن الوليد (( فسكتَ عني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو استزدته لزادني ) )، فكأنه فِهم منه السآمة، واستشعر منه المشقة، ويؤيده ما في رواية مسلم (( فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه ) )أي شفقة عليه لئلا يسأم.
ومن فوائد الحديث أن أعمال البر يَفْضُل بعضها على بعض عند الله.
فإن قيل ورد أن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام، وورد أيضًا أن أحب الأعمال إلى الله أدومه، وغير ذلك فما وجه التوفيق؟.
فالجواب أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجاب كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان ذلك الاختلاف باختلاف الأوقات بأن يكون هذا العمل أفضل في ذلك الوقت منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد تظاهرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل.
ويمكن أن يقال إن «أفضل» ليس على بابها، بل المراد بها الزيادة المطلقة، أو المراد «مِنْ أفضلِ الأعمال» فحذفت «مِنْ» وهي مرادة.
وقال ابن دقيق العيد
ج 3 ص 453
الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذ بينه وبين حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أفضل الأعمال إيمان بالله ) )الحديثَ.
وقال غيره المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين؛ لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون بِرُّهُما مقدمًا عليه.
ومنها ما قال ابن بطال إنَّ البِدَار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب.
وقال الحافظ العسقلاني وتبعه في ذلك محمود العيني _ وإن ادعى أنه قاله استقلالًا لا تبعًا له _ إن لفظ الحديث لا يدل على ما ذكره ابن بطال.
وقال ابن دقيق العيد ليس في هذا اللفظ؛ أي في لفظ الحديث ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء، وتعقِّب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ «أحب» يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت.
وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإذا وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فيكون الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسي، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب.
فإن قيل روى الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم «الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الآخر عفو الله» ، والعفو لا يكون إلا عند التقصير.
فالجواب أنه قال ابن حبان لمَّا رواه في (( كتاب الضعفاء ) )تفرَّد به يعقوب بن الوليد وكان يضع الحديث، وقال أبو حاتم الرازي هو موضوع.
وقال الميموني سمعت أبا عبد الله يقول لا أعرف شيئًا يثبت في أوقات الصلاة أولها كذا، وأوسطها كذا؛ يعني مغفرة ورضوانًا. ومنها تعظيم الوالدين، وبيان فضلهما، ووجوب الإحسان إليهما ولو كانا كافرين. ومنها السؤال عن مسائل شتىً في وقت واحد، وجواز تكرير السؤال، والرِفق بالعالِمِ والتوقف عن الإكثار عليه خشية مِلاَله، وما كان عليه الصحابة من تعظيم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والشفقة عليه، وما كان هو عليه من إرشاد
ج 3 ص 454
المسترشدين ولو شق عليه.
ومنها أن الإشارة تتنزل منزلة التصريح إذا كانت معينة للمشار إليه مميزة عن غيره، ولهذا إذا طلَّق الأخرس امرأته بالإشارة المفهمة يقع طلاقه بحسب الإشارة، وكذا سائر تصرفاته.
ثم رجال إسناد هذا الحديث ما بين بصري وكوفي.
وقد أخرج متنه المؤلف في الجهاد [خ¦2782] ، والأدب [خ¦5970] ، والتوحيد أيضًا [خ¦7534] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، والترمذي في «الصلاة» وفي «البر» و «الصلة» ، والنسائي في «الصلاة» .