فهرس الكتاب

الصفحة 8713 من 11127

5856 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) قال ابن الأثير النَّعل مؤنَّثة، وهي التي تُلبس في المشي، انتهى. وتصغيرُه نُعَيلة، تقول نعلت وانتعلتُ إذا احتذيتُ من الحذاء _ بالحاء المهملة _ وهو النَّعل.

قال الخطابيُّ الحكمة في النَّهي أنَّ النَّعل شُرعت لوقاية الرِّجل عمَّا يكون في الأرض من شوكٍ ونحوه، فإذا انفردت إحدى الرِّجلين احتاج الماشي أن يتوقَّى لإحدى رجليه ما لا يتوقَّى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجيَّة مشيهِ، ولا يأمن مع ذلك العثار مع سماجتهِ في الشَّكل، وقُبح منظرهِ في العيون، إذ كان يتصوَّر ذلك عند النَّاس بصورة إحدى رجليهِ أقصر من الأخرى، وربَّما نسبَ فاعل ذلك إلى اختلال الرَّأي وضعفهِ. وقال ابنُ العربيِّ العلَّة فيه أنَّها مشية الشَّيطان.

وقال البيهقيُّ الكراهة فيه للشُّهرة فتمتدُّ الأبصار إلى من يرى ذلك منه، وقد وردَ النَّهي عن الشُّهرة في اللباس، فكلُّ شيءٍ صَيَّر صاحبها شهرة فحقُّه أن يجتنبَ.

(لِيُحْفِهِمَا) من الإحفاء _ بالحاء المهملة _؛ أي ليجرِّدهما، يُقال حفيَ يحفي؛ أي مشي بلا خفٍّ ولا نعلٍ (جَمِيعًا) وفي رواية غير أبي ذرٍّ سقط قوله (أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا) ضبطه النَّوويُّ _ بضم أوله _ من أُنعل،

ج 25 ص 139

وردَّ عليه الشَّيخ زين الدِّين في «شرح الترمذي» بأنَّ أهل اللُّغة قالوا نعَل _ بفتح العين، وحكى كسرها _ وانتعل؛ أي لبس النَّعل. قال الحافظ العسقلانيُّ وتبعه العينيُّ لكن قال أهل اللُّغة أيضًا أَنْعل رجلَه إذا ألبسها نعلًا، وأَنْعل دابَّتهُ إذا جعلَ لها نعل. وقال صاحب «المحكم» أنعلَ الدَّابَّة والبعير ونعَّلهما _بالتشديد _. وكذا ضبط القاضي عياض حديث عمر المتقدِّم [خ¦5191] أنَّ غسَّان تُنْعِلُ الخيلَ _ بالضم _؛ أي تجعل لها نعالًا.

والحاصل أنَّ الضَّمير إن كان للقدمين جاز الضم والفتح، وإن كان للنَّعلين تَعيَّن الفتح، لكن قال ابن عبد البرِّ أرادَ القدمين وإن لم يجرِ لهما ذكرٌ، وهذا مشهورٌ في لغة العرب، وورد في القرآن أن يُؤتى بضمير ما لم يتقدَّم له ذكرٌ لدلالة السِّياق عليه. ثمَّ إنَّ قوله «ليحفهما» ، كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية أبي مصعب في «الموطأ» ليخلعهما. وكذا في روايةٍ لمسلم، والَّذي في جميع روايات «الموطَّأ» كالَّذي في البخاريِّ. قال النَّوويُّ وكلا الروايتين صحيحٌ، وعلى ما وقع في رواية أبي مصعبٍ فالضَّمير في قوله (( ليخلعهما ) )يعود على النَّعلين؛ لأنَّ ذكر النَّعل قد تقدَّم.

ثمَّ إنَّه يدخل في هذا كلُّ لباسٍ شفع كالخفَّين، وإخراج اليد الواحدة من الكمِّ دون الأخرى والتَّردِّي على أحد المنكبين دون الآخر، قاله الخطابيُّ. وقد أخرج ابنُ ماجه حديث الباب من رواية محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبُريِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( لا يمشِ أحدُكم في نعلٍ واحدٍ ولا خفٍّ واحدٍ ) )، وهو عند مسلمٍ أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه. وعند أحمد من حديث أبي سعيدٍ. وعند الطَّبرانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

وإلحاق إخراج اليد الواحدة من الكمِّ وترك الأخرى بلبس النَّعل الواحدة أو الخفِّ الواحد بعيدٌ، إلَّا إن أخذ من الأمر بالعدل بين الجوارح أو الشُّهرة وكذا وضع طرف الرِّداء على أحد المنكبين والله تعالى أعلم. وقال في «المعونة» يجوز ذلك في المشي الخفيف إذا كان هناك عذرٌ وهو أن يمشيَ في أحداهما متشاغلًا لإصلاح الأخرى، وإن كان الاختيار أن يقفَ إلى الفراغ منها.

وأمَّا ما أخرجه مسلمٌ من طريق أبي رَزين عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( إذا انقطعَ شِسْعَ أحدكُم فلا يمشِ في نعلٍ واحدةٍ حتَّى يُصلحها ) )وله من حديث جابر رضي الله عنه (( حتَّى يصلحَ نعله ) ). وله ولأحمد من طريق همَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا انقطعَ شسعُ أحدكُم أو شراكه فلا يمشِ في أحداهما بنعلٍ والأخرى حافية، ليُحْفِهما جميعًا أو لينعلْهُما جميعًا ) )فهذا لا مفهوم له [1]

ج 25 ص 140

حتَّى يدلَّ على الإذن في غير هذه الصُّورة، وإنَّما هو تصويرٌ خرج مخرج الغالب، ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة وهو التَّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنَّه إذا منع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى، وفي هذا التَّقرير استدراكٌ على من أجاز ذلك حين الضَّرورة وليس كذلك، وإنَّما المراد به أنَّ هذه الصُّورة قد يظنُّ أنَّها أخفُّ لكونها للضَّرورة المذكورة، لكن العلَّة موجودةٌ فيها أيضًا، وهو دالٌ على ضعفِ ما أخرجه التِّرمذيُّ عن عائشة رضي الله عنها قالت ربَّما انقطعَ شسع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النَّعل الواحدة حتَّى يُصلحها. وقد رجَّح البخاريُّ وغير واحدٍ وقفه على عائشة رضي الله عنها. وأخرج الترمذيُّ بسندٍ صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها أنَّها كانت تقول لأخيفنَّ أبا هريرة فيمشي في نعلٍ واحدةٍ. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة موقوفًا، وكأنَّها لم يبلغها النَّهي، وقولها «لأخيفنَّ» ، معناه لأفعلنَّ فعلًا يُخالفه.

وقد اختلف في ضبطه فروي (( لأخالفنَّ ) )وهو أوضحُ في المراد، وروى (( لأحنثنَّ ) )من الحنث _ بالمهملة والنون والمثلثة _ واستُبعِد، لكن يمكن أن يكون بلغها أنَّ أبا هريرة حلف على كراهيَّة ذلك فأرادت المبالغة، وروي (( لأخِيْفَن ) )_ بكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء _ وهي تصحيفٌ، وقد وجَّهت بأنَّ مرادها أنَّه إذا بلغه أنَّها خالفته أمسك عن ذلك خوفًا منها، وهذا في غاية البعد، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يعلم أنَّ من النَّاس من ينكرُ عليه هذا الحكم، ففي رواية مسلم المذكورة من طريق أبي رَزين خرج إلينا أبو هريرة فضربَ بيدهِ على جبهتهِ، فقال ألا إنَّكم تحدِّثون أنِّي أكذب لتهتدوا وأضلَّ، أشهد لسمعت، فذكر الحديث.

وقد وافق أبا هريرة جابر على رفع الحديث، فأخرج مسلمٌ من طريق ابن جريحٍ أخبرني أبو الزبير أنَّه سمع جابرًا يقول إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يمشي

ج 25 ص 141

في نعلٍ واحدةٍ ... )) الحديث. ومن طريق مالك عن أبي الزُّبير عن جابرٍ رضي الله عنه نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يأكلَ الرَّجل بشماله ويمشي في نعلٍ واحدةٍ. ومن طريق أبي خيثمة عن أبي الزُّبير عن جابرٍ رفعه (( إذا انقطع شسعُ أحدكُم فلا يمشي في نعلٍ واحدةٍ حتَّى يصلحَ شِسْعه ولا يمشي في خفٍّ واحد. قال ابنُ عبد البرِّ لم يأخذ أهل العلم برأي عائشة رضي الله عنها في ذلك. وقد ورد عن عليٍّ وابن عمر رضي الله عنهم أيضًا أنَّهما فعلا ذلك، وهو إمَّا أن يكون بلغهما النَّهي فحملاه على التَّنزيه، أو كان زمن فعلهما يسيرًا بحيث يُؤمَن معه المحذور، أو لم يبلغهما النَّهي، أشار إلى ذلك ابن عبد البر.

والشِّسْع _ بكسر المعجمة وسكون المهملة بعدها عين مهملة _ السَّير الَّذي يجعل فيه إصبع الرِّجل من النَّعل، والشِّرَاك _ بكسر المعجمة وتخفيف الراء آخره كاف _ أحد سيور النَّعل التي يكون في وجهها، وكلاهما يختلُّ المشي بفقده. وقال القاضي عياض روي عن بعض السَّلف في المشي في نعلٍ واحدةٍ أو خفٍّ واحدٍ أثر لم يصحَّ، أو له تأويل في المشي اليسير بقدر ما يصلح الأخرى، والتَّقييد بقوله «لا يمشِ» قد يَتمسَّك به من أجاز الوقوف بنعلٍ واحدةٍ إذا عرض للنَّعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد اختلف في ذلك فنقل القاضي عياض عن مالك أنَّه قال يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرضٍ حارَّةٍ أو نحوها مما يضرُّ به المشي، ففيه حتَّى يصلحها أو يمشي حافيًا إن لم يكن ذلك.

قال ابن عبد البرِّ هذا هو الصَّحيح في الفتوى وفي الأثر، وعليه العلماء ولم يتعرَّض لصورةِ الجلوس، والَّذي يظهر جوازها بناء على أنَّ العلَّة في النَّهي ما تقدَّم ذكره إلَّا ما ذُكِر من إرادة العدل بين الجوارح فإنَّه يتناول هذه الصُّورة أيضًا، هذا وما رواه ابن شاهين في «ناسخه» من حديث جُبَارة بن المغلِّس أخبرنا مَنْدل _ يعني ابن علي _ عن ليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما

ج 25 ص 142

قال «ربَّما انقطع شسع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمشي في نعلٍ واحدٍ حتَّى يُصلحها أو تُصلَح له» ، قال صاحب «التوضيح» هذا حديثٌ واهٍ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد أخرجه مسلمٌ في «اللباس» ، وكذا أبو داود والترمذي فيه.

[1] في هامش الأصل جواب قوله وأما ما أخرجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت