فهرس الكتاب

الصفحة 8826 من 11127

5932 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ حُمَيْدِ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريِّ المدنيِّ. وفي رواية مَعمر عن الزُّهريِّ (( حَدَّثني حميد بن عبد الرحمن ) )أخرجه أحمد، وفي رواية يونس عن الزُّهريِّ (( أخبرنا حميد ) )أخرجه الترمذيُّ. وقد أخرج مسلم روايتي مَعمر ويونس، لكن أحال بهما على رواية مالك، وأخرجه الطَّبراني من طريق النُّعمان بن راشد عن الزُّهري فقال عن السَّائب بن يزيد، بدل حُميد بن عبد الرحمن، وحميد هو المحفوظُ.

(أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَامَ حَجَّ) تقدَّم في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3488] من طريق سعيد بن المسيب عن معاوية تعيين العام المذكور (وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) بالمدينة المنوَّرة (وَهْوَ يَقُولُ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ) بضم القاف وتشديد الصاد المهملة، وهي الكبَّة من الشعر، وفي رواية سعيد بن المسيب (( كبة ) ) [خ¦3488] (كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِيٍّ) بفتح الحاء المهملة والراء وبالسين المهملة نسبة إلى الحرس، وهم خدمُ الأمير الذي يحرسونه، ويُقال للواحد حرسي؛ لأنَّه اسم جنس. وقال الكرمانيُّ أي جندي.

وقال الجوهريُّ هم الذين يحرسون السُّلطان، وعند الطَّبراني من طريق عروة عن معاوية من الزيادة قال وجدت هذه عند أهلي وزعموا أنَّ النساء يزدنها في شعورهنَّ، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكن يُعرف ذلك في النساء قبل ذلك، وفي رواية سعيد بن المسيب (( ما كنت أرى يفعل ذلك إلَّا اليهود ) ) [خ¦3488] .

(أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ) السُّؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار مثل ذلك المنكر وغفلتهم عن تغييره، ويحتمل أنَّه أراد بذلك إحضارهم ليستعين بهم على ما أرادَ من إنكار ذلك.

وقال الحافظ العسقلانيُّ فيه إشارةٌ إلى قلَّة العلماء يومئذٍ بالمدينة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه بعيدٌ يستبعده من له اطِّلاعٌ في التَّاريخ، وكانت المدينة دار العلم ومعدن الشَّريعة وإليها يهرعُ الناس في أمر دينهم.

فإن قيل إذا كان الأمر كذلك كيف لم يُغيَّر أهلها هذا المنكر؟ فالجواب

ج 25 ص 277

أنَّه لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر وسرق وزنى، إلَّا أنَّه كان شاذًا نادرًا، فلا يحلُّ لمسلم أن يقول إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُغيِّر المنكر، فكذلك كان أمر القصة بالمدينة كان شاذًّا، ولا يجوز أن يُقال إنَّ أهلها جهلوا النَّهي عنها؛ لأنَّ حديث لعن الواصلة حديث مدنيٌ معروفٌ عندهم مستفيضٌ.

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ) وأشار به إلى قصَّة الشَّعر التي تناولها من يد حرسيٍّ وبمثلها كانت النساء يوصلنَ شعورهنَّ (وَيَقُولُ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا هَلَكَتْ) وفي رواية مَعمر عند مسلم (( إنما عُذِّب ) ) (بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ) أي التي توصلها المرأة بشعرها (نِسَاؤُهُمْ) ووقع في رواية سعيد بن المسيب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه فسمَّاه الزور [خ¦3488] ، وفي رواية قتادة عن سعيد عند مسلم (( نهى عن الزور ) )، وفي آخره (( ألا وهذا الزور ) )، قال قتادة يعني ما يكثر به النساء أشعارهنَّ من الخِرَق.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الحديث حجَّة للجمهور في منع وصل الشعر بشيءٍ آخر سواء كان شعرًا أو لا، ويؤيِّده حديث جابر رضي الله عنه زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصلَ المرأة بشعرها شيئًا آخر، أخرجه مسلم.

وتعقَّبه العينيُّ بأن الَّذي قاله غير مستقيمٍ؛ لأنَّ الحديث الذي أشار به إليه _ الذي هو حديث معاوية _ لا يدلُّ على المنع مطلقًا؛ لأنَّه مقيَّدٌ بوصل الشَّعر بالشعر، فكيف يجعله حجَّة للجمهور، نعم حجَّة الجمهور حديث جابر المذكور، فانظر إلى هذا التَّصرف العجيب الذي يجعل الحديث المقيد لمن يدَّعي الإطلاق في المنع ثم يقول ويؤيده حديث جابر، فكيف يُؤيد المطلقُ المقيدَ، انتهى فليتأمل فيه، وذهب الليث ونقله أبو عبيد عن كثير من الفقهاء أن الممتنعَ من ذلك وصل الشعر بالشعر، وأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة وغيرها فلا يدخل في النهي.

وأخرج أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن جبير قال لا بأس بالقَرامل،

ج 25 ص 278

وبه قال أحمد، والقرامل جمع قَرْملة _ بفتح القاف وسكون الراء _ نبات طويل الفروع لين، والمراد به هنا خيوطٌ من حرير أو صوف تُعملُ ضفائر تَصِلُ بها المرأة شعرها، وفصَّل بعضُهم بين ما إذا كان ما وُصِل به الشعر من غير الشعر مستورًا بعد عقده مع الشعر بحيث يُظن أنَّه من الشعر، وبين ما إذا كان ظاهرًا، فمنع الأول فقط لما فيه من التَّدليس وهو قوي، ومنهم من أجاز الوصل مطلقًا سواء كان بشعر آخر أو بغير شعرٍ إذا كان بعلم الزوج وإذنه، وأحاديث الباب حجَّة عليه، ويستفاد من الزِّيادة في رواية قتادة منع تكثير شعر الرأس بالخرقِ كما لو كانت المرأة مثلًا قد تمزق شعرها، فتضع عوضه خِرَقًا تُوهم أنها شعر، وقد أخرج مسلم عقب حديث معاوية هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه (( ونساءٌ كاسياتٌ عاريات رؤوسهنَّ كأسنمة البُخت ) ). قال النوويُّ يعني يُكثِّرنها ويعظِّمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها قال وفي الحديث ذمُّ ذلك.

وقال القرطبيُّ البُخْت _ بضم الموحدة وسكون المعجمة ثم مثناة _ جمع بختية، وهي ضرب من الإبل عِظَام الأسنمة. والأسنَمة _ بالنون _ جمع سنام، وهو أعلى ما في ظهر الجمل، شبَّه رؤوسهنَّ بها لما رفعنَ من ضفائر شعورهنَّ على أوساط رؤوسهنَّ تزينًا وتصنعًا، وقد يفعلنَ ذلك بما يُكثِّرنَ به شعورهنَّ.

تنبيه كما يحرم على المرأة الزِّيادة في شعر رأسها يحرمُ عليها حلقَ شعرها بغير ضرورة، وقد أخرج الطَّبري من طريق أم عثمان بنت سفيان عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم أن تحلقَ المرأة رأسها. وهو عند أبي داود من هذا الوجه بلفظ (( ليس على النِّساء حلقٌ، إنَّما على النِّساء التَّقصير ) ).

ومطابقة الحديث للترجمة تُؤخذ من قوله (( حين اتَّخذ هذه نساؤهُم ) )أراد به وصلَ الشَّعر، وقد مضى الحديث في آخر «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3468] .

ج 25 ص 279

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت