فهرس الكتاب

الصفحة 8683 من 11127

5838 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ أَشْعَثَ) بالمعجمة والمثلثة بينهما مهملة (ابْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ) سليم المحاربيُّ، قال(حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ

ج 25 ص 100

بْنُ سُوَيْدِ)بضم السين، مصغَّرًا (ابْنِ مُقَرِّنٍ) بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة بعدها نون، المزنيُّ (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما، ويروى أنَّه (قَالَ نَهَانَا) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ) استعمال (المَيَاثِرِ الحُمْرِ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم، ذكره لبيان ما هو الواقع (وَ) عن استعمال (القَسِّيِّ) تقدَّم ضبطه [خ¦5838 قبل] ، وضبطه بعض المحدثين بكسر القاف وتخفيف السين. قال الخطابيُّ وهو غلطٌ؛ لأنَّ ذلك جمع قوس.

وهو طرفٌ من حديث أوله (( أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع ) ). وسيأتي بتمامه في «باب المياثر الحمر» بعد أبواب [خ¦5849] . قال أبو عبيد المياثر الحمر المنهيُّ عنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير. وقال ابن بطَّال كلامه يدلُّ على أنَّها إذا لم تكن من حريرٍ، أو ديباجٍ، وكانت من صوفٍ أحمر يجوز الركوب عليها، وليس النَّهي عنها كالنَّهي عنها إذا كانت منهما.

وقال ابن وهب سُئل مالك عن ميثرة أرجوان يُركب عليها، قال ما أعلم حرامًا، ثمَّ قرأ {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف 32] ، والأرجوان صبغٌ أحمر. وقال الخطابيُّ وذكر قوله صلى الله عليه وسلم (( لا أركب الأرجوان ) ). وقال الأرجوان الأحمر، وأراه أراد به المياثر الحمر، وقد تتَّخذ من ديباجٍ وحريرٍ، وقد ورد فيها النَّهي؛ لما في ذلك من السَّفه، وليست من لباس الرِّجال. وروى أبو داود من حديث قتادة عن الحسن عن عمران بن حُصين رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفَّف بالحرير ) ).

وروى أبو يَعلي الموصلِّي في «مسنده» من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن خواتيم الذَّهب والقسِّيَّة والميثرة الحمراء المصبغة من العصفر.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وعن القسِّي ) ).

تفصيل واستدلَّ بالنَّهي عن لبس القسِّيِّ على منع لبس ما خالطه الحرير من الثِّياب لتفسير القسِّي بأنَّه ما خالطه غير الحرير، ويؤيِّده عطف الحرير على القسِّيِّ من حديث عليٍّ رضي الله عنه عند أبي داود والنَّسائي وأحمد

ج 25 ص 101

بسندٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين من طريق عَبيدة بن عمرو بن علي رضي الله عنه قال نهاني النَّبي صلى الله عليه وسلم عن القسي والحرير، ويحتمل أن يكون المغايرة باعتبار النَّوع، فيكون الكلُّ من الحريرِ كما وقع عطف الدِّيباج على الحرير في حديث حذيفة الماضي قريبًا [خ¦5831] .

ولكن الَّذي يظهر من سياق طرق الحديث في تفسير القسِّيِّ أنَّه الَّذي يخالطه الحرير، لا أنَّه الحرير الصِّرف، فعلى هذا يحرم لبس الثَّوب الَّذي خالطه الحرير، وهو قول بعض الصَّحابة كابن عمر رضي الله عنهما، والتَّابعين كابن سيرين، وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب. وعمدتهم في ذلك ما تقدّم في تفسير الحلَّة السِّيراء، وما انضاف إلى ذلك من الرُّخصة في العَلَم في الثَّوب إذا كان من حريرٍ كما تقدَّم تقريره في حديث عمر رضي الله عنه [خ¦5830] .

قال ابنُ دقيق العيد وهو قياس في معنى الأصل، لكن لا يلزم من جواز ذلك جواز كلِّ مختلطٍ، وإنَّما يجوز منه ما كان مجموعُ الحرير فيه قدر أربع أصابع لو كانت منفردة بالنسبة لجميع الثَّوب، فيكون المنع من لبس الحرير شاملًا للخالص والمختلط، وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى وهو أربع أصابع إذا كانت منفردة، ويلتحقُ بها في المعنى ما إذا كانت مختلطة. قال وقد توسع الشَّافعيَّة في ذلك. ولهم طريقان

أحدهما وهو الرَّاجح اعتبار الوزن فإنَّ كان الحرير أقل وزنًا لم يحرم، أو أكثر حرم، وإن استويا فوجهان اختلف التَّرجيح فيهما عندهم.

والطَّريق الثَّاني أن لاعتبار بالقلَّة والكثرة في الظُّهور، وهذا اختيار القفَّال ومن تبعه، وعند المالكيَّة في المختلط أقوال ثالثها الكراهة، ومنهم من فرَّق بين الخزِّ وبين المختلط بقطنٍ ونحوه، فأجاز الخزَّ ومنع الآخر، وهذا مبنيٌّ على تفسير الخزِّ.

وقد تقدَّم في بعض تفاسير القسِّي أنَّه الخزُّ فمن قال إنَّه رديء الحرير فهو الَّذي يتنزَّل عليه

ج 25 ص 102

القول المذكور، ومن قال إنَّه ما كان من وبرٍ فخلط بحريرٍ لم يتَّجه التَّفصيل المذكور. واحتجَّ أيضًا من أجاز لبس المختلط بحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما إنَّما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثَّوب المصمت من الحرير، فأمَّا العَلَم من الحرير وسُدى الثوى فلا بأس به. أخرجه الطبرانيُّ بسندٍ حسنٍ هكذا.

وللطَّبرانيِّ من طريقٍ ثالثٍ نهى عن مصمَّتِ الحرير، فأمَّا ما كان سداه من قطنٍ، أو كتَّانٍ فلا بأس به، واستدلَّ ابن العربيِّ للجواز أيضًا بأنَّ النَّهي عن الحرير حقيقةً في الخالص، والإذن في القطن ونحوه صريحٌ، فإذا خُلِطا بحيث لا يُسمَّى حريرًا بحيث لا يتناوله الاسم ولا يشمله علَّة التَّحريم خرج عن الممنوع فجاز. وقد ثبت لبس الخزِّ عن جماعةٍ من الصَّحابة وغيرهم.

قال أبو داود لبسه عشرون من الصَّحابة، أو أكثر، وأورده ابن أبي شيبة عن جمعٍ منهم، وعن طائفةٍ من التَّابعين بأسانيدَ جياد. وأعلى ما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داود والنَّسائي من طريق عبد الله بن سعيدٍ الدِّمشقي عن أبيه قال رأيت رجلًا على بغلةٍ وعليه عمامةُ خزٍّ سوداء، وهو يقول كسانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمَّار بن أبي عمار قال أتت مروان بن الحكم مطارف خزٍّ، فكساها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والأصحُّ في تفسير الخزِّ أنَّه ثيابٌ سُدَاها من حرير ولحمتها من غيره. وقيل تنسج مخلوطةٌ من حريرٍ وصوف، أو نحوه. وقيل أصله اسم دابَّةٍ، يُقال لها الخزز فسمِّي الثَّوب المتَّخذ من وبره خزًّا لنعومته، ثمَّ أطلق على ما يُخلَط بحرير لنعومة الحرير، وعلى هذا فلا يصحُّ الاستدلال بلبسه على جواز لبس ما يخالطه الحرير ما لم يتحقَّق أنَّ الخزَّ الَّذي لبسه السَّلف كان من المخلوط بالحرير، والله أعلم.

وأجاز الحنفيَّة والحنابلة لبس الخزِّ ما لم يكن فيه شهرة، وعن مالك الكراهة، هذا كلُّه في الخزِّ، وأمَّا القز بدل الخاء المعجمة قاف. فقال الرَّافعيُّ عدَّ الأئمة القزَّ من الحرير، وحرَّموه

ج 25 ص 103

على الرِّجال، ولو كان كَمِدَ اللون، ونقل الإمام الاتِّفاق عليه، لكن حكى المتولي في «اليتيمة» وجهًا أنَّه لا يحرم؛ لأنَّه ليس من ثياب الزِّينة. قال ابنُ دقيق العيد إن كان مراده بالقزِّ ما نطلقه نحن الآن عليه فليس يخرج عن اسم الحرير فيحرم، ولا اعتبار بكمودة اللَّون، ولا بكونه ليس من ثياب الزِّينة، فإنَّ كلًّا منهما تعليلٌ بضعيف لا أثر له بعد انطلاق الاسم عليه. انتهى كلامه.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم يتعرَّض لمقابل التَّقسيم، وهو وإن كان المراد به شيئًا آخر، فيتَّجه كلامه. والَّذي يظهر أنَّ مراده به رديءُ الحرير، وهو نحو ما تقدَّم في الخزِّ، ولأجل ذلك وصفه بكمودة اللَّون، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت