5825 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر العبديُّ مولاهم الحافظ بُنْدَار، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفيُّ، وصرَّح به الإسماعيليُّ. قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وفي رواية أبي يَعلى حدَّثنا سويد بن سعيد حدَّثنا عبد الوهاب الثَّقفيُّ
ج 25 ص 72
بسنده، وزاد فيه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (أَنَّ رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء، ابن شموال القرظي من بني قُرَيظة. قال ابن عبد البرِّ يقال رفاعة بن رفاعة، وهو أحد العشرة الَّذين نزلت فيهم {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} الآية [القصص 51] ، كما رواه الطَّبراني في «معجمه» ، وابن مَرْدويه في «تفسيره» من حديث رفاعة بإسنادٍ صحيحٍ.
(طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) لم يقع في رواية البخاريِّ ولا بقيَّة الكتب السِّتَّة تسمية امرأة رفاعة، وقد سمَّاها مالكٌ في روايته تميمة بنت وهب. وقال ابنُ عبد البر في «الاستيعاب» ولا أعلم لها غير قصَّتها مع رفاعة بن شموال، حديث العُسيلة من جهة مالك في «الموطأ» . وقال الطَّبرانيُّ لها ذكرٌ في قصَّة رفاعة، ولا حديث لها.
(فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيْرِ) بفتح الزاي وكسر الموحدة بن باطا، وقيل باطيا (الْقُرَظِي) بضم القاف وبالظاء المعجمة، من بني قريظة. وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقيُّ وأمَّا ما ذكره ابنُ منده وأبو نُعيم في كتابيهما «معرفة الصحابة» من أنَّه من الأنصار من الأوس، ونسباه أنَّه عبد الرَّحمن بن الزَّبير بن زيد بن أمية بن زيد بن عوف بن مالك بن الأوس فغير جيِّدٍ.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنهما (وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا) أي إلى عائشة ما من زوجها عبد الرحمن، وفيه التفاتٌ أو تجريدٌ (وَأَرَتْهَا) بفتح الهمزة، من الإراءة (خُضْرَةً بِجِلْدِهَا) أي أرت امرأة رفاعة عائشة رضي الله عنها خضرة بجلدها، وتلك الخضرة إمَّا كانت لهزالها، وإمَّا لضرب عبد الرَّحمن لها، قاله الكرمانيُّ، وسياق القضيَّة يرجِّح الثَّاني؛ أي من أثر ضربةٍ لها.
(فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال عكرمة (وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا) هذه جملةٌ معترضةٌ بين قوله «فلمَّا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وبين قوله «قالت عائشة» ، وهي من كلام عكرمة. وقد صرَّح وهيب بن خالد في روايته عن أيُّوب بذلك، فقال بعد قوله «لَجِلْدُها أشدُّ خضرةً من خمارها قال عكرمة والنِّساء ينصر ... إلى آخره» .
(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها يا رسول الله (مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ) من المشقَّات (لَجِلْدُهَا) اللام فيه للتَّأكيد، وهي مفتوحةٌ (أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا) أي الخمار الأخضر الَّذي عليها (قَالَ) عكرمة (قَالَ) أي زوجها، وفي رواية وهيبٍ قال (( فسمع بذلك زوجُها ) ) (أَنَّهَا أَتَتْ)
ج 25 ص 73
أي امرأة رفاعة أتت (رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تشكوه (فَجَاءَ) إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا) والواو للحال، ووقع في رواية وهيب في «فوائد ابن السماك» (( بنون له ) ). قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تسميتهم (قَالَتْ) أي امرأة رفاعة (وَاللهِ مَا لِي إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ) يكون سببًا لضربه لي (إِلَّا أَنَّ مَا مَعَهُ) أي آلة الجماعِ (لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ) الهدبة؛ أي ليس دافعًا عن شهوتي تريد قصوره عن الجماع، أو استرخائه عن المجامعة كهذهِ الهدبة.
(وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا) والهُدْبة بضم الهاء وسكون الدال المهملة وتخفيف الموحدة، هي طرف الثَّوب الَّذي لم ينسج، شبهوها بهدب العين، وهو شعرُ الجفن (فَقَالَ) زوجها عبد الرَّحمن (كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ) أي كنفض الأديم؛ بالنون والفاء والضاد المعجمة، وهو كنايةٌ عن كمال قوَّة الجماع (وَلَكِنهَا نَاشِزٌ) من النُّشوزِ، وهو امتناعُ المرأة من زوجها، وإنَّما قال ناشزٌ، ولم يقل ناشزةٌ؛ لأنَّها من خصائص النِّساء كحائض وطامثٍ، فلا حاجة إلى التَّاء الفارقة.
(تُريدُ رِفَاعَةَ، فَقَالَ) وفي نسخة بدون الفاء (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانَ) الأمر (ذَلِكَ لَمْ تَحِلِّي) بكسر الحاء (لَهُ، أَوْ لَمْ تَصْلُحِي) كذا بالشكِّ، وهو من الرَّاوي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني . وذكر الكرمانيُّ أنَّه وقع في بعض الرِّوايات ، ووجه هذه الرواية أنَّ «لم» بمعنى «لا» ، والمعنى أيضًا عليه. قال الأخفش إنَّ «لم» تجيء بمعنى «لا» . وأنشد
~لَوْلَا فَوَارِسُ مِنْ قَيْسٍ وَأُسْرَتِهِمْ يَوْمَ الصُّلَيْفَاءِ لَمْ يُوفُونَ بِالْجَارِ
والأُسرة بضم الهمزة، الرَّهط، والصُّليفاء _ بالمهملة واللام وبالتحتانية والفاء والمد _.
(حَتى يَذُوقَ) عبد الرحمن (مِنْ عُسَيْلَتِكِ) فإن قيل كيف يذوق والآلة كالهدبة؟ فالجواب قد قيل إنَّها كالهدبة في دقَّتها وصغرها بقرينة الابنين اللَّذين معه، ولقوله «أنفضها» ،
ج 25 ص 74
ولإنكاره صلى الله عليه وسلم عليها، شبَّه لذَّة الجماع بذوق العُسَيلة، فاستعار لها ذوقًا، وأنَّث لإرادة قطعةٍ من العسل، أو العسل يذكَّر ويؤنث. وقيل إنَّما أنَّثه؛ لأنَّه أراد النُّطفة. وضعَّفه النَّوويُّ، إذ المراد الجماع سواءٌ أنزل أو لم ينزل. وقد ورد حديثٌ مرفوعٌ من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( العسيلة الجماع ) ).
(قَالَ) أي عكرمة (وَأَبْصَرَ) صلى الله عليه وسلم (مَعَهُ) أي مع عبد الرحمن (ابْنَيْنِ) زاد أبو ذرٍّ (ابْنَيْنِ) له مستفهمًا (بَنُوكَ) أي أبنوك (هَؤُلاَءِ) بلفظ الجمع، ففيه إطلاق لفظ الجمع على الاثنين، لكن سبق أنَّ في رواية وهيب بلفظ (( بنون ) ) (قَالَ) عبد الرحمن (نَعَمْ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ) ويفسِّره رواية وهيب (( هذا الَّذي تزعمين أنَّه كذا كذا ) )، وهو كنايةٌ عمَّا ادَّعت عليه من العِنَّة (فَوَاللَّهِ لَهُمْ) بفتح اللام مبتدأ خبره قوله (أَشْبَهُ بِهِ) أي أولاده أشبه به (مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ) استدلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بشبههما له على كذبها في دعواها.
وفيه أنَّ للنِّساء أن يطالبنَ أزواجهنَّ عند الإمام بقلَّة الوطء، ولا عارَ عليهنَّ في ذلك. وفيه أنَّ للزَّوج إذا ادَّعي عليه بذلك أن يخبرَ بخلافه، ويعرب عن نفسه. ألا ترى إلى قوله «يا رسول الله، والله إني لأنفضها نفضَ الأديم» ، وهذه الكنايةُ من الفصاحة العجيبة، فإنَّه كنايةٌ بليغةٌ في الغاية في ذلك؛ لأنَّها أبلغ في المعنى من الحقيقة، وأوقع في النَّفس من التَّصريح؛ لأنَّ الَّذي ينفضُ الأديم يحتاجُ إلى قوَّة ساعدٍ، وملازمة طويلة. وقال الدَّاوديُّ يحتمل تشبيهها بالهدبةِ انكسارها، وأنَّها لا تتحرَّك، وأنَّ شدَّته لا تشتدُّ، ويحتمل أنَّها كَنَّت بذلك عن نحافته، أو وصفته بذلك بالنِّسبة إلى الأوَّل. قال ولهذا يستحبُّ نكاح البكر؛ لأنَّها تظنُّ الرِّجال سواءٌ بخلاف الثَّيِّب.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( وعليها خمارٌ أخضر ) ). وهو من أفراد البخاريِّ.