فهرس الكتاب

الصفحة 8696 من 11127

5846 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) هو ابنُ سعيدٍ البصريُّ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) هو ابنُ صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ) كذا رواه عبد الوارث مقيَّدًا، ووافقه إسماعيل ابن عُليَّة وحمَّاد بن زيد عند مسلمٍ وأصحاب «السُّنن» ، ووقع في رواية حمَّاد بن زيد نهى عن التُّزعفر للرِّجال. ورواه شعبة عن ابن عُليَّة عند النَّسائي مطلقًا فقال نهى عن التُّزعفر وكأنَّه اختصره، وإلَّا فقد رواه عن إسماعيل فوق العشرة من الحفَّاظ مقيَّدًا بالرَّجل، ورواية شعبة عن إسماعيل من رواية الأكابر عن الأصاغرِ، والمطلق محمولٌ على المقيَّد.

قال ابن بطَّال وابن التِّين هذا النَّهي خاصٌّ بالجسد، ومحمولٌ على الكراهة؛ لأنَّ تزعفرَ الجسد من الرَّفاهية التي نهى الشَّارع عنها بقوله (( البذاذة من الإيمان )

ج 25 ص 124

والدَّليل على كون النَّهي محمولًا على الكراهة دون التَّحريم حديث أنسٍ في قصَّة عبد الرحمن بن عوف حين تزوَّج وجاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وبه أثرُ صفرةٍ، ورُوِيَ وَخَدُ صفرة، وزاد حمَّاد بن سلمة عن ثابت «وبه ردعٌ من زعفران، فقال مهيم ... » الحديث. فلم ينكر عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا أمره بغسلها فدلَّ أنَّ نهيه عنه لمن لم يكن عروسًا إنَّما هو محمولٌ على الكراهةِ. وقد أُجيب عنه بأنَّ الخِلَاق كان في ثوبه عَلِقَ به من المرأة، ولم يكن في جسدِهِ، والكراهةُ لمن تزعفرَ في بدنه أشدُّ من الكراهة لمن تزعفرَ في ثوبه.

وقد روى أبو داود والتِّرمذي في «الشمائل» والنسائي في «الكبرى» من طريق سَلْم العلويِّ عن أنسٍ رضي الله عنه دخل رجلٌ على النَّبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرةٍ، فكره ذلك وقلَّما كان يواجه أحدًا بشيءٍ يكرهه، فلمَّا قام قال (( لو أَمرتُم هذا أن ينزعَ هذه الصُّفرة ) ). وسَلْم _ بفتح المهملة وسكون اللام _ فيه لينٌ، وروى أبو داود من حديث عمَّار رضي الله عنه قال قدمت على أهلي ليلًا وقد تشقَّقت يداي، فخلَّقوني بزعفران، فغدوتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّمت عليه ولم يرحِّب بي، فقال (( اذهبْ فاغسل عنك هذا ) )، فذهبت فغسلته، ثمَّ جئت وقد بقي عليَّ منه ردعٌ، فسلَّمت فلم يردَّ عليَّ ولم يُرحِّب بي، وقال (( اذهبْ فاغسل عنك هذا ) )فذهبتُ فغسلته ثمَّ جئت فسلَّمت فردَّ عليَّ، ورحَّب بي، وقال (( إنَّ الملائكة لا تحضر جنازة كافرٍ ولا متضمِّخٍ بالزَّعفران ولا الجنب ) ).

قال العينيُّ قيل هو معلولٌ؛ لأنَّ في سنده مجهولًا، لكن أخرجه أبو داود من طريقين أحدهما عن موسى بن إسماعيل عن حمَّاد عن عطاء الخراسانيِّ، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر وهذا صحيحٌ، والآخر عن نصر بن علي ... إلى آخره، وفيه المجهول، ومع هذا فالصَّحيح منه لا يقاوم «صحيح البخاريِّ» . وقد اختلف في النَّهي عن التَّزعفر هل هو لرائحته لكونه من طيب النِّساء، ولهذا جاء الزَّجر عن الخلوق

ج 25 ص 125

أو للونه فليلتحق به كلُّ صفرةٍ، وقد نقل البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ أنَّه قال أنهى الرَّجل الحلال بكلِّ حالٍ أن يتزعفرَ وآمره إذا تزعفرَ أن يغسلَه، قال وأرخِّصُ في المعصفر؛ لأنَّني لم أجد أحدًا يحكي عنه إلَّا ما قال عليٌّ رضي الله عنه نهاني ولا أقول نهاكم.

قال البيهقيُّ قد وردَ ذلك عن غير عليٍّ رضي الله عنه، وساق حديث عبد الله بن عمر، وقال رأى عليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ثوبين معصفرين، فقال (( إنَّ هذه من ثياب الكفَّار فلا تلبسهما ) )أخرجه مسلم. وفي لفظ له فقلت أغسلهما؟ قال (( لا بل أحرقهما ) ). قال البيهقيُّ فلو بلغ ذلك الشَّافعيُّ لقال به اتِّباعًا للسُّنَّة كعادته. وقد كرهَ المعصفر جماعة من السَّلف، ورخَّص فيه جماعةٌ، وممَّن قال بكراهتهِ من أصحاب الشافعيِّ الحليمي، واتباع السُّنَّة هو الأولى، انتهى. وقال النُّوويُّ في «شرح مسلم» أتقن البيهقيُّ المسألة والله أعلم، ورخَّص مالكٌ في المعصفر، والمزعفر في البيوت، وكرههُ في المحافل.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو بهذا السَّند من أفراد البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت