فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 11127

47 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِي) بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وفي آخره فاء، ومعناه

ج 1 ص 335

الموسع، نسبة إلى جدِّه الأعلى، وكنيته أبو بكر السَّدوسي البصري [1] ، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ) بفتح الراء وبالحاء المهملة، ابن عبادة بن العلاء البصري. قال الخطيب كان كثير الحديث، وصنف الكتب في السنن والأحكام والتفسير، وكان ثقة. وقال علي بن المديني قوم من المحدثين لم يزالوا في الحديث نشَؤُوا فطلبوا وحدَّثوا، منهم رَوْح، وقال نظرتُ لَروْح بن عبادة في أكثر من مائة ألف حديث كتبتُ منها عشرة آلاف حديث. وقال يحيى بن معين لا بأس به، صدوق. توفي سنة خمس ومائتين، روى له الجماعة.

(قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، ابن أبي جميلة، واسم أبي جميلة بَنْدُوْيَه _بفتح الموحدة وسكون النون وضم الدال المهملة وواو ساكنة وياء آخر الحروف مفتوحة_ وقيل بنده؛ أي العبد، يُعرف بالأعرابي ولم يكن أعرابيًا، وإنما قيل لفصاحته، العبدي الهجري البصري، سمع جمعًا من كبار التابعين منهم الحسن، وعنه الأعلام الثوري وشعبة وغيرهما، وثقته مجمع عليها، ولد سنة تسع وخمسين، ومات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة، ونُسب إلى التشيع، لكن روى له الجماعة.

(عَنِ الْحَسَنِ) أي البصري المارِّ ذكره، (وَمُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين أبو بكر الأنصاري، مولاهم البصري التابعي الجليل، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين، وسيرين مولى أنس من سبي عين التمر، وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا، وهؤلاء الستة كلهم تابعيون.

وذكر أبو علي الحافظ خالدًا بدل كريمة قال وأكبرهم معبد وأصغرهم حفصة، وسيرين يُكْنَى بأبي عَمرة، إذ في أولاد سيرين عمرة وسودة وأشعب أيضًا.

وقيل إنه معرَّب شيرين _ بالشين المعجمة _ أي الحلو، وكان عبدًا لأنس بن مالك رضي الله عنه، وكاتَبَه على عشرين ألفًا، فأدَّى نجوم الكتابة وعتق، وأم محمد وإخوته صفية [2] مولاة الصديق رضي الله عنه، وأدرك محمد ثلاثين من الصحابة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، وهو ممن لا يُجِّوز نقلَ الحديث بالمعنى، وكان يُحدث بالحديث على حروفه، وهو ثقة رفيع المرتبة، إمام في العلوم، فقيه، ورع،

ج 1 ص 336

مشهور بعلم العبارة وكان بزَّازًا وحُبِسَ بدَيْنٍ كان عليه، وقيل كان سبب حبسه أنه اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم فوجد في زق منه فأرة فقيل الفأرة كانت في العصرة، فصب الزيت كله فانكسر عليه ثمنه. وكان به صمم، سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين.

وروى عنه خلق من التابعين الشعبي وقتادة وأيوب، وروى محمد عن يحيى عن أنس، وهو من المستطرفات؛ لكونهم ثلاثة أخوة روى بعضهم عن بعض.

وقال ابن المديني أصح الأسانيد محمد بن سيرين عن عَبيدة _ بفتح المهملة _ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مات سنة عشر ومئة بعد الحسن بمائة وعشرين يومًا، روى له الجماعة.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه التحديث والعنعنة، ومنها أن رواته كلهم بصريون ما خلا أبا هريرة رضي الله عنه، ومنها أن المؤلف رحمه الله قرن فيه بين الحسن ومحمد بن سيرين؛ لِما أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور فقرنه بمحمد بن سيرين؛ لأنه سمع منه، فالاعتماد عليه؛ لأن الحسن كثير الإرسال فلا تُحمَل عنعنته على السماع، وعلى قول من يقول إن الحسن سمع منه لا يخلو إما أن يكونا سمعا هذا الحديث من أبي هريرة مجتمعَيْن، وإما متفرقيْن، وقد أخرج متنه النسائي أيضًا في «الأيمان» وفي «الجنائز» .

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ مَنِ اتَّبَعَ) بتشديد المثناة من فوق في أكثر الروايات، وفي رواية الأَصيلي _ بدون الألف وكسر الباء الموحدة _، (جَنَازَةَ مُسْلِمٍ) أي لحقها ومشى خلفها، (إِيمَانًا) أي تصديقًا بأنه طاعة وعبادة، أو مُصدِّقًا به.

(وَاحْتِسَابًا) أي رجاء لثوابه وطمعًا فيه أو راجيًا له، (وَكَانَ مَعَهُ) أي مع ذلك المسلم، وفي رواية أي مع الجنازة، وهو عطف على قوله (( اتبع ) (حَتَّى) غاية للكون معه، (يُصلِّى) بكسر اللام، ويروى _ بفتحها _، فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال يحصل له ذلك ولو لم يصلِّ وفيه ما فيه، أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا، والله أعلم.

(عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ) بالوجهين في بنائه أيضًا، والفعلان منصوبان بـ «أن» المقدرة بعد «حتى» ، (مِنْ دَفْنِهَا) أي من تسوية القبر بالتمام وهو الصحيح، أو من نصب اللِّبن عليه وإن لم يُهَلُّ عليه التراب، (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ) خبر المبتدأ أعني «مِن» ، وإنما دخلت الفاء؛ لتضمنه معنى الشرط.

(مِنَ الأَجْرِ)

ج 1 ص 337

حال من قوله (بِقِيرَاطَيْنِ) تثنية قيراط أصله قرَّاط _ بتشديد الراء _، بدليل جمعه على قراريط، فأبدل من إحدى الرائين ياء، كما في الدينار أصله دنار بدليل جمعه على دنانير، وهو في اللغة نصف دانق. وعند الفقهاء القيراط جزء من عشرين جزءًا من الدينار، وكل قيراط ثلاث حبات، فيكون الدينار ستين حبة، وكل حبة أربع أرزات، فيكون الدينار مائتين وأربعين أرزة.

والمراد هاهنا مقدار من الثواب بيَّنه الشارع بقوله (كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ) بضمتين، جبل بالمدينة بجنبها على نحو ميلين منها، وهو في شمال المدينة، وسمي بهذا الاسم؛ لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك.

قال السُّهيلي وفيه قبر هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، وفيه قُبض وثمة واراه موسى عليه السلام، وكانا قد مرَّا بأُحُد حاجَّين أو معتمرَين، وإنما قدَّر الشارع الثواب الحاصل لمن في الحديث بأُحُد؛ لأنه أعظم جبال المدينة، والشارع كان يحبه وهو أيضًا يحبه.

وليس هذا هو القيراط المذكور في «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو زرع، أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط» ؛ لأن الظاهر أن القيراط في الأجر أعظم من القيراط المذكور في نقص الأجر؛ لأنا قد رأينا عادة الشَّرع تعظيم الحسنات وتضعيفها دون السِّيئات؛ كرمًا منه تعالى ورحمة ولطفًا.

ثمَّ إنَّ حصول القيراطين هنا مُقَّيد بثلاثة أشياء الاتباع، والصَّلاة عليه، وحضور الدَّفن، فلو اتبع حتى دُفِنَتْ ولم يُصَلِّ عليها لا يحصل له القيراطان، لا يقال يحصل القيراطان بالدفن من غير صلاة عملًا بظاهر رواية فتح لام «يصلَّى عليها» ؛ لأنَّ المراد فعلهما معًا جمعًا بين الروايتين، وحملًا للمطلق على المقيد.

(وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ) من الأجر (بِقِيرَاطٍ) أي مثل جبل أُحُد؛ لِما علم مما تقدم.

قال النَّووي واعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الاتباع حتَّى الفراغ حصل له قيراط ثان فلِمَن صلَّى وحضر الدفن القيراطان، ولمن اقتصر على الصَّلاة قيراط واحد، ولا يُقال يحصل بالصَّلاة مع الدفن ثلاثة قراريط كما يتوهمه بعضهم من ظاهر بعض الأحاديث؛ لأن هذا الحديث صريح، والحديث المطلق والمحتمل محمول عليه.

وأما الرِّواية التي فيها (( من صلَّى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ) ) [خ¦1325] فمعناه فله تمام قيراطين

ج 1 ص 338

بالمجموع.

ثمَّ في الحديث تنبيه على مسألة أخرى وهي أنَّ القيراط الثاني مُقيَّد بمَن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتَّى تُدْفَن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومكث حتَّى جاءت الجنازة وحضر الدفن لم يحصل له القيراط الثَّاني، وكذا لو حضر الدفن ولم يصلِّ أو تبعها ولم يصلِّ فليس في الحديث حصول القيراط له، وإنما حصل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة لكن له أجر في الجملة.

وعن أشهب أنه كره اتباع الجنازة والرجوع قبل الصَّلاة، وحكى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا ينصرف بعد الدفن إلا بإذن، وإطلاق هذا الحديث وغيره يخالفه. انتهى.

وفي الحديث فوائد منها الحثُّ على الصَّلاة على الميت، واتباع جنازته، وحضور دفنه.

قال أبو الزِّناد حضَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على التَّواصل في الحياة بقوله «صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرمك» ، و «لا تقاطعوا ولا تدابروا» ، وعلى التَّواصل بعد الموت بالصَّلاة والتَّشييع إلى القبر والدُّعاء له».

ومنها أنَّ الثَّواب المذكور إنما يحصل لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا، فإنَّ حضورها على ثلاثة أقسام احتساب، ومكافآت، ومخافة. والأوَّل هو الذي يُجازى عليه الأجر ويحطُّ الوزر، والثَّاني لا يعد ذلك في حقِّه، والثَّالث الله أعلم بما فيه.

ومنها وجوب الصَّلاة على الميت ودفنه، وهو إجماع.

ومنها الحضُّ على الاجتماع لهما، وعظم ثوابهما، وهو مما خُصَّتْ به هذه الأمة.

ومنها أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها كما هو مذهب الحنفية، ومذهب الأوزاعي أيضًا لظاهر قوله «من اتبع» ، وهو قول علي بن أبي طالب أيضًا.

ومذهب قوم هو التوسعة وأنهما سواء، وهو قول الثَّوري وبعض أصحاب مالك، ثمَّ الركوب وراء الجنازة لا بأس به والمشي أفضل.

وقالت الشَّافعية لا فرق عندنا بين الراكب والماشي، يعني في المشي أمامها، خلافًا للثَّوري حيث قال إنَّ الراكب يكون خلفها، وتبعه الرافعي في (( شرح المسند ) )وكأنه قلَّد الخطابي في ذلك.

(تَابَعَهُ) أي تابع رَوْحًا في الرواية عن عوف الأعرابي، (عُثْمَانُ) بن الهيثم بن جهم البصري المؤذِّن بجامع البصرة، روى عن عوف الأعرابي وابن جُريج وغيرهما، توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة عشرين ومائتين، وفي رواية وهو أيضًا من شيوخ البخاري، يروي عنه في مواضع بلا واسطة، وفي بعض المواضع عن محمَّد غير منسوب عنه، وهو محمَّد بن يحيى الذُّهلي، فإن كان المؤلِّف سمعه من عثمان هذا فهو له أعلى بدرجة، لكنَّه ذكر الموصول عن رَوْح؛ لكونه أشدُّ إتقانًا منه، وإن كان خماسيًا.

(حَدَّثَنَا عَوْفٌ) الأعرابيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي ابن سيرين ولم يَرْوِه

ج 1 ص 339

عن الحسن، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ) بالنصب؛ أي نحو ما تقدم معنًى لا لفظًا، وفي ذِكر هذه المتابعة تنبيه على أن الاعتماد في هذا السند إنما هو «علي» محمد بن سيرين فقط؛ لأنه لم يذكر الحسن، فكأن عوفًا كان ربما ذكَره وربما حذفه، وقد حدَّث به المنجوفي شيخ البخاري مرَّة بإسقاط الحسن.

[1] في الأصل وسمي البصري )) .

[2] كذا في العمدة والتوضيح، وأما في الكواكب وأم محمد اسمها صفية مولاة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت