5868 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالجمع (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغَّرًا، الحافظ المخزوميُّ مولاهم المصريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، واسم أبيه عبد الله، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، أنَّه (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد أيضًا (أخبرني أنس بن مالك) رضي الله عنه (أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا) وفي رواية بالفاء (فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ) هكذا روى الحديث الزهريُّ عن أنسٍ رضي الله عنه، واتَّفق الشَّيخان على تخريجه من طريقه، ونسب فيه إلى الغلط؛ لأنَّ المعروف أنَّ الخاتم الَّذي طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب اتِّخاذ النَّاس مثله إنما هو خاتم الذَّهب كما صرَّح به في حديث ابن عمر رضي الله عنهما [خ¦5867] .
قال النَّوويُّ تبعًا للقاضي عياض قال جميع أهل الحديث هذا وهمٌ من ابن شهاب؛ لأنَّ المطروح ما كان إلَّا خاتم الذَّهب، ومنهم من تأوَّله. قال الحافظ العسقلانيُّ وحاصل الأجوبة ثلاثة
أحدها ما قاله الإسماعيليُّ فإنَّه قال بعد أن ساقه إن كان هذا الخبر محفوظًا، فينبغي أن يكون تأويله أنَّه اتَّخذ خاتمًا من ورقٍ على لونٍ من الألوان، وكره أن يتَّخذ غيره مثله، فلمَّا اتَّخذوه رمى به حتَّى رموا به، ثمَّ اتَّخذ بعد ذلك ما اتَّخذه ونقش عليه ما نقش ليختم به.
ثانيها ما أشار إليه الإسماعيليُّ أيضًا أنَّه اتَّخذه زينة فلمَّا تبعه النَّاس فيه رمى به، فلمَّا احتاج إلى الختم اتَّخذه ليختم به.
ثالثها قال ابن بطَّال خالف ابن شهاب رواية قتادة وثابت
ج 25 ص 159
وعبد العزيز بن صهيب في كون خاتم الفضَّة استقرَّ في يد النَّبي صلى الله عليه وسلم يختمُ به، وختم به الخلفاء بعده، فوجب الحكم للجماعة، وأن يُوهَّم الزهريُّ فيه، لكن قال المهلَّب قد يمكن أن يتأوَّل لابن شهاب ما ينفي عنه الوهم، وإن كان الوهم أظهرُ، وذلك أنَّه يحتمل أن يكون لما عزم على إطراح خاتم الذَّهب اصطنعَ خاتم الفضَّة بدليل أنَّه كان لا يستغني عن الختم على الكتب إلى الملوك وغيرهم من أمراء السَّرايا والعمَّال، فلمَّا لبس خاتم الفضَّة أراد النَّاس أن يصطنعوا مثله، فطرحَ عند ذلك خاتم الذَّهب فطرح النَّاس خواتيم الذَّهب.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يخفى وهاء هذا الجواب، والَّذي قاله الإسماعيليُّ أقرب مع أنَّه يُخدشُ فيه أنَّه يستلزم اتِّخاذ خاتم الورق مرَّتين، وقد نقل القاضي عياض نحوًا من قول ابن بطَّال قائلًا قال بعضهم يمكن الجمع بأنَّه لما عزم على تحريم خاتم الذَّهب اتَّخذ خاتم فضَّةٍ، فلمَّا لبسه رآه النَّاس في ذلك اليوم ليعلموا إباحته، ثمَّ طرح خاتم الذَّهب، وأعلمهم تحريمَه فطرحَ النَّاس خواتيمهم من الذَّهب فيكون قوله (( فطرحَ خاتمه وطرحُوا خَواتيمهم ) )أي التي من الذَّهب. وحاصله أنَّه جعل الموصوف في قوله (( فطرحَ خاتمه وطرحُوا خواتيمهم ) )خاتم الذَّهب وإن لم يجرِ له ذكر.
قال القاضي عياض وهذا يسوغ أن لو جاءت الرِّواية مجملةً، ثمَّ أشار إلى أنَّ رواية ابن شهاب لا يحتمل هذا التَّأويل، وأمَّا النَّوويُّ فارتضى هذا التَّأويل، وقال هذا هو التَّأويل الصَّحيح، وليس في الحديث ما يمنعه، قال وأمَّا قوله فصنع النَّاس الخواتيم من الورق فلبسوها، ثمَّ قال فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم. فيحتمل أنَّهم لمَّا علموا أنَّه صلى الله عليه وسلم يريد أن يصطنعَ لنفسه خاتم فضَّةٍ اصطنعوا لأنفسهم خواتيم فضَّةٍ، وبقيت معهم خواتيم الذَّهب، كما بقي معه خاتمه إلى أن استبدلَ خاتم الفضَّة وطرحَ خاتم الذَّهب فاستبدلوا وطرحوا، انتهى.
وأيَّده الكرمانيُّ
ج 25 ص 160
بأنَّه ليس في الحديث أنَّ الخاتم المطروح كان من الورق بل هو مطلقٌ، فيحمل على خاتم الذَّهب، أو على ما نقش عليه نقش خاتمه؛ أي الَّذي اتَّخذه ليختم به كتبه إلى الملوك لئلا تفوت مصلحة نقش اسمه بوقوعِ الاشتراك، ويحصلُ الخلل، قال ومهما أمكنَ الجمعُ لا يجوز توهيم الرَّاوي، وأمَّا طرح الرَّسول صلى الله عليه وسلم خاتمه على الجواب الثاني، فكان غضبًا عليهم حيث تشبَّهوا به في النَّقش، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل وجها رابعًا ليس فيه تغييرٌ ما ولا زيادة اتِّخاذٍ، وهو أنَّه اتَّخذ خاتم الذَّهب للزِّينة فلمَّا تتابع النَّاس فيه وافق وقوع تحريمه فطرحه، ولذلك قال «لا ألبسه أبدًا» وطرح النَّاس خواتيمهم تبعًا له، وصرَّح بالنَّهي عن لبس خاتم الذَّهب، كما تقدَّم في الباب الَّذي قبله [خ¦5865] ثمَّ احتاج إلى الخاتم لأجل الختم به، فاتَّخذه من فضَّةٍ ونقش فيه اسمه الكريم، فتبعه الناس أيضًا في ذلك فرمى به حتَّى رمى النَّاس تلك الخواتيم المنقوشة على اسمه؛ لئلَّا تفوت مصلحةُ نقش اسمه بوقوع الاشتراك، فلمَّا أُعدمت خواتيمهم برميها رجعَ إلى خاتمه الخاصِّ به فصار يختم به، ويشير إلى ذلك قوله في رواية عبد العزيز بن صُهيبٍ عن أنسٍ رضي الله عنه كما سيأتي قريبًا في «باب الخاتم في الخنصر» [خ¦5874] (( إنَّا اتَّخذنا خاتمًا ونقشنا فيه نقشًا فلا ينقشُ عليه أحدٌ ) ).
فلعلَّ بعض من لم يبلغه النَّهي أو بعض من بلغه ممَّن لم يرسخ في قلبه الإيمان من منافقٍ ونحوه اتخذوا ونقشوا، فوقعَ ما وقع، ويكون طرحه له غضبًا ممَّن تشبَّه به في ذلك النَّقش، وقد أشار إلى ذلك الكرمانيُّ مختصرًا جدًا، والله أعلم.
وقول الزهريِّ في روايته «إنَّه رآه في يده يومًا واحدًا» [خ¦5868] ، ولا ينافي ذلك ولا يُعارضه قوله في الباب الَّذي بعده في رواية حُميد سُئل أنس رضي الله عنه هل اتَّخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا؟ قال أخَّر ليلة صلاة العشاء .. إلى أن قال فكأنِّي أنظرُ إلى وبيضِ خاتمه [خ¦5869] ، فإنَّه يحمل على أنَّه رآه كذلك في تلك اللَّيلة، واستمرَّ في يده بقيَّة يومها، ثمَّ طرحه في آخر ذلك اليوم، والله أعلم [1] .
وأمَّا ما أخرجه النَّسائي من طريق
ج 25 ص 161
المغيرة بن زياد عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( اتَّخذ النَّبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهبٍ فلبسه ثلاثة أيَّامٍ ) )، فيجمع بينه وبين حديث أنسٍ بأحد أمرين إن قلنا إنَّ قول الزُّهريِّ في حديث أنسٍ «خاتم من ورق» سهو، وأنَّ الصَّواب «خاتم من ذهب» فقوله «يومًا واحدًا» ظرف لرؤية أنس لا لمدَّة اللُّبس، وقول ابن عمر «ثلاثة أيَّامٍ» ظرف لمدة اللُّبس. وإن قلنا أنَّ لا وهم فيها، وجمعنا بما تقدَّم فمُدَّه لبس خاتم الذَّهب ثلاثة أيَّامٍ كما في حديث ابن عمر هذا، ومدَّة لبس خاتم الورق الأوَّل كانت يومًا واحدًا في حديث أنسٍ، ثمَّ لما رمى النَّاس الخواتيم التي نقشوها على نقشه، ثمَّ عاد فلبس خاتم الفضَّة استمرَّ إلى أن مات فلبسه سنةً. قال في «الروضة» ولو اتَّخذ خواتم كثيرةً ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز على المذهب، وفيه قال الأذرعيُّ وغيره رَمَزَ إلى منع لبسه أكثر من خاتم جملة. وما ذكره المحبُّ الطَّبريُّ من منعها وعلله بأنَّ استعمال الفضَّة حرامٌ إلَّا ما وردت الرُّخصة به ولم تَرِدْ إلَّا في خاتمٍ واحدٍ، فقال الأذرعيُّ وهذا ينافيه قول الدَّارمي ويكره للرجل لبس فوق خاتمين. وقول الخوارزميِّ يجوز للرَّجل لبس زوج خاتم في يده وفرد في كلِّ يدٍ وزوج في يد وفرد في أخرى، وإنَّ لبس زوجين في كلِّ يدٍ لا يجوز إلَّا للنِّساء قال وعلى قياسه لو تختم في غير الخنصر ففي حلِّه وجهان قال أصحهما التَّحريم للنَّهي الصَّحيح عنه، ولما فيه من التشبُّه بالنِّساء، انتهى.
والَّذي في «شرح مسلم» عدم التَّحريم، ففيه والسُّنَّة للرجل جعل خاتمه في الخنصر.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة التي قبل الباب المجرَّد ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلمٌ في «اللباس» أيضًا.
(تَابَعَهُ) أي تابع يونس (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين؛ أي ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (وَ) كذا تابعه (زِيَادٌ) بكسر الزاي وتخفيف الياء،
ج 25 ص 162
هو ابنُ سعد بن عبد الرحمن الخراسانيِّ نزيل مكَّة، ثمَّ اليمن ومات بها.
(وَ) كذا تابعه (شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصيِّ في روايتهم (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب. أمَّا متابعة إبراهيم بن سعد فوصلها مسلم وأحمد وأبو داود من طريقه بمثل رواية يونس بن يزيد ولا يخالفه إلَّا في بعض لفظٍ.
وفي مسلم حدَّثنا أبو عمر أنَّ محمد بن جعفر بن زياد أخبرنا إبراهيم _ يعني ابن سعدٍ _ عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أنَّه أبصر في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من وَرِق يومًا واحدًا، فصنع النَّاس الخواتم من ورقٍ فلبسوه، فطرح النَّبي صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح النَّاس خواتمهم )) .
وأمَّا متابعة زياد فوصلها أيضًا مسلم حدَّثني محمَّد بن عبد الله بن نُمير حدَّثنا روح حدَّثنا ابن جريج أخبرني زياد أنَّ ابن شهابٍ أخبره أنَّ أنس بن مالك أخبره أنَّه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق يومًا واحدًا. الحديث نحو المذكور غير أنَّ فيه اضطربوا، بدل اصطنعوا.
أمَّا متابعة شعيبٍ فوصلها الإسماعيليُّ عن الفضل بن عبد الله أخبرنا عَمرو بن عثمان أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة حدَّثني أبي، عن الزُّهريِّ وأشار إليها أبو داود أيضًا.
(وَقَالَ ابْنُ مُسَافِرٍ) هو عبدُ الرحمن بن خالد بن مسافر، أبو خالد الفهميُّ المصريُّ، واليها، مولى اللَّيث بن سعد (عَنِ الزُّهْرِيِّ أَرَى خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ) وهذا التَّعليق ساقطٌ في رواية أبي ذرٍّ ثابتٌ في رواية غيره إلَّا النَّسفيِّ، وقد أشار إليه أبو داود أيضًا، ووصله الإسماعيلي عن إبراهيم بن موسى أخبرنا أبو الأحوص أخبرنا سعيد بن عُفَير حدَّثنا اللَّيث عن ابن مسافر، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه كذلك، وليس فيه لفظ أرى، فكأنَّه من البخاريِّ. قال الإسماعيليُّ رواه أيضًا عن ابن شهاب كذلك موسى بن عقبة وابن أبي عتيق، ثمَّ ساقه من طريق سليمان بن بلال عنهما قال مثل حديث إبراهيم بن سعد.
وفي حديث الباب
ج 25 ص 163
مبادرة الصَّحابة رضي الله عنهم إلى الاقتداءِ بأفعاله صلى الله عليه وسلم، فمهما أقرَّ عليه استمروا عليه ومهما أنكرهُ امتنعوا منه. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه صلى لله عليه وسلم لا يُورَث وإلَّا لدفع خاتمه إلى الورثةِ، كذا قال النَّوويُّ، وفيه نظرٌ لجواز أن يكون الخاتم اتُّخذ من مال المصالح فانتقلَ للإمام لينتفع به فيما صنع.
وفيه حفظ الخاتم الَّذي يُختَم به تحت يد أمين إذا نزعه الكبير من إصبعه. وفيه أنَّ يسير المال إذا ضاع لا يُهملُ طلبه، ولاسيَّما إذا كان من أثر أهل الخير. وفيه أنَّ العبث اليسير بالشَّيء حال التَّفكُّر لا عيبَ فيه.
[1] في هامش الأصل قال العيني قال النووي ناقلًا عن عياض قال جميع أهل الحديث هذا وهم من ابن شهاب، لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب، ومنهم من تأوله ولفق بينه وبين سائر الروايات، وقال الضمير راجع إلى الذهب؛ يعني لما أراد صلى الله عليه وسلم تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة فهم أيضًا اصطنعوا لأنفسهم خواتم فضة فبعد ذلك طرح خاتم الذهب، واستبدل الفضة، فطرحوا الذهب واستبدلوا الفضة، وقال الكرماني ليس في الحديث أن الخاتم المطروح كان من الورق بل هو مطلق، فيحمل على خاتم من ذهب، وقد طول بعضهم هنا وذكر كلامًا كثيرًا، وفيما ذكرنا كفاية انتهى. منه.