فهرس الكتاب

الصفحة 871 من 11127

533 -534 - (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن بلال المدني، وفي روايةٍ بذكر ابن بلال أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هو عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي، أخو إسماعيل، توفي سنة اثنتين ومئة (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن بلال والد أيوب المذكور، روى أيوب عنه تارةً بواسطة، وتارة بلا واسطة.

(قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هرمز (وَغَيْرُهُ) قال الحافظ العسقلاني هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظن، وروى أبو نُعيم هذا الحديث في (( المستخرج ) )من طريقٍ آخر عن أيوب بن سليمان ولم يقل فيه «وغيرُه» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

(وَنَافِعٌ) بالرفع عطفًا على الأعرج (مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما (أَنَّهُمَا) أي أبا هريرة وابن عمر رضي الله عنهما (حَدَّثَاهُ) أي حدثا من حدث صالح بن كيسان، ويحتمل أن يعود ضمير «أنهما» إلى الأعرج ونافع؛ أي أن الأعرج ونافعًا حدثا صالح بن كيسان عن شيخيهما بذلك، وفي رواية الإسماعيلي (( حدثا ) )بغير ضميرٍ فلا يحتاج إلى التأويل المذكور، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون وفيهم صحابيان وثلاثة من التابعين، وهم صالح بن كيسان فإنه رأى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قاله الواقدي والأعرج، ونافع، وإن أبا بكرٍ من أقران أيوب.

(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإبراد، قال الزمخشري في (( الفائق ) )حقيقة الإبراد الدخول في البرد.

والباء في قوله (بِالصَّلَاةِ) للتعدية؛ أي ادخلوا الصلاة؛ صلاة الظهر في البرد، ويقال معناه افعلوها في وقت البرد وهو الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر؛ لأن شدة الحر تُذْهِب الخشوع.

وقال السفاقسي أبردوا؛ أي ادْخُلوا

ج 3 ص 464

في وقت البرد؛ مثل أظلم دخل في الظلام، وأمسى دخل في المساء، وأظهر دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجَدَ إذا دخل نَجْدًا، وأتهَمَ إذا دخل تهامة.

وقال الخطابي الإبراد انكسار شدة حر الظهيرة، وذلك أن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس ذلك بأن تؤخر إلى آخر بردي النهار وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج عن قول الأئمة.

وقيل الباء في قوله (( بالصلاة ) )زائدة على سبيل التضمين؛ أي أخِّروها مُبْرِدين، وأما في الرواية الآتية من قوله (( عن الصلاة ) ) [خ¦535] فمحمول على التضمين أيضًا؛ أي تأخروا عنها مبردين، وقيل هما بمعنى واحد؛ لأنَّ عن يأتي بمعنى الباء كما يقال رميت السهم عن القوس؛ أي بالقوس.

(فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) بفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، وهو سطوع الحر وفورانه، والمراد شدة استعارِها وتنفسِها وسطوعِ حرها، وأصله السعة والانتشار، ومنه مكان أفيح؛ أي متسع، ويقال بالواو فوح وفاحت القدر تفوح إذا غَلَت.

وقال ابن سيده فاح الحر يفيح فيحًا سطع وهاج، وظاهره أن مثار وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة، وقيل هو خارج مخرج التشبيه والتمثيل؛ أي كأنه نار جهنم في حرها، والأول أولى.

ويؤيده الحديث الآتي (( اشتكت النار إلى ربها فأَذِنَ لها بنفَسَين ) ) [خ¦537] الحديث.

وأما لفظ جهنم فقد قال قُطْرب زعم يونس أنه اسم أعجمي.

وفي (( الزاهر ) )لابن الأنباري قال أكثر النحويين هي أعجمية لا تنصرف للتعريف والعجمية، وقيل إنه عربيٌ ولم ينصرف للتعريف والتأنيث.

وفي (( المغيث ) )هي تعريبٌ كهنام بالعبرانية.

وفي (( المحكم ) )سميت لبُعْدِ قعرها، ولم يقولوا فيها جهنام، ويقال بئرٌ جهنام بعيدة القعر.

وقال أبو عمر جهنام اسمٌ وهو الغليظ البعيد القعر، ثم إنه قد استفيد من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( فإن شدة الحر من فيح جهنم ) )أن علَّة الأمر بالإبراد هي شدة الحر.

واختُلف في حكمة هذا التأخير فقيل دفع المشقة لكون شدة الحر مما يذهب الخشوع، وقيل هو وقت تُسْجَرُ فيه جهنم، كما روى مسلم من حديث عمرو بن عَبَسة حيث قال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أقِصْر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعةٌ تُسْجَرُ فيها جهنم ) )فهذه الساعة ينتشر فيها العذاب.

واستشكل بأن فعل الصلاة مظنة وجود الرحمة فإقامتها مظنة دفع العذاب، فكيف

ج 3 ص 465

أَمَرَ بتركها في هذه الحالة.

وأجيب بأن التعليل إذا جاء من جهة الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، قاله اليعمري.

واستنبط له الزين بن المنيِّر معنىً يناسبه فقال إن هذا الوقت وقت ظهور أثر الغضب فلا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاءً فناسب الاقتصار عنها حينئذ.

واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله تعالى غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله سوى نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يعتذر بل طَلَبَ لكونه أُذِن له في ذلك.

ومن فوائد الحديث الإبراد في صلاة الظهر، واختلفوا في كيفيته، فحكى القاضي عياض وغيره أن بعضهم ذهب إلى أن الأمر فيه للوجوب، والجمهور على أنه للاستحباب.

فإن قيل ظاهر الكلام يقتضي الوجوب فما القرينة الصارفة عنه؟.

فالجواب أن العلة فيه لما كانت دفع المشقة عن المصلي لشدة الحر، وكان ذلك للشفقة عليه فصار من باب النفع له، فلو كان للوجوب يصير عليه ويعود الأمر على موضوعه بالنقض.

وفي (( التوضيح ) )اختلف الفقهاء في الإبراد بالصلاة، فمنهم من لم يره، وتأول الحديث على إيقاعها في برد الوقت وهو أوله، والجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم على القول به، ثم اختلفوا فقيل إنه عزيمة، وقيل واجب تعويلًا على صيغة الأمر، وقيل رخصة. ونص عليه في البويطي، وصححه الشيخ أبو علي من الشافعية.

وأغرب النووي فوصفه بالشذوذ، لكنه لم يحكه قولًا، وبنوا على ذلك أن من صلى في بيته أو مشى في كن إلى مسجد هل يسن له الإبراد؟.

إن قلنا رخصة لم يسن له؛ إذ لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا عزيمة أبرد وهو الأقرب؛ لورود الأثر به مع ما اقترن به من العلة من أن شدة الحر من فيح جهنم.

وقال صاحب (( الهداية ) )من أصحابنا يستحب الإبراد بالظهر في أيام الصيف، ويستحب تقديمه في أيام الشتاء.

فإن قيل يعارض حديثَ الإبراد حديثُ إمامة جبريل عليه السلام؛ لأن إمامته في العصر في اليوم الأول فيما إذا صار ظل كل شيءٍ مثله، فدل ذلك على خروج وقت الظهر، وحديث الإبراد يدل على عدم خروجه؛ لأن اشتداد الحر في ديارهم في ذلك الوقت.

فالجواب أن الآثار إذا تعارضت

ج 3 ص 466

لا ينقضي الوقت الثابت بيقين بالشك.

فإن قيل هل في الإبراد تحديد؟.

فالجواب أنه روى أبو داود، والنسائي، والحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه (( كان قدر صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام ) ).

فهذا يدل على التحديد، لكن هذا الأمر يختلف في الأقاليم والبلدان، ولا يستوي في جميع المدن والأمصار، وذلك لأن العلة في طول الظل وقصره هي زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها، فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر، وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول، ولذلك ظلال الشتاء نراها أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان، وكانت صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثاني، ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء، ويشبه أن تكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله، فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.

وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء، وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء، فقول ابن مسعود رضي الله عنه منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم والبلدان الخارجة عن الإقليم الثاني.

وفي (( التوضيح ) )اختلف في مقدار وقته، فقيل يؤخر الصلاة عن أول الوقت بمقدار ما يظهر للحيطان ظل، وظاهر النص أن المعتبر أن ينصرف منها قبل آخر الوقت، ويؤيده حديث أبي ذر (( حتى رأينا فيء التلول ) ).

وقال مالك إنه يؤخر الظهر إلى أن يصير الفيء ذراعًا وسواء في ذلك الصيف والشتاء.

وقال أشهب في (( مدونته ) )لا يؤخر الظهر إلى آخر وقتها.

وقال ابن بزيزة ذكر أهل النقل عن مالكٍ أنه كره أن يصلي الظهر في أول الوقت، وكان يقول هي صلاة الخوارج، وأهل الأهواء، وأجاز ابن عبد الحكيم التأخير إلى آخر الوقت.

وحكى أبو الفرج عن مالك أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر.

هذا؛ وقال الحافظ العسقلاني وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال، وقيل ربع قامة، وقيل ثلثها، وقيل نصفها، وقيل غير ذلك، ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنه مختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتد إلى آخر الوقت.

وأما ما وقع عند المؤلف رحمه الله في الأذان عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة بلفظ (( حتى ساوى الظل التلول ) ) [خ¦629] ، فظاهره يقتضي أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله، ويحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرًا فساواه في الظهور لا في المقدار، أو يقال قد كان ذلك في السفر فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر. انتهى.

وقد استدل بعضهم بقوله (( فأبردوا بالصلاة ) )على أن الإبراد يُشرع في الجمعة أيضًا؛ لأن لفظ الصلاة يطلق على الظهر والجمعة والتعليل مستقيم فيهما.

وفي (( التوضيح ) )اختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا أصحهما عند جمهورهم لا يشرع وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإن التبكير فيها سنة انتهى.

ج 3 ص 467

وهو مذهب الحنفية أيضًا؛ لما ثبت في (( الصحيح ) ) [خ¦4168] أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة، وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير بها أول الوقت فدل على عدم الإبراد، وقد عرفت أن المراد بالصلاة في الحديث الظهرُ، فعلى هذا لا يبرد بالعصر إذا اشتد الحر فيه.

وقال ابن بزيزة إذا اشتد الحر في العصر هل يبرد بها؟ المشهور نفي الإبراد بها، وتفرَّد أشهب بإبرادها.

وقال أيضًا والظاهر أن الإبراد مخصوص بالجماعة، وهل يبرد في زمن الشتاء فيه قولان والظاهر نفيه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت