فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 11127

543 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) مُحمَّد بن الفَضْل (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) وفي رواية (عَنْ عَمْرِو) بفتح العين (ابْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ) هو أبو الشَّعثاء، وقد تقدَّم في باب الغسل بالصاع [خ¦253] (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.

ورجال هذا الإسناد كلهم بصريُّون ما خلا عَمرُو بن دينار فإنه مكيٌّ، وقد أخرجَ متنه المؤلف في «الصلاة» أيضًا [خ¦562] ، وأخرجهُ مُسلم وأبو داود والنسائي.

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا) أي سبع ركعات ثلاثًا للمغرب، وأربعًا للعشاء من غير فاصلة بينهما (وَثَمَانِيًا) أي ثماني ركعات أربعًا للظهر، وأربعًا للعصر من غير فاصلة أيضًا.

وقوله (الظُّهْرَ وَالعَصْرَ) وما يليه منصوبٌ على أنَّه بدلٌ أو بيان، أو على الاختصاص، أو على نزعِ الخافضِ؛ أي للظهر والعصر (وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ) وفيه لف ونشرٌ على غير التَّرتيب.

(فَقَالَ) وفي رواية (أَيُّوبُ) هو السَّختياني لجابرِ بن زيدٍ أبي الشَّعثاء (لَعَلَّهُ) أي لعلَّ هذا التَّأخير كان (فِي لَيْلَةٍ) أي مع يومها لقرينةِ الظُّهرِ والعصرِ (مَطِيرَةٍ؟) بفتح الميم؛ أي كثيرةِ المطر، وكذا يومها مَطيْر.

(قَالَ) أي جابرُ بن زيدٍ (عَسَى) أي عسى ذلك كان في اللَّيلة المطيرة، فاسم عسى وخبره محذوفان.

ومُطابقةُ الحديث للتَّرجَمةِ من حيث إنَّه أخَّر المغربَ إلى آخرِ وقته، فحينَ فرغَ منه دخل وقت العشاء، وكذلك أخر الظُّهر إلى آخر وقته، فلمَّا صلاها دخل وقت العصر

ج 3 ص 482

فهذا الجمع الذي قال أصحابنا أنَّه جمع فعلًا لا وقتًا.

وقد تكلَّمت العلماءَ في هذا الحديث، فأوَّلهُ بعضهم على أنه جمعَ بعذرِ المطر، ويؤيِّدُ هذا ما رواه أبو داود القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن أبي الزُّبير المكيِّ، عن سعيدِ ابن جُبَير، عن عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظٌّهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعِشاءَ جميعًا في غيرِ خوفٍ ولا سفرٍ.

قال مالكٌ أرى ذلك كان في مطرٍ، وأخرجَه مُسلمٌ والنَّسائيُّ وليسَ فيه كلام مالك رحمه الله.

وقال الخطَّابيُّ وقد اختلفَ النَّاسُ في جوازِ الجمع بينَ الصَّلاتين للمطر في الحضر فأجازَه جماعةٌ من السَّلفِ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما، وفَعَلَهُ عُرْوَةِ بن الزُّبير، وابن المُسيِّب، وعُمرُ بن عبدِ العزيز، وأبو بكر بن عبد الرَّحمن، وأبو سَلَمة، وعامَّة فقهاءِ المدينة، وهو قولُ مالكٍ والشَّافعي وأحمد بن حنبل.

غير أنَّ الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر قائمًا في وقت افتتاح الصَّلاتين معًا، وكذلك قال أبو ثور، ولم يشترط ذلك غيرهما.

وكان مالك يرى أن يَجمع الممطور في الطِّين، وفي حال الظلمة، وهو قولُ عمر بن عبد العزيز.

وقال الأوزاعيُّ وأصحابُ الرأي يُصلي الممطور كلَّ صلاة في وقتها.

وقال محمود العيني هذا التَّأويل ترده الرِّواية الأخرى «من غير خوفٍ ولا مطرٍ» ، وأوَّله البعض على أنه كان في غيمٍ فصلى الظهر ثمَّ انكشف، وبان أن أول وقت العصر قد دخل فصلاها وهذا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، وأوَّله آخرون على أنَّه كان بعذر المرض أو نحوه ممَّا هو في معناه من الأعذار.

وقال النَّوويُّ وهو قول أحمد والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطَّابي والمُتَولِّي والرُّوياني من أصحابنا وهو المُخْتار؛ لتأويله لظاهر الحديث، ولأنَّ المشقَّة فيه أشدُّ من المطر.

وقال الحافظُ العَسْقلانيُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لو كان جمعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الصَّلاتين لعارضِ المرض لَمَا صلَّى معه إلَّا مَنْ له نحوَ ذلك العُذر، والظَّاهر أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بأصحابه، وقد صرَّح بذلكَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في روايته.

وتعقَّبهُ محمودٌ العينيُّ أيضًا بأنَّه مخالفٌ لظاهر الحديث، وتقييده به ترجيحٌ بلا مُرجِّح وتَخصيصٌ بلا مُخصِّص، وأحسنُ التَّأويلات وأقربُها إلى القَبول أنَّه على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلَّاها فيه، فلمَّا فرغ منها دخلت الثانية فصلَّاها، ويؤيِّد هذا التَّأويل ويُبطلُ غيرهَ ما رواه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال ما رأيتُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى صلاة لغير وقتها إلَّا بجمعٍ، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصُّبح من الغدِ قبل وقتها، [خ¦1682] وهذا الحديث يبطلُ العملَ بكلِّ حديثٍ فيه جواز الجمعِ

ج 3 ص 483

بينَ الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء سواءٌ كان في حضرٍ أو سفرٍ أو غيرهما.

فإن قِيْل في حديث ابن عمر رضي الله عنهما إذا جدَّ به السَّير جمعَ بين المغرب والعشاء بعد أن يغيبَ الشَّفقُ. رواه أبو داود وغيره، وهذا صريحٌ في الجمعِ في وقت إحدى الصلاتين.

وقال النَّوويُّ وفيه إبطالُ تأويلِ الحنفيَّة في قولهم إنَّ المراد بالجمعِ تأخيرُ الأولى إلى آخر وقتها، وتقديمُ الثَّانية إلى أول وقتها، ومثله في حديث أنس رضي الله عنه إذا ارتحل قبل أن تزيغَ الشَّمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمعَ بينهما وهو صريحٌ في الجمع بين الصَّلايتن في وقت الثانية، والرواية الأخرى أوضح دَلالة وهي قوله إذا أراد أن يجمعَ بين الصَّلاتين في السَّفر أخَّر الظهر حتى يدخلَ أول وقت العصر، ثمَّ يجمعُ بينهما. وفي الرِّواية الأخرى (( ويُؤَخِّرُ المغربَ حتى يجمعَ بينها وبين العشاء حين يغيب الشَّفق ) ).

فالجواب عن الأولى أنَّ الشَّفقَ نوعان أحمر وأبيض، كما اختلفَ العلماءُ مِنَ الصَّحابة وغيرهم رضيَّ الله عنهم فيه.

ويُحْتَمل أنَّه جمعَ بينهما بعد غيابِ الأحمر، فيكونُ المغرب وقتها على قولِ مَنْ يقول الشَّفق هو الأبيض، وكذلك العشاء يكون وقتها على قولِ من يقول الشَّفق هو الأحمر، ويُطلقُ عليه أنَّه جمعَ بينهما بعد غيابِ الشَّفقِ، والحالُ أنَّه صلَّى كلَ واحدة منهما في وقتها على اختلافِ القولين في تَفسيرِ الشَّفق.

وفيه إبطالٌ لقولِ من ادَّعى بطلان تأويل الحنفيَّة في الحديث المذكور.

والجوابُ عن الثَّاني أنَّ معنى قولهَ (( أخَّرَ الظُّهر إلى وقت العصر ) )أخَّره إلى آخر وقته الذي يتصل به وقت العصر فيُصلِّي الظُّهر في آخر وقته، ثمَّ يصلِّي العصر مُتَصلًا به في أوَّل وقت العصر، فيطلق عليه أنَّه جمع بينهما لكنه فعلًا لا وقتًا.

والجوابُ عن الثَّالث أنَّ أول وقت العصر مُخْتَلفٌ فيه، كما عُرِف، وهو إمَّا بصَيْرُورَة ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله أو مثليه، فيُحتملُ أنَّه أخَّر الظُّهر إلى أن صار ظلُّ كل شيءٍ مثله ثم صلَّاها وصلى عقيبها العصر فيكونَ قد صلَّى الظُّهر في وقتها على قول من يَرى أنَّ وقت العصر بصيرورة ظلِّ كلِّ شيء مثليه، ويكون قد صلَّى العصرَ في وقتها على قول مَنْ يرى أنَّ وقتها بصيرورة ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله.

ويصدق على مَنْ فَعلَ هذا أنَّه جمعَ بينهما في أوَّل وقت العصر، والحالُ أنَّه صلَّى كلَّ واحدةٍ منهما في وقتها على اختلافِ القولين في أوَّل وقت العصر، ومثل هذا لو فعلَ المقيم يجوزُ فضلًا عن

ج 3 ص 484

المُسافر الذي يحتاجُ إلى التَّخفيف.

فإن قِيْل قد ذكر البَيْهَقيُّ في بابِ الجمع بين الصَّلاتين في السَّفر عن حمَّاد بن زيد، عن أيُّوب، عن نافع، عن ابن عُمَر رضي الله عنهما أنَّه سارَ حتى غابَ الشَّفق فنزلَ فجمع بينهما، رواهُ أبو داود وغيره وفيه (( أخَّر المغربَ بعد ذهابِ الشَّفقِ حتى ... [1] من اللَّيل ثم نزلَ فصلَّى المغربَ والعِشاء ) ).

فالجوابُ أنَّه لم يذكرْ سندَه حتى يُنْظرَ فيه، ورَوى النَّسائيُّ بخلافِ هذا، وفيه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا جدَّ به أمرٌ أو جدَّ به السَّيرُ جمع بين المَغرب والعِشاء.

فإن قِيْلَ قد قال البَيهَقيُّ رواه يزيدُ بن هارون عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاري عن نافع فذكر أنَّه سافر قريبًا من رُبع اللَّيل ثمَّ نزل فصلَّى.

فالجواب أنَّه أسندَه في «الخلافيات» من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه فسرنا أميالًا ثمَّ نزلَ فصلَّى، قال يحيى فحدَّثني نافع بهذا الحديث مرَّة أخرى فقال سرنا حتى إذا كان قريبًا من رُبع اللَّيل نزل فصلَّى.

فلفظه مثضطربٌ كما ترى قد رُوِيَ من وجهين، فاقتصر البيهقي في «السنن» على ما يوافق مقصودَه.

واستدل جماعةٌ من الأئمة بظاهرِ هذا الحديث على جوازِ الجمع في الحضر للحاجة، لكن بشرطِ أن لا يتَّخذه عادةً، وممَّن قال به ابن سيرين ورَبيعة وأشْهَب وابن المُنْذر والقفَّال الكبير.

وحكاهُ الخطَّابيُّ عن جماعةٍ من أصحاب الحديث، واستدلَ لهم بما وقع عند مُسلمٍ في هذا الحديث من طريق سعيد بن جُبَير قال فقلتُ لابن عباسٍ رضي الله عنهما لِمَ فعل ذلك؟ قال أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته.

وللنَّسائيِّ من طريق عَمرو بن هَرم، عن أبي الشَّعثاء أنَّ ابن عباسٍ رضي الله عنهما صلَّى بالبصرة؛ الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيءٌ فعل ذلك من شُغْلٍ.

وروى مسلمٌ من طريق عبد الله بن شَقيق أنَّ شُغْلَ عبد الله بن عباسٍ المذكور كان بالخطبة، وأنَّه خَطبَ بعد صلاةِ العصر إلى أن بدتِ النُّجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، والذي ذكره ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما من التَّعليل بنفي الحرج، جاءَ مثلُه عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا، أخرجه الطَّبراني ولفظه (( جمعَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعِشاء، فِقيْل له في ذلك، فقالَ صنعتُ هذا لئلَّا تُحْرَج أمَّتي ) ).

وقال الخطَّابيُّ في الحديث الذي رواه مُسلمٌ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما هذا حديثٌ لا يقولُ به أكثر الفقهاء.

ج 3 ص 485

وقال التِّرمذيُّ ليسَ في كتابي حديثٌ أجمعت الأمم على تركِ العمل به إلَّا حديثَ ابن عباس رضي الله عنهما في الجمع بالمدينة مِنْ غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ، وحديثَ قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.

وأمَّا الذي أخرجه الطَّبرانيُّ فيردُّه ما رواه البُخاريُّ ومسلمٌ من حديث ابنِ مسعود رضي الله عنه ما رأيتُ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى صلاةً لغير وقتها [خ¦1682] ، الحديث، والله أعلم.

[1] بياض في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت