فهرس الكتاب

الصفحة 885 من 11127

545 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد (قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سعد إمام المصريين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، ورُواةُ هذا الإسناد ما بين بَلْخيٍّ ومِصْريٍّ ومَدَنيٍّ.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) أي باقيةً(لَمْ يَظْهَرِ

ج 3 ص 486

الْفَيْءُ)أي الظِّل في الموضع الذي كانت الشَّمس فيه (مِنْ حُجْرَتِهَا) وقد تقدَّم في أول المواقيت من طريق مالكٍ عن الزُّهريِّ بلفظ (( والشَّمس في حُجْرتها قبلَ أن تَظهرَ ) ) [خ¦522] أي تصعد وترتفعُ، يقال ظَهرتُ على الشيء، إذا علوتَه، فهذا الظهور غير ذاك الظُّهور.

ومُحصِّله أنَّ المراد بظهور الشَّمس خروجُها من الحُجرة، وبظهور الفيء انبساطُه في الحجرةِ، وليس بين الرَّوايتين اختلاف؛ لأنَّ انبساطَ الفيء لا يكون إلَّا بعد خروج الشَّمسِ، واستدلَّ به الشافعي ومَنْ تَبِعه على تَعجيل صلاة العصر في أوَّل وقتها.

وقال الطَّحاويُّ لا دَّلالة فيه على التَّعجيل لاحتمال أنَّ الحُجْرة كانتْ قصيرة الجُدُرْ فلم تكن الشَّمسُ تحتجبُ عنها إلَّا بقُرْبِ غُروبِها فيدلُّ على التَّأخير لا على التَّعجيل.

وقال الحافظ العَسْقلاني وتُعقِّب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يُتَصور مع اتساع الحجرة، وقد عُرِفَ بالاستفاضة والمُشاهدة أنَّ حُجُرَ أزواجِ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تكن متَّسعةً، ولا يكون ضوءُ الشَّمسِ باقيًا في قعر الحجرة الصَّغيرة إلا والشَّمس قائمة مرتفعة، وإلَّا متى مالتْ جدًا ارتفعَ ضوءها عن قاعِ الحجرة، ولو كانت الجُدُرْ قصيرةً.

ودفعَ محمود العينيُّ ذلك التَّعقُّب بأن الشَّمسَ لا تَحْتَجب عن الحجرة القصيرة الجُدُرْ إلَّا بقُرْب غروبها قال وهذا يُعْلَم بالمشاهدة فلا يَحْتَاج إلى المُكَابرة، ولا دخلَ هنا لاتِّساع الحُجرة ولا لضيقها، وإنما الكلام في قصرِ جُدُرِها، وبالنَّظر إلى هذا فالحديث حُجَّة على مَنْ يرى تَعجيل العصر في أول وقتها، وأنت خبيرٌ بما في هذا الدفع.

وقال النَّوويُّ كانت الحجرة ضيِّقة العَرْصَة قصيرة الجُدُرْ بحيث كان طول جدارها أقل من مسافةِ العَرْصَة بشيءٍ يسير، فإذا صارَ ظلُّ الجِدَار مثله دخل وقت العصر و كانت الشَّمس بَعْدُ في أواخِر العرصة، انتهى.

فإن قِيْل قد عقد المؤلِّف رحمه الله بابًا لوقت العصر، وذكر فيه أحاديثَ لا يدلُّ واحدٌ منها على أنَّ أول وقته بماذا يكون بصيرورة ظلِّ كلِّ شيءٍ مثليه أو مثله.

فالجواب أنه كأنه لم يقعْ له حديث على شرطه في تعيين أول وقت العصر، فذكر الأحاديث الدَّالةَ على ذلك بطريق الاستنباط.

نعم؛ قد روى مسلمٌ عدَّةَ أحاديث مُصرِّحةً بالمقصود.

وقد روى أبو داود والتِّرمذي وقال حديث حسن، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، والحاكمُ في «مستدركه» وقال صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه، ورواه ابنُ خُزَيمَة في «صحيحه» من حديثِ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قالَ قالَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرَّتين ) )الحديث.

ج 3 ص 487

وفيه (( صلّى بي العصرَ حين كان ظله مثله ) ). هذا في المرَّة الأولى، وقالَ في الثَّانية «وصلَّى بي العصرَ حين كان ظله مثليه» .

وقال ابنُ عبد البَر في «التَّمهيد» وقد تكلَّمَ النَّاس في حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بكلامٍ لا وجه له، ورواته كلُّهم مشهورونَ بالعلم.

وقال محمودٌ العينيُّ وهذا الحديث هو العُمدة في هذا الباب.

وقوله (( حين كان ظله مثليه ) )بالتَّثنية وهو آخر وقت الظُّهر عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن عندَه إذا صارَ ظل كلِّ شيء مثليه سوى فيء الزَّوال يخرجُ وقتُ الظهرِ ويدخلُ وقتُ العصر، وعند أبي يوسف ومُحمَّد رحمهما الله إذا صارَ ظلُّ كل شيء مثله يخرجُ وقت الظُّهر ويدخل وقت العصر، وهو رواية الحسن بن زياد عنه، وبه قال مالكٌ والشَّافعيُ وأحمدُ والثُّوريُّ وإسحاق.

ولكن قال الشَّافعيُّ رحمه الله آخر وقت العصر إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثليه لمن ليس له عذر، وأما أصحاب الأعذار والضَّرورات فآخر وقتها لهم غروب الشَّمس، وأمَّا في أول وقتها فهو معهم.

قال الحافظُ العَسْقلاني ولم يُنْقَل عن أحدٍ من أهل العلم مخالفةٌ في ذلك إلَّا عن أبي حنيفة رحمه الله، فالمشهور عنه أنَّه قال أول وقتها مصيرُ ظلِّ كل شيءٍ مثليه _بالتَّثنية _.

وقال القُرْطُبيُّ خالفَ النَّاس كلُّهم أبا حنيفة رحمه الله في ذلك حتى أصحابُه؛ يعني الآخذين عنه، وإلَّا فقد انتصرَ له جماعةٌ ممَّن جاء بعدهم فقالوا ثبتَ الأمر بالإبراد، ولا يحصل إلَّا بعد ذهابَ اشتداد الحرِّ، ولا يذهبُ في تلك البلاد إلَّا بعدَ أن يصيرَ ظل الشَّيء يثْليهِ، فيكون أول وقت العصر عند مَصير الظلِّ مِثْلَيه.

هذا؛ وقال محمود العينيُّ إذا كان استدلال أبي حنيفةَ رحمه الله بالحديث فما يضرُّه مخالفةُ النَّاس له، ويؤيِّد ما قاله أبو حنيفةَ رحمه الله حديث علي بن شيبان، قال قدمنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ وكانُ يؤخِرُ العصرَ ما دامت الشَّمسُ بيضاءَ نقية. رواه أبو داود وابن ماجه.

وهذا يدلُّ على أنَّه كان يُصلِّي العصرَ عند صَيْرُورة ظلِّ كل شيء مِثْلَيه، وهو حُجَّة على خصمه، وكذا حديثُ جابر رضي الله عنه صلَّى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العصر حين صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثليه قدر ما يسير الراكب إلى ذي الحليفة العُنُق. رواه ابن أبي شيبة بسندٍ لا بأس به.

(وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) بضم الهمزة، حمَّاد بن أُسَامةَ اللَّيثي، وقد مرَّ في باب فضل من علم [خ¦79] (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشةَ (مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا) وفي رواية بدل .

ثم هذا التَّعليق وقعَ في رواية أبي ذرِّ والأَصيليِّ وكريمة على رأس الحديث الذي عقيب الباب،

ج 3 ص 488

والصَّواب وقوعه هاهنا.

ثم إنَّه قد أسندَه الإسماعيليُّ عن ابن ماجه وغيره عن أبي عبد الرَّحمن قال حدَّثنا أبو أُسَامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ (( كان النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلِّي العصر والشَّمس في قعر حُجْرتي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت