فهرس الكتاب

الصفحة 8870 من 11127

5963 - (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ)

ج 25 ص 317

بالتحتية المشددة والشين المعجمة، الرَّقَّام، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابنُ عبد الأعلى، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) هو ابنُ أبي عَروبة، قال (سَمِعْتُ النَّضْرَ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة (ابْنَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ قَتَادَةَ) أي ابن دعامة.

قال الحافظ العسقلانيُّ كان سعيد بن أبي عَروبة كثير الملازمة لقتادة، فاتَّفق أنَّ قتادة والنَّضر بن أنسٍ اجتمعا، فحدَّث النَّضرُ قتادةَ فسمعه سعيدٌ وهو معه، ووقع في رواية المستملي وغيره والضمير للحديث، و «قتادة» نصب على المفعولية والفاعل «النضر» ، وضبطه بعضهم بالرفع على أن الضمير «للنَّضر» ، وفاعل يحدِّث «قتادة» وهو خطأ؛ لأنَّه لا يلائم قوله «سمعت النَّضر» ولأنَّ قتادة لم يسمع من ابن عبَّاس رضي الله عنهما ولا حضر عنده. وقد تقدَّم تصريح البخاريِّ بأنَّ سعيدًا سمع من النَّضر هذا الحديث الواحد [خ¦2225] ، ووقع في رواية خالد بن الحارث عن سعيد عن قتادة، عن النَّضر بن أنسٍ أخرجها الإسماعيلي.

وقوله (( عن قتادة ) )من المزيد في متَّصل الأسانيد، فإن كان خالدٌ حفظه احتمل أن يكون سعيد كان سمعه من قتادة عن النَّضر، ثمَّ لقي النَّضر فسمعه منه فكان يحدِّث به على الوجهين، وقد حدَّث به قتادة عن النَّضر من غير طريق سعيدٍ أخرجه الإسماعيليُّ من رواية هشام الدَّستوائي عن قتادة.

(قَالَ) أي النضر (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَهُمْ يَسْأَلُونَهُ) أي يستفتونه وهو يجيبُهم عمَّا يستفتونه (وَلاَ يَذْكُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لا يذكر الدَّليل من السُّنَّة، وقد وقع بيان ذلك عند الإسماعيلي من رواية ابن أبي عديٍّ عن سعيد ولفظه (( فجعلوا يستفتونه ويُفتيهم، ولا يذكر فيما يفتيهم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ) ).

(حَتَّى سُئِلَ) لم يُذكَر ما سُئل عنه، وبيَّنه ابن أبي عدي ففي روايته حتَّى أتاه رجلٌ من أهل العراق أُراه نجارًا فقال إنِّي أصوِّر هذه التَّصاوير فما تأمرني؟ قال إذن سمعت ... وتقدَّم في «البيوع» من رواية

ج 25 ص 318

سعيد بن أبي الحسن قال كنت عند ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذ أتاه رجلٌ، فقال يا أبا عبَّاس إني إنسانٌ إنما معيشتي من صنعة يدي [خ¦2225] .

(فَقَالَ) أي ابن عباس رضي الله عنهما (سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً) ذات روح (فِي الدُّنْيَا) وقال الحافظ العسقلانيُّ أطلق والظَّاهر التَّعميم فيتناول صورة ما لا روح له، لكن فَهم ابن عبَّاس رضي الله عنهما من بقية الحديث التَّخصيص بصورةٍ ذات روح من قوله «كُلِّف ... إلى آخره» فاستثنى ما لا روح له كالشَّجر، وفيه شيءٌ، فليتأمل، وسيجيء ما يتعلَّق به إن شاء الله تعالى، وقد تقدم أيضًا.

(كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) وفي رواية سعيد بن أبي الحسن (( فإنَّ الله يعذبه حتَّى ينفخَ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدًا ) )واستعمال «حتى» هنا نظير استعمالها في قوله تعالى {حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف 40] ، وكذا قولهم لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. قال الكرماني ظاهره أنَّه من تكليف ما لا يُطاق، وليس كذلك، وإنَّما القصد طول عذابه وإظهار عجزه عمَّا كان يتعاطاهُ، ومبالغة في توبيخه وبيان قبح فعله.

وقوله (( ليس بنافخٍ ) )أي لا يمكنه ذلك فيكون معذَّبًا دائمًا، وقد تقدم في «باب عذاب المصوِّرين» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه يُقال للمصورِّين (( أحيوا ما خلقتم ) ) [خ¦5951] وإنَّه أمر تعجيزٍ. وقد استشكل هذا الوعيد في حقِّ المسلم فإنَّ وعيد القاتل عمدًا ينقطع عند أهل السُّنة مع ورود تخليده بحمل التَّخليد على مدَّةٍ مديدة، وهذا الوعيد أشدُّ منه؛ لأنَّه مغيًا بما لا يمكن وهو نفخ الرُّوح فلا يصحُّ أن يحملَ على أنَّ المراد أنَّه يعذب زمانًا طويلًا ثمَّ يتخلص.

والجواب أنَّه يتعيَّن تأويل الحديث على أنَّ المراد به الزَّجر الشَّديد بالوعيد بعقاب الكافر ليكون أبلغ في الارتداع وظاهره غير مرادٍ، وهذا في حقِّ العاصي بذلك، وأمَّا من فعله مُستحلًا فلا إشكال فيه. وأجاب الشيخ زين الدِّين العراقي بأنَّه محمولٌ على من يكفر بالتَّصوير كالَّذي يُصوِّر الأصنام لتعبدَ من دون الله فإنَّه كفرٌ. واستُدلَّ به أيضًا

ج 25 ص 319

على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى للحُوق الوعيد بمن تشبَّه بالخالق فدلَّ على أنَّ غير الله ليس بخالقٍ حقيقة.

وقد أجاب بعضُهم بأنَّ الوعيد وقعَ على خلق الجواهر، ورُدَّ بأنَّ الوعيد لاحقٌ باعتبار الشَّكل والهيئة وليس ذلك بجوهر، وأمَّا استثناء غير ذي الرُّوح فورد مورد الرُّخصة، وفي قوله «كُلِّف يوم القيامة» ردٌّ على من زعم أنَّ الآخرة ليست دارَ تكليفٍ.

وأُجيب بأنَّ المراد بالنَّفي أنَّها ليست بدار تكليفٍ بعمل يترتب عليه ثوابٌ أو عقابٌ، وأمَّا مثل هذا التَّكليف فليس بممتنعٍ لأنَّه نفسه عذابٌ، وهو نظير الحديث الآخر (( من قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يجأ بها نفسه يوم القيامة ) ). وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى [خ¦5778] ، وأيضًا فالتكليف بالعمل في الدنيا حسنٌ على مصطلح أهل الكلام بخلاف هذا التَّكليف الَّذي هو عذابٌ، واستدلَّ به على جواز التَّكليف بما لا يُطاق. والجواب ما تقدَّم، وأيضًا فنفخ الرُّوح في الجماد قد ورد معجزةً للنَّبي صلى الله عليه وسلم فهو ممكنٌ وإن كان في وقوعه خرق عادةٍ، والحقُّ أنَّه خطاب تعجيزٍ لا تكليف كما تقدم.

وقد تقدَّم في «باب بيع التَّصاوير» في أواخر «البيوع» [خ¦2225] زيادة سعيد بن أبي الحسن في روايته أنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال للرَّجل ويحك إن أبيت إلَّا أن تصنعَ، فعليك بهذا الشَّجر ... الحديث. واستدلَّ به على جواز تصوير ما لا روح له من شجرٍ أو شمسٍ أو قمر، ونقل الشَّيخ أبو محمد الجويني وجهًا بالمنع؛ لأنَّ من الكفَّار من عبدها.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولا يلزم من تعذيب من يصوِّر ما فيه روحٌ بما ذكر تجويز تصوير ما لا روح، له فإنَّ عموم قوله (( الَّذين يضاهون بخلق الله ) ). وقوله (( ومن أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي ) )يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه، فإن خُصَّ ما فيه روح بالمعنى من جهة أنَّه مما لم تجر عادة الآدميين بصنعته، وجرت عادتهم بغرس الأشجار مثلًا امتنع ذلك في مثل تصوير الشَّمس والقمر، ويتأكَّد المنع بما عُبد من دون الله،

ج 25 ص 320

فإنَّه يضاهي صورة الأصنام الَّتي هي الأصل في منع التصوير، وقد قيَّد مجاهدٌ صاحب ابن عباس رضي الله عنهما جوازَ تصوير الشَّجر بما لا يُثمر، وأمَّا ما يُثمرُ فألحقه بما له روح.

قال القاضي عياض لم يقله أحدٌ غير مجاهد، وردَّه الطحاويُّ بأنَّ الصُّورة لمَّا أُبيحت بعد قطع رؤوسها التي لو قُطعت من ذي الرُّوح لَمَا عاش دلَّ ذلك على إباحة ما لا روح له أصلًا. وقال الحافظ العسقلانيُّ وقضيَّته أن تجويز تصويرِ ما له روحٌ بجميع أعضائه إلَّا الرأس فيه نظرٌ لا يخفى. وأظنُّ مجاهدًا سمع حديث أَبي هريرة رضي الله عنه الماضي، وفيه (( فليخلقوا ذرَّةً وليخلقوا شعيرةً ) )فإنَّ في ذِكْر الذَّرَّة إشارةً إلى ما له روحٌ، وفي ذكر الشَّعيرة إشارةٌ إلى ما ينبت ممَّا يُؤكل، وأمَّا ما لا روح له ولا يثمر فلم تقع الإشارة إليه.

ويُقابل هذا التَّشديد ما حكاه أبو محمد الجُويني أنَّ نسج الصُّورة في الثَّوب لا يمتنع؛ لأنَّه قد لا يُلبس. وطرَّدَهُ المتولِّي في التّصوير على الأرض ونحوها، وصحَّح النَّووي تحريم جميع ذلك. قال النَّوويُّ ويستثنى من جواز تصوير ما له ظلٌّ، ومن اتخاذه لعب البنات لِمَا ورد من الرُّخصة في ذلك.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وأخرجهُ مسلمٌ أيضًا، في «باب من صور صورة في الدنيا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت