5985 - (حَدَّثَنَا) ويروى بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) الخزاميُّ المدنيُّ أحد الأعلام، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وبالنون، ابن محمد بن معنٍ بن نَضْلة _ بفتح النون وسكون الضاد المعجمة _، ابن عَمرو المدني الغفاري، ونَضلة له صحبةٌ، كان يسكن في ناحية العرج (قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي) معن بن نضلة، وهو وأبوه ثقتان، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وكذا أبوه ليس له إلَّا موضعٌ أو موضعان.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) هو المقُبريُّ، واسم أبي سعيدٍ كيسان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
ج 25 ص 367
رضي الله عنه أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ) على البناء للمفعول، وكذا قوله (وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ) من النَّسْأ _ بفتح النون وسكون السين المهملة وبالهمزة في آخره _، وهو التَّأخير؛ أي يؤخَّر له (فِي أَثَرِهِ) أي في أجله، وأثر الشَّيء هو ما يدلُّ على وجوده ويتبعه، والمراد هاهنا الأجل؛ لأنَّه يتبع العمر، قال زهيرٌ
~وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا يَنْقَضِي الْعُمْرُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ
وأصله من أَثَرِ مشيهِ في الأرض، فإن مات لا يبقى له حركةٌ، فلا يبقى لقدمه أثرٌ في الأرض.
(فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) يقال وصلَ رحمه يصلها وصلًا وصلةً، كأنَّه بإحسانه إليهم وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابةِ. قال ابن التِّين ظاهر الحديث يُعارض قوله تعالى {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف 34] ، والجمعُ بينهما من وجهين
أحدهما أنَّ هذه الزِّيادة كنايةٌ عن البركة في العمر بسبب التَّوفيق إلى الطَّاعة، وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعهِ في غير ذلك، ومثل هذا ما جاء أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمَّته بالنِّسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاهُ الله ليلة القدرِ.
وحاصله أنَّ صلة الرَّحم تكون سببًا للتَّوفيق للطاعة، والصِّيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذِّكر الجميل فكأنَّه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التَّوفيق العلم الَّذي يُنتفعُ به بعده، والصَّدقة الجارية، والخلف الصَّالح، ومنه قول الخليل عليه السَّلام {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ} [الشعراء 84] . وفي «المعجم الصغير» للطَّبراني عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال ذُكِرَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصل رحمه أُنسئ له في أجله، فقال (( إنَّه ليس زيادةً في عمره، قال الله تعالى {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} [فاطر 45] الآية، ولكنَّ الرَّجل يكون له الذُّرية الصَّالحة يدعون له من بعده ) ). وله في «الكبير» من حديث أبي مَسْجَعة الجهنيِّ رفعه (( إنَّ الله لا يُؤخِّر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنَّما زيادة العمر ذريَّةٌ صالحةٌ ) ).
وجزم ابنُ فورك بأنَّ المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البرِّ في فهمهِ وعقله، والحاصل أنَّ الزِّيادة بحسب الكيف لا الكمِّ.
وثانيهما أنَّ الزِّيادة على حقيقتها، وذلك بالنِّسبة إلى علم الملك الموكَّل بالعمر، وأمَّا الأول الذي دلَّت عليه الآية فبالنِّسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلًا إنَّ عمْر فلانٍ مائة مثلًا إن وصل رحمه، وستُّون إن قطعها، وكذا بالنِّسبة إلى ما يظهر له من اللَّوح المحفوظ بالمحو والإثبات فيه، يمحو الله ما يشاء ويثبت.
وقد سبق في علمِ الله تعالى أنَّه يصل أو يقطع، فالَّذي في علم الله تعالى لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، والَّذي في علم المَلَك هو الذي يمكن فيه الزِّيادة والنَّقص،
ج 25 ص 368
وإليه الإشارة بقوله تعالى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد 39] . فالمحو والإثبات بالنِّسبة لما في علم المَلَك، وما في أمِّ الكتاب هو الَّذي في علم الله، ولا محو فيه البتَّة، ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأوَّل القضاء المعلَّق.
والوجه الأوَّل أليق بلفظ حديث الباب، فإنَّ الأثر ما يتَّبع الشَّيء فإذا أُخِّر حَسُن أن يحملَ على الذِّكر الحسن بعد فقد المذكور.
وقال الطِّيبي الوجه الأوَّل أظهر، وإليه يشير كلام صاحب «الفائق» ، قال يجوز أن يكون المعنى إنَّ الله يُبقي أثر واصل الرَّحم في الدُّنيا طويلًا، فلا يضمحلُّ سريعًا كما يضمحلُّ أثر قاطع الرَّحم.
ولما أنشد أبو تمَّام قوله في بعض المراثي
~تُوُفِّيَتِ الْآمَالُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَأَصْبَحَ فِي شُغْلٍ عَنِ السَّفَرِ السَّفْرُ
قال له أبو دُلَفٍ لم يمت من قيل فيه هذا الشِّعر.
وقال الكلبيُّ والضَّحَّاك في الآية إنَّ الذي يمحوه ويثبته ما يصعد به الحفظة مكتوبًا على بني آدم، فيأمر الله فيه أن يثبِّت ما فيه ثوابٌ وعقابٌ ويُمحي ما لا ثوابَ فيه ولا عقاب، كقوله أكلت وشربت ودخلت ونحوها من الكلام، وهذا بابٌ واسع المجال؛ لأنَّ علم الله لا نفادَ له، ومعلوماته سبحانه لا نفادَ لها، وكلَّ يومٍ هو في شأن، ومن ثمة كادت أقوال المفسِّرين فيه لا تنحصر.
قال الإمام يزيلُ ما يشاء، ويثبِّت ما يشاء من حكمه، ولا يطَّلع على غيبه أحدًا فهو المتفرِّد بالحكم، والمستقلُّ بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة، والإغناء والإفقار وغير ذلك، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظَّالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.