فهرس الكتاب

الصفحة 8857 من 11127

5955 - 5956 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ) هو الخُريبي بالمعجمة وراء وموحدة، مصغَّرًا (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوام رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنَّها (قَالَتْ قَدِمَ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ، وَعَلَّقْتُ دُرْنُوكًا) زاد مسلم

ج 25 ص 304

من طريق أبي أسامة عن هشام على بابي. والدُّرْنُوك _ بضم الدال المهملة وسكون الراء بعدها نون مضمومة ثم كاف _ ويُقال فيه درموك، بالميم بدل النون. قال الخطابيُّ هو ثوبٌ غليظٌ له خملٌ إذا فُرِشَ فهو بساط، وإذا عُلِّق فهو سترٌ.

(فِيهِ تَمَاثِيلُ) زاد في رواية أبي أسامة عند مسلم (( فيه الخيل ذوات الأجنحة ) ) (فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْزِعَهُ، فَنَزَعْتُهُ) واستُدلَّ بهذا الحديث على جواز اتِّخاذ الصُّور إذا كانت لا ظلَّ لها، وهي مع ذلك ممَّا يُوطأ ويُداس، أو يُمتهنُ بالاستعمال كالمخاد والوسائد. قال النَّوويُّ وهو قول جمهور العلماء من الصَّحابة والتَّابعين، وهو قول الثوريِّ ومالك وأبي حنيفة والشَّافعي، ولا فرق في ذلك بين ما له ظلٌّ وما لا ظلَّ له فإن كان معلَّقًا على حائط، أو ملبوسًا، أو عمامة، أو نحو ذلك ممَّا لا يُعدُّ ممتهنًا فهو حرام. قال الحافظ العسقلانيُّ وفيما نقله مؤاخذات

منها أنَّ ابن العربيِّ من المالكية نقل الإجماع على أنَّ الصُّورة إذا كان لها ظلٌّ حَرُم، سواء كانت ممَّا يمتهن أم لا، وهذا الإجماع محلُّه في غير لُعَبِ البنات، كما سيذكر في «باب من صور صورة» [خ¦5963] .

وحكى القرطبيُّ في «المفهم» في الصُّور التي لا تُتخذ للإبقاء كالفخَّار قولين أظهرهما المنع. وقال الحافظ العسقلانيُّ وهل يلتحقُ ما يُصنع من الحلوى بالفخار، أو بلعب البنات محلَّ تأمُّل. وصحَّح ابن العربيِّ أنَّ الصُّورة التي لا ظلَّ لها إذا بقيت على هيئتها حَرُمت سواء كانت ممَّا يُمتهنُ أم لا، وإن قطع رأسها أو فرَّقت هيئتها جاز. وهذا المذهب منقولٌ عن الزُّهريِّ وقوَّاه النَّووي، وقال يُشهدُ له حديث النُّمْرقة؛ يعني المذكور الذي يأتي في الباب الذي بعده وسيأتي ما فيه [خ¦5957] .

ومنها أنَّ إمام الحرمين نقل وجهًا أنَّ الَّذي يرخَّص فيه ممَّا لا ظلَّ له ما كان على سترٍ، أو وسادةٍ وأمَّا ما كان على الجدار والسَّقف فيُمنع، والمعنى فيه أنَّه بذلك يصيرُ مرتفعًا فيخرجُ عن هيئة الامتهان بخلاف الثَّوب، فإنَّه بصددِ أن يمتهنَ، ويساعده عبارة «مختصر المزني» صورةٌ ذات روح إن كانت منصوبةً. ونقل الرَّافعيُّ عن الجمهور

ج 25 ص 305

أنَّ الصُّورة إذا قُطِع رأسها ارتفعَ المانع. وقال المتولِّي في «التتمة» لا فرق.

ومنها أنَّ مذهب الحنابلة جواز الصُّورة في الثَّوب ولو كان معلَّقًا، على ما في خبر أبي طلحة، لكن إن سُتِرَ به الجدار مُنع عندهم. قال النوويُّ وذهب بعض السَّلف إلى أنَّ الممنوع ما كان له ظلٌّ، وأمَّا ما لا ظلَّ له فلا بأس باتِّخاذه مطلقًا، وهو مذهبٌ باطلٌ، فإنَّ السِّتر الذي أنكره النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت الصُّورة فيه بلا ظلٍّ بغير شكٍّ ومع ذلك أمر بنزعه.

قال الحافظ العسقلانيُّ المذهب المذكور نقله ابنُ أبي شيبة عن القاسم بن محمد بسندٍ صحيحٍ، ولفظه عن ابن عون قال دخلتُ على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيتُ في بيته حجلةً فيها تصاوير القندس والعنقاء، ففي إطلاق كونه مذهبًا باطلًا نظرٌ، إذ يحتمل أنَّه تمسَّك في ذلك بعموم قوله «إلَّا رقمًا في ثوب» ، فإنَّه أعمُّ من أن يكون معلَّقًا، أو مفروشًا، وكأنَّه جعل إنكار النَّبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها تعليق السِّتر المذكور مركَّبًا من كونه مصورًا، ومن كونه ساترًا للجدار.

ويُؤيِّده ما وردَ في بعضِ طُرقه عند مسلم، فأخرجَ من طريق سعيد بن يسار عن زيد بن خالد الجهنيِّ قال دخلتُ على عائشة رضي الله عنها ... فذكر نحو حديث الباب لكن قال فجذبَهُ حتَّى هتكه، وقال إنَّ الله لم يأمرنا أن نكسوَ الحجارة والطِّين، قالت فقطعنا منه وسادتين ... الحديث، فهذا يدلُّ على أنَّه كره ستر الجدار بالثَّوب المصوَّر فلا يساويه الثَّوب الممتهنُ ولو كانت فيه صورةٌ، وكذلك الثَّوب الَّذي لا يُستَر به الجدار، والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الَّذي روى حديث النُّمْرقة، فلولا أنَّه فهم الرُّخصة في مثل الحَجَلة ما استجاز استعمالها، لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك تدلُّ على أنَّه مذهبٌ مرجوحٌ، وأنَّ الَّذي رخَّص فيه من ذلك ما يُمتهنُ لا ما كان منصوبًا.

ج 25 ص 306

وقد أخرج ابنُ أبي شيبة من طريق أيُّوب عن عكرمة قال كانوا يقولون في التَّصاوير في البسط والوسائد التي تُوطأ ذُلْ لها. ومن طريق عاصم عن عكرمة قال كانوا يكرهونَ ما نُصب من التَّماثيل نصبًا، ولا يرون بأسًا بما وطئته الأقدام. ومن طريق ابن سيرين وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير فرَّقهم أنَّهم قالوا لا بأس بالصُّورة إذا كانت تُوطأ. ومن طريق عروة أنَّه كان يتَّكئ على المرافق فيها التماثيل؛ الطَّيرُ والرِّجالُ.

(وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ) كذا أورده عقيب حديث التَّصوير وهو حديثٌ آخر مستقلٌّ قد أفرده في «كتاب الطَّهارة» [خ¦250] من وجه آخر عن الزُّهري عن عروة، وأخرجه عقبَ حديث عائشة رضي الله عنها في «صفة الغسل» [خ¦272] من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن عروة به، وكأنّ البخاري سمع الحديث على هذه الصُّورة فأورده كما سمعه واغتفر ذلك لكون المتن قصيرًا مع أنَّ أكثر عادته التَّصرف في المتن بالاختصار والاقتصار.

وقال الكرمانيُّ يحتمل أنَّ الدُّرْنوك كان معلقًا بباب المغتسل، أو اقتضى الحال ذكر الاغتسال إمَّا بحسب سؤال وإمَّا بغيره، ثمَّ طريق الحديث المذكور طريق آخر ثابتٌ في حديث عائشة رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت