فهرس الكتاب

الصفحة 863 من 11127

528 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزاي، ابن محمد بن حمزة الزبيدي المدني، وقد مرَّ في كتاب الإيمان [خ¦51] (قَالَ حَدَّثَنِي) وفي رواية (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزاي، واسمه عبد العزيز، واسم أبي حازم سلمة بن دينار المدني، مات فجأة يوم الجمعة في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ساجد (وَ) عبد العزيز بن محمد بن عبيد.

(الدَّرَاوَرْدِيُّ) نسبة إلى دَرَاوَرْد _ بفتح الدال والراء المهملتين ثم ألف ثم واو مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مهملة _، قرية بخراسان، وقال أكثرهم منسوب إلى دار بجرد مدينة بفارس، وهي من شواذ النسب (عَنْ يَزِيدَ) من الزيادة، وفي رواية زيادة ، وفي أخرى أي ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد اللَّيثي، الأعرج، التابعي الصغير، مات سنة تسع وثلاثين ومئة.

(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التيمي التابعي راوي حديث (( إنما الأعمال بالنيات ) ) [خ¦1] مات سنة عشرين ومئة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين، وفيه اثنان كل منهما عبد العزيز، وقد أخرج متنه مسلم في «الصلاة» ، وكذا النسائي، وأخرجه الترمذي في «الأمثال» .

(أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَرَأَيْتُمْ) بهمزة الاستفهام التقريري، ومعناه أخبروني، ويروى و «كُمْ» حرفُ خطاب أكَّد به الضمير، ولا محل له من الإعراب؛ لأنك تقول أرأيتك زيدًا ما شأنه، فلو جعل مفعولًا كما قاله الكوفيون تعدى الفعل إلى ثلاثة مفاعيل، فكأنهم قالوا عن أي شيء تسأل يا رسول الله.

فقال (لَوْ) ثبت (أَنَّ نَهرًا) بفتح الهاء وسكونها، ما بين جنبي الوادي

ج 3 ص 455

سمي به لسِعَتِه كما سُمِّي النهار نهارًا لِسَعَة ضوئه (بِبَابِ أَحَدِكُمْ) ظرف مستقر خبر لأن (يَغْتَسِلُ) أي حال كونه يغتسل (فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا) أي خمس مراتٍ (مَا تَقُولُ) ؟ أي أيها السامع، وفي رواية مسلم (( تقولون ) )أي أي شيءٍ تظن أيها السامع؟.

(ذَلِكَ) أي الاغتسال، فالقول بمعنى الظن، وكلمة الاستفهام مفعوله الأول قُدِّم عليه؛ لأن لها صدر الكلام، وذلك مفعوله الثاني.

وقال ابن مالك فيه شاهد على إجراء القول مجرى الظن، والشرط فيه أن يكون فعلًا مضارعًا مسندًا إلى المخاطب متصلًا باستفهام كما في هذا الحديث، ولغة سُلَيم إجراء فعل القول مجرى الظن بلا شرط، فيجوز على لغتهم أن يقال قلت زيدًا منطلقًا ونحوه.

وقال الطيبي كلمة «لو» تقتضي أن تدخل على الفعل، وأن تجاب لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا، كما يدل عليه قوله (يُبْقِي) بضم أوله وكسر ثالثه من الإبقاء بالموحدة.

وحكى القاضي عياض عن بعض شيوخه من الإنقاء بالنون، والأول أوجه.

(مِنْ دَرَنِهِ) بفتح الدال المهملة والراء، وهو الوسخ، وقد يطلق الدرن على الحَبِّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد، وزاد مسلم لفظ (( شيئًا ) )على أنه مفعول يبقى، وهو على معنى الاستفهام أيضًا؛ أي أيبقي ذلك الاغتسال من درنه، فيكون تقريرًا لما قبله وتوضيحًا.

ويجوز أن تكون كلمة «ما» الاستفهامية منصوبًا بكلمة «يبقى» ، وقوله (( يبقي ) )مفعول «تقول» الثاني، لكنه بعيد لفظًا ومعنىً، فافهم.

(قَالُوا لاَ يُبْقِي) أي لا يبقي ذلك الفعل أو الاغتسال (مِنْ دَرَنِهِ) أي وسخه (شَيْئًا) نُصِب على أنه مفعول «لا يُبقي» لكونه من الإبقاء، وفي رواية مسلم (( لا يبقي من درنه شيءٌ ) )بالرفع على أنه فاعل «لا يَبقَى» _ بفتح الياء والقاف _.

قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَذَلِكَ) جواب شرطٍ محذوف؛ أي إذا تقرر ذلك عندكم فهو (مَثَلُ) بفتح الميم والمثلثة، أو _ بكسر الميم وسكون المثلثة _ (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ) أي بأداء الصلوات، وبذلك التأويل ذُكِّرَ الضمير، وفي رواية بالتأنيث؛ أي بالصلوات (الْخَطَايَا) وفائدة التمثيل التأكيد وجعل المعقول كالمحسوس.

قال الطيبي في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب؛ لأنهم لم يقتصروا في الجواب على «لا» بل أعادوا اللفظ تأكيدًا.

وقال ابن العربي وجه التمثيل أن المرء كما يتدنَّس بالأقذار المحسوسة

ج 3 ص 456

في بدنه وثيابه ويطهُره الماءُ الكثير، فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذَنْبًا إلا أسقطته. انتهى.

وظاهره أن المراد بالخطايا ما هو أعم من الصغائر والكبائر، لكن قال ابن بَطَّال يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة؛ لأنه شَبَّه الخطايا بالدرن، والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والجراحات. انتهى.

وهو مبني على أن المراد بالدرن في الحديث هو الحب، والظاهر أن المراد به الوسخ؛ لأنه هو الذي يناسبه التنظف والتطهر.

وقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه التصريح بذلك، وهو فيما أخرجه البزار والطبراني بإسنادٍ لا بأس به من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد يُحدِّث أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول أرأيت لو أن رجلًا كان له مُعْتَمَل وبين منزله ومُعْتَملِهِ خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه وسخٌ أو عَرَقٌ فكلما مر بنهرٍ اغتسل منه، الحديثَ.

ولهذا قال القرطبي ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب وهو مُشْكل، لكن روى مسلم قبله حديث العلاء عن أبيه مرفوعًا (( الصلوات الخمس كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر ) )فعلى هذا المقيد يحمل ما أطلق في غيره.

وقال ابن بَزِيْزَة في (( شرح الأحكام ) )يتوجه على حديث العلاء إشكال يصعب التخلص منه، وذلك أن الصغائر بنص القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تُكفِّره الصلوات الخمس. انتهى.

وقد أجاب عنه الإمام البلقيني بأن السؤال غير وارد؛ لأن مراد الله تعالى وهو أعلم بمراده أن تجتنبوا في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان، أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكفِّر ما بينها؛ أي في يومها إذا اجتُنِبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى.

وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن تركها لم يَعُد مجتنبًا من الكبائر [1] فتوقف التكفير على فعلها، والله أعلم.

وقد فصَّل الإمام البلقيني أحوال الإنسان

ج 3 ص 457

بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة فقال ينحصر في خمسة

أحدها أن لا يصدر منه شيء؛ فهذا يُعاوَضُ برفع الدرجات.

ثانيها أن يأتيها بصغائر بلا إصرار؛ فهذا يُكفر عنه جزمًا.

ثالثها مثله لكن مع الإصرار؛ فلا يكفَّر إذا قلنا إن الإصرار على الصغائر كبيرة.

رابعها أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر.

خامسها أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر بل تكفر الصغائر، ويحتمل أن لا تكفر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به، لا يكفر شيءٌ، إما لاختلاط الكبائر والصغائر أو لتمحض الكبائر، أو تكفر الصغائر [2] فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين فلا يُعْمَل به.

ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر أن هناك كبائر، ومقتضى «ما اجتنبت الكبائر» أن لا كبائر فيُصَان الحديث عنه.

تذييل قال الحافظ العسقلاني لم أرَهُ في شيء من طرقه عند أحد من الأئمة الستة وأحمد بلفظ ما تقول إلا عند البخاري، وليس هو عند أبي داود أصلًا، وهو عند ابن ماجه من حديث عثمان لا من حديث أبي هريرة، ولفظ مسلم (( أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مراتٍ هل كان يبقى من درنه شيء ) )؟.

وعلى لفظه اقتصر عبد الحق في (( الجمع بين الصحيحين ) )، وكذا الحُمَيدي، ووقع في كلام بعض المتأخرين بعد أن ساقه بلفظ (( ما تقولون ) )أنه في (( الصحيحين ) )والسنن الأربعة وكأنه أراد أصل الحديث، لكن يرد عليه أنه ليس عند أبي داود أصلًا ولا ابن ماجه من حديث أبي هريرة، ووقع في بعض النسخ المتأخرة من البخاري بالياء التحتانية، فزعم بعض أهل العصر أنه غلط، وأنه لا يصح من حيث المعنى، وأخطأ في ذلك بل له وجه وجيه، والتقدير ما يقول أحدكم، والله أعلم.

[1] هكذا في الأصل، ولعل الصواب «مجتنبًا للكبائر» .

[2] (( من قوله إما لاختلاط. .. إلى قوله الصغائر ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت