539 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) وفي رواية (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (قَالَ حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ) هو من الأعلام التي تُسْتَعملُ بلام التَّعريف وبدونه (أَبُو الْحَسَنِ مَوْلىً لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ) وفي رواية بالإضافة، الكوفيُّ (قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجُهنيَّ الكوفيَّ المُخْضرم.
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ) رضي الله عنه (قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ) وقد وقع التَّصريح بأنَّه بلال رضي الله عنه في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، والتِّرمذي، وأبي عَوانة، والجَوْزَقي من طريق زيد ابن وَهَب عن شعبة أيضًا (أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرِدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ أَبْرِدْ) وفي رواية أبي داود، عن أبي الوليد، عن شعبة (( مرَّتين أو ثلاثًا ) )، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث [خ¦629] (( فأراد المؤذِّن أن يؤذِّن، فقال له أبرِدْ، ثمَّ أراد أن يؤذِّن فقال له أبرِدْ، ثمَّ أراد أن يؤذِّن فقال له أبرِدْ ثلاثًا ) ).
(حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) وفي «صحيح أبي عَوانة» من طريق حفص بن عمر، عن شعبة في هذا الحديث بعد قوله فيء التُّلول (( ثمَّ أمره فأذَّن وأقام ) ) (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عقب مقالته السَّابقة (إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا) بفتح همزة القطع (بِالصَّلاَةِ) التي يشتدُّ الحرُّ غالبًا في أوَّل وقتها وهي الظُّهر.
قال التِّرمذي في «جامعه» قد اختارَ قومٌ من أهلِ العلمِ تأخيرَ صلاةِ الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق.
وقال الشَّافعي إنَّما الإبراد بصلاة الظُّهر لمن ينتاب؛ أي يأتي من البعيد إلى المسجد، فأمَّا المصلِّي وحده والذي يصلِّي في مسجد قومه، فالَّذي أُحِب له أن لا يُؤَخِرَ الصَّلاة في شدَّة الحرِّ.
قال أبو عيسى التِّرمذي وقول مَنْ ذهبَ إلى تأخيرِ الظُّهرِ في شِدَّة الحرِّ هو أولى وأشبه بالاتِّباع، وأمَّا ما ذهب إليه الشَّافعي من الرُّخصة لمَنْ ينتابُ من البعدِ فإنَّ في حديث أبي ذرٍّ ما يدلُّ على خِلافِه، قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه كنَّا مع النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفرٍ فأذَّن بلال رضي الله عنه صلاة الظُّهر، فقال النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يا بلال أبردْ، ثمَّ أبردَ ) )، فلو كان الأمرُ على ما ذهبَ إليه الشَّافعيُّ رحمه الله لم يكن للإبرادِ بالظُّهر في ذلك الوقت معنىً
ج 3 ص 473
لاجتماعهم في السَّفر، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد.
وقال الكرمانيُّ أقولُ لا نسلِّم اجتماعهم؛ لأنَّ العادة في القوافل سِيَّما في العساكر الكثيرة أن يتفرَّقوا في أطراف المنزل لمصالح مع التَّخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره خصوصًا إذا كان فيه سلطانٌ جليلُ القدرِ فإنَّهم يتباعدونَ عنه احترامًا له وتعظيمًا.
وتعقَّبه محمود العينيُّ بأنَّ كلامَ التِّرمذي بناءٌ على الغالب، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضعٍ واحد؛ لأنَّ السَّفر مظنَّة الخوف سِيَّما إذا كان عسكرٌ خرجوا لأجل الحربِ مع الأعداء.
وقالَ بعضُهم عقيب كلام الكرماني وأيضًا فلم تجرِ عادتهم باتِّخاذِ خباءٍ كبير يجمعهم، بل كانوا يتفرَّقون في الخيام، وظلال الشَّجر وليسَ هناك كِنٌّ يمشون فيه، وليس في سياق الحديث ما يخالف ما قالَه الشَّافعيُّ، وغايته أنَّه استنبط من العام معنىً يخصِّصُه، انتهى.
وقالَ محمود العينيُّ هذا أكثر بعدًا من كلامِ الكرماني؛ لأنَّه إسقاط للعمل بعموم النُّصوصِ الواردةِ بالإبراد بالظُّهر بأشياءَ ملفَّقة من الخارج، وقوله «وليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشَّافعي» غير واقع؛ لأنَّ الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى؛ لأنَّ ظاهره عامٌّ، والتَّقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلاف ظاهر الحديث، واستنباط معنى من العامِّ يخصِّصه لا يجوز عند الأكثرين، ولئن جاز فلابد من دليل للتَّخصيص ولا دليل لذلك هاهنا.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية أي قال في تفسير قوله تعالى {يَتَفَيَّأُ} [النحل 48] ظلاله (تَتَمَيَّلُ) أي معناه يتميَّل كأنَّه أرادَ أنَّ الفيء سُمِّيَ به؛ لأنَّه ظلٌ مال إلى جهة غير الجهة الأولى.
وقال الجوهريُّ تفيأتِ الظِّلال؛ أي تقلبتْ، وفي رواية _ بالمُثناة الفوقية _، وقد قرئ بهما، وفي رواية {تفيؤوا} _ بحذف إحدى التائين _.
ومناسبةُ ذكرُ هذا عن ابن عبَّاس من جهةِ قوله في حديث الباب حتَّى رأينا فيء التُّلول، وهذا التَّعليق وقع في رواية المستمليِّ وكريمة دون رواية غيرهما، وقد وصله ابنُ أبي حاتم في «تفسيره» .