فهرس الكتاب

الصفحة 887 من 11127

547 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بن حسن المروزي، نزيل بغداد ثم مكة (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو الأعرابيُّ (عَنْ سَيَّارِ) بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية، هو أبو المنهال المذكور سابقًا [خ¦541] .

(ابْنِ سَلاَمَةَ) بفتح المهملة وتخفيف اللام (قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي) سلامة (عَلَى أَبِي بَرْزَةَ) نُضْلةَ بن عُبيد (الأَسْلَمِيِّ) بفتح الهمزة، وكان دخولهما عليه زمن أُخرج ابن زياد من البصرة، قاله الإسماعيلي، وكان ذلك في سنة أربع وستين.

وقال الإسماعيليُّ لمَّا كان زمن

ج 3 ص 489

أخرج ابن زياد ووثبَ مروان بالشَّام، قال أبو المنهال انطلقَ بي أبي إلى أبي برزة وانطلقتَ معه، فإذا هو قاعدٌ في ظلِّ علو له من قصب في يوم شديد الحرِّ، فذكر الحديث.

(فَقَالَ لَهُ أَبِي) سلامةُ (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟) أي الصَّلاة المَفْروضة التي كتبها اللهُ على عباده.

وقال الحافظُ العَسْقَلانيُّ واستُدِلَّ به على أنَّ الوتر ليسَ من المكتوبة لكونِ أبي برزة لم يذكْره، وفيه بحث. انتهى.

يريدُ به أنَّ عدمَ ذكره إيَّاه لا يستلزم أن لا يكونَ من المكتوبةِ كذا قِيْل، وفيه تأمُّل.

(فَقَالَ) أبو بَرْزَة رضي الله عنه (كَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُصَلِّي الْهَجِيرَ) وهو الهاجرة؛ أي صلاة الهجير وهو وقت شدَّة الحرِّ، وسُمِّيَ الظُّهر بذلك؛ لأن وقتها يدخل حينئذٍ (الَّتِي تَدْعُونَهَا) من الدَّعوة؛ أي تسمُّونها (الأُولَى) وتأنيث الضَّمير إمَّا باعتبار الهاجرة، وإمَّا باعتبار الصَّلاة، ويُرْوى (( يصلِّي الهجيرة ) )وإنما قِيْل لها الأولى؛ لأنَّها أوَّل صلاةٍ صُلِّيت عند إمامةِ جبريل عليه السلام.

وقال البيضاويُّ لأنَّها أوَّل صلاةِ النَّهار، وفيه أنَّ الصَّحيح أن الصُّبح نهارية فهي الأولى، فافهم.

(حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ) أي تزول عن وسط السَّماء إلى جهة المغرب، من الدَّحض وهو الزَّلق، ومقتضى ذلك أنَّه كان يُصلِّي الظهرَ في أول وقتها، ولا يعارض حديث الأمر بالإبراد لِما تقدَّم مستقصى [خ¦542] .

(وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ) بفتحِ الرَّاء وسكون الحاء المهملة، وهو مَسْكَنُ الرَّجل وما يستصحبُه من الأثاث، وقِيْل هي المَحلَّة (فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ) صفة للرحل وليس بظرفٍ للفعل (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) أي بيضاءَ نقيَّة، والواو للحال، وفي «سنن أبي داود» بإسنادٍ صحيحٍ عن خُثَيْمَة التَّابعيِّ قال حياتها أن تجدَ حرَّها.

وقال الزَّين بن المُنيِّر المُراد بحياتها قوَّة أثرِها حرارةً ولونًا وشعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصيرِ ظلِّ الشَّيء مِثْلَيه.

قال سيَّار (وَنَسِيتُ مَا قَالَ) أبو برزةَ (فِي الْمَغْرِبِ) بيَّن كون قائلِهِ سيَّارًا أحمدُ بن حنبل في روايتهِ عن حَجَّاج عن شُعْبة (وَكَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي روايةٍ بالفاء بدل الواو (يَسْتَحِبُّ) على البناء للفاعل (أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ) أي صلاة العشاء، وفي رواية أي من وقت العشاء.

ج 3 ص 490

قال ابنُ دقيق العيد فيه دليلٌ على استحباب التَّأخير قليلًا؛ لأنَّ التَّبعيضَ يدلُّ عليه، وتعقِّب بأنه بعضٌ مُطلَق لا دَلالةَ فيه على قلَّةٍ ولا كثرة، وسيأتي في باب وقت العشاء من حديث جابر أنَّ التَّأخير إنما هو لانتظار مَنْ يجيء لشهود الجماعة [خ¦565] .

(الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ) بفتح المهملة والتَّاء المثناة الفوقية، والعتَمَة من اللَّيل بعد غيبوبةِ الشَّفقِ، وقد عتم الليل؛ أي أظلم، وفيه إشارةٌ إلى تركِ تسميتها بذلك، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد [خ¦564] .

وقال الطِّيبيُّ لعلَّ تقييَّده الظهرَ والعِشاءَ دون غيرهما للاهتمام بأمرهما، فتسمية الظهر بالأولى تُشْعِرُ بتقديمها، وتَسْمية العِشاء بالعَتَمة تُشْعِر بتأخيرها.

(وَكَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا) خوفَ فواتِها (وَالْحَدِيثَ) أي التَّحدث الدُّنيوي لا الدُّيني (بَعْدَهَا، وَكَانَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَنْفَتِلُ) أي ينصرف من الصَّلاة، أو يلتفتُ إلى المأمومين (مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ) أي الصُّبح، وفيه أنَّه لا كراهة في تسمية الصُّبح بذلك.

(حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ) في صلاة الصَّبح (بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) أي من الآي، وقدَّرها الطَّبرانيُّ بسورةِ الحاقَّة ونحوها، واستدلَّ بذلك على التَّعجيل بصلاة الصُّبح؛ لأنَّ ابتداء معرفةِ الإنسان وجهَ جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صرَّح بأن ذلك كان عند فراغ الصَّلاة، ومن المعلوم من عادته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترتيل القراءة وتعديلُ الأركان فمقتضى ذلك أنَّه كان يدخل فيها مغلسًا.

وادَّعى الزَّين المُنِّيِر أنه مُخالفٌ لحديثِ عائشةَ رضي الله عنه الآتي حيث قالت فيه لا يُعْرفنَ من الغلس [خ¦578] .

وتُعقِب بأن الفرقَ بينهما ظاهرٌ؛ وهو أن حديث أبي بَرْزة متعلقٌ بمعرفة مَنْ هو مُسْفرٌ جالس إلى جنب المُصلي فهو ممكن، وحديثُ عائشة رضي الله عنه متعلقٌ بمن هو مُتَلففٌ مع أنَّه على بُعْد فهو بعيد.

وقال النَّوويُّ هذا الحديث حُجَّة على الحنفية حيث قالوا لا يدخلُ وقت العصر حتى يصيرَ ظلُّ الشيء مثليه.

وتعقَّبه محمود العينيُّ بأنَّ الحنفيةَ لم يقولوا بذلك، وإنما هو رواية أسد بن عَمرو عن أبي حنيفةَ وحده، وروى الحسنُ عنه أنَّ أوَّل وقت العصر إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثله، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر، واختاره الطَّحاويُّ.

وروى المُعلَّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفةَ إذا صارَ الظِّلُ أقلَّ من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ قامتين، وصحَّحه الكَرْخِيُّ.

ج 3 ص 491

وفي رواية الحسن أيضًا إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيء قامة خرجَ وقت الظهر، ولا يدخل وقتُ العصر حتى يصيرَ قامتين، وبينهما وقتٌ مُهْمَل وهو الذي يسمِّيه الناس بين الصَّلاتين.

وحكى ابن قُدَامة في «المُغْني» عن ربيعة أنَّ وقتَ الظُّهر والعصر إذا زالتِ الشَّمس، وعن عطاء وطاوس إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثله دخلُ وقتُ الظُّهرِ وما بعده وقت لهما على سبيلِ الاشتراكِ حتى تَغْرُبَ الشَّمسُ.

وقال ابن رَاهَويه وأبو ثورٍ والمُزَنيُّ والطَّبريُّ إذا صار ظل كلِّ شيءٍ مثله دخلَ وقت العصر، ويبقى الظُّهر قدر ما يُصلي أربع ركعات ثمَّ يتمحَّض الوقت للعصر، وبه قال مالكٌ.

ومطابقةُ هذا الحديث للتَّرجمة في قوله (( ويصلي العصر ثمَّ يرجعُ أحدنا إلى رحلهِ في أقصى المدينة والشَّمسُ حيَّة ) ).

وأخرج المؤلف هذا الحديث أيضًا في باب وقت الظُّهر عند الزوال [خ¦541] ، وقد ذكر هناك ما فيه الكفاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت